الفيديو كليب و إدماج المرأة في التعرية

بقلم: محمد بعدي
يشهد العالم في العقود الأخيرة ثورة تقنية ليس لها حدود، همت مختلف جزئيات الحياة. و امتدت من المظاهر المادية لتشمل أعقد السلوكات البشرية و مختلف أنماط التعبير و التفكير. هذه الثورة التقنية و المعلوماتية الهائلة سافرت من بيئتها الأصلية لتنمو و تتألق في سماء البيئة الفنية.
و هذا الزواج بين التقنية و الفن هو الذي تمخض فأنجب " الفيديو كليب"، الذي أضاف إلى الأغنية بعدا آخر و هو الصورة، بمعنى أن الأغنية أصبحت مصورة صورة يفترض أنها تأتلف مع الكلمات و اللحن، لينسجم الكل في النهاية في شكل فسيفساء جميلة تسر الناظرين ـ المستمعين. فما هي خصائص " الفيديو كليب" ؟ و كيف تبنى الصورة داخله؟ و كيف يتم توظيف الفضاء ـ المجال و الأشخاص في إطاره؟
لقد أثار "الفيديو كليب" و ما يزال ردود فعل مختلفة حول جدواه و حول إضافاته إلى المجال الفني الغنائي بوجه خاص، ردود الأفعال هذه تباينت بين معارض يرفض فكرة "الفيديو كليب" و يعتبرها دخيلة على الغناء، و نبتة متوحشة تفسد طعمه و ذوقه. و بين مؤيد يعتبرها ضرورة حضارية، و سلوكا فنيا يتوافق مع متطلبات العصر و ينسجم مع روح الحداثة و منطق التغير و التطور. و من داخل فئة المؤيدين ينبعث فريق يرحب بفكرة "الفيديو كليب" لكنه يضع خطوطا حمرا لا يجب تجاوزها خصوصا على مستوى الشكل الذي يعرض به.
و لعل الملاحظة الفاحصة للأغاني المصورة تسعفنا في بلورة فكرة واضحة حول أهم الخصائص التقنية و المجالية و الحركية و الشخوصية التي تؤطرها. حيث ينتظم الأشخاص في حركات منسجمة داخل مجال معين بالاعتماد على أحدث تقنيات التصوير من أجل بناء بانوراما يفترض أن تتلاءم مع الكلمات و الموسيقى.
و "الفيديو كليب" فكرة غربية، فالمجتمع الغربي ذاته هو الذي أفرز الحاجة إليها، أما داخل مجتمعاتنا العربية، بل داخل المجتمعات الثالثية عموما، فقد جاء "الفيديو كليب"  على سبيل التقليد، و في أحسن الأحوال على سبيل الاقتباس، و إن كان البعض يعتبره تثاقفا و انفتاحا على الآخر، و على العالم الخارجي.
و يتميز المجال داخل "الفيديو كليب"  بكونه متنوعا، يكون تارة مغلقا كالمنزل أو المرقص، و تارة مفتوحا كالطبيعة بكل مكوناتها [البحر، الحدائق، الصحراء...]، أما الأشخاص، فحضور المرأة بشكل مقصود حقيقة لا ينكرها من وهبه الله عينين، و طبعا يمكن أن نضيف مكونات أخرى أهمها تعبيرات الجسد و تقنيات التصوير... لكي تكتمل لوحة "الفيديو كليب" ".
إن ما يهمنا هنا هو الشكل الذي توظف به المرأة داخل بعض الأغاني العربية المصورة، أما الغربية فلها مبرراتها و سياقها التاريخي الخاص. و أنت تشاهد بعض "الكليبات" العربية المصورة يخيل إليك ـ لولا لسانها العربي أو مشتقاته ّـ أنها غربية بكل كبيرة و صغيرة فيها، و قد تضطر لرفع مستوى الصوت لكي تصدق أذنك. و الحقيقة أن بعض الفنانين و المخرجين بارعين في التقليد لحد الابداع، و قد يضاهون أحيانا، بل و يتفوقون على الغربيين في كشف تفاصيل الجسد الأنثوي، و خدش الحياء. هكذا نجد بعض "الكليبات" المشرقية ـ المحسوبة ظلما على العربية ـ تختزل المرأة في بعدها البيولوجي، إذ تعرض جسد الأنثى بشكل سافر و فاضح يجعلك تحس بالقرف و الاشمئزاز، و أنت تشاهد صورا تبعث على الغثيان، فالعري أصبح موضة جديدة يلجأ إليها البعض لفرض الرديء من الأعمال، و تلك حيلة من لا حيلة له.
إن الأعمال المذكورة تقوم بتشييء المرأة و تجريدها من كيانها و طمس شخصيتها كي تصير سلعة و منتوجا يعرض في "سوق البشرية" ، بل إنها تقوم بتشييء الفن ذاته و تجعله خاضعا لقانون العرض و الطلب، حيث لم يعد الفن في قاموس هؤلاء تربية روحية و تهذيبا للذوق و توجيها للسلوك، بل منتوجا ذا قيمة و مردودية مادية لا غير، ووسيلتهم في ذلك الاعتماد على التطورات التقنية على مستوى التصوير، حيث يتم اللجوء إلى تقنية تكبير الصورة أو تقريبها بالتركيز على المناطق الشبقية في الجسد الأنثوي، و المناطق الأكثر إثارة و الأكثر إسالة للعاب الذكوري، بطريقة تستغفل و تستبلد المشاهد، و كأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لإيصال الخطاب ـ الرسالة، و كأن المشاهد لا يفهم لغة الإيحاء و لغة الرمز و الإشارة. و كان حريا ببعض فنانينا و مخرجينا أن يوظفوا ذكاءهم ـ إن كان لديهم ذكاء فني ـ فيما يهذب الذوق و يقوم السلوك. و أفتح قوسا لأستحضر شريطا عربيا، حيث يظهر البطل مضرجا بجروحه بعد موت صديقه المتزوج في إحدى الحروب، عاد إلى بيت صديقه، و كانت زوجة الصديق تسهر على رعايته و مداواة جروحه، فجأة بدأ كل واحد منهما ينظر إلى صاحبه  نظرات ذات معنى، انتهى المشهد الأول، ليبدو البطل في المشهد الثاني و هو يصرخ و يضرب رأسه بعنف بالحائط الاسمنتي، و لم يكن المشاهد في حاجة إلى مشاهد جنسية مثيرة و مفضوحة ليفهم الذي حدث، أغلق القوس.
إن مسايرة كل جديد يأتي به التقدم التكنلوجي أمر في غاية الأهمية، و مطلب لا جدال فيه، لكن يجب مراعاة خصوصياتنا الحضارية و الثقافية و التاريخية، و تقديم نماذج فنية نبيلة الغاية و المقصد ترقى بذوق و تربية ناشئتنا، لكي يكون الفن فعلا رسالة تسمو بالمشاعر و تهذب السلوك، و لكي ننخرط فعلا في التنمية و ليس التعرية..   

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبرس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

العين الثالثة

محمد الفقيهي

لاجـــــئــــوا"الأورو"...! و"الرحماء الجدد"

وأخيرا نزل العطف والحنان من كبد السماء دفعة واحدة على كثير من زعماء أروبا العجوز، ففتحوا أذرعهم لمعانقة أبناء الشام والرافدين بحجة هروبهم من المتطرفين والغلاة والطواغيت
محمد الفقيهي

وخزة قلم

محمد بعدي

تنبيه بنكيران إلى الفرق بين الإِنْسَان و الحِيوَان

لم يعد رئيس الحكومة المغربية مثيرا فقط للجدل، بل أصبح مثيرا للملل، و لم يعد خطابه {كما يقول حواريوه} يعبر عن علامات فطنة، و إنما صار خطابا منتجا للفتنة...
محمد بعدي

منبر الاحد

 يوسف عشي

فن "الحكرة" بالمغرب

ي زمن التشدق بالديمقراطية والقيم "المستنسخة" للحداثة الغريبة، عفوا "الغربية"، نشهد مشهدا تقشعر له الأبدان ويشيب لمرآه الولدان.. نشهد مشهدا بشعا في أفق كنا ولا زلنا نتمناه مشرقا..
يوسف عشي