الكفاءة التربوية و فلسفة التخلف السياسي

بقلم: محمد بعدي
ما يثير الانتباه في الخطاب السياسي للدول المتخلفة أنه خطاب يتأسس على مفاهيم عامة و مجردة، و يخاطب الوجدان بدل مخاطبة العقل، و حتى عندما يخاطب العقل فإنه يلتجئ إلى أسلوب جدلي يقوم على المغالطة و التضليل و العنف الرمزي. لأن منتجيه لا يهمهم سوى التأثير في الآخر المعاق سياسيا و ثقافيا و سحبه بسهولة و يسر إلى عالم مبني على الوهم. و مما يثير الانتباه أيضا أن حماة ذلك الخطاب و مروجيه و الساهرين على انتاجه يحملون في دواخلهم الكراهية و الضغينة لكل من يقاوم الرداءة و يسعى إلى الابداع. إن هذا الخطاب يقدم نفسه كخطاب سحري يمنح المتلقي مرآة مقعرة تعكس مشاكله بشكل يجعلها تصغر و تتضاءل أمامه.
هذا هو ديدن خطابنا السياسي الذي أغدق علينا بوجبات الاصلاح و التغيير و الحداثة و الديموقراطية.. حتى أصابنا بالتخمة، بل الغثيان. و لعل آخر الإبداعات في صناعة التخلف في بلادنا هو ذلك المتعلق بالنظام التعليمي في البلاد و ما حمله من بشرى بإصلاح هذا القطاع.. و كانت بداية المشهد الأول من المسلسل و هو يشبه فعلا بعض مسلسلاتنا من حيث أن نصوصه ترتجل في اللحظات الأخيرة، و مخرجيه يدافعون عن الرداءة بكل رداءة، كانت تلك البداية قد صيغت من خلال شعارات[الرفع من الجودة]، و [التدريس بالكفايات]، و [انفتاح المدرسة على محيطها]، و [و التربية على حقوق الانسان]... و هي شعارات ضخمة ضخامة تخلفنا. إن سؤال الجودة داخل منظومتنا التعليمية هو سؤال كبير وواسع، و ينبغي مقاربته من وجهات نظر متعددة، تقوم على ممارسة تشاركية يساهم فيها كل المعنيين الحقيقيين، لأنه سؤال بنيوي إشكالي لا يمكن للإجابة عنه أن تخرج من مكاتب منظرين يقبعون في أبراجهم العاجية  و لما يدخل الايمان بحق الآخر في الوجود الأصيل في قلوبهم. هل سنحقق الجودة بسياسات الترقيع و الاسعاف و الاهمال؟ كيف نحقق الجودة و مقرراتنا غارقة  في الأخطاء؟ فلغتها أخطاء و مناهجها أخطاء، و حتى بعض مضامينها أخطاء، و الصواب الوحيد فيها هو الأخطاء... كيف نحقق الجودة و ما ظهر بيننا غيور أو مصلح أو مبدع إلا و تعرض للإقصاء؟ كيف نربي النشء على حقوق الانسان و الانتهاك هو سيد الميدان؟ كيف تقدم لإنسان بيدك التي تصفعه بها كل صباح وردة و تطلب منه أن لا يشم الغدر بل الريحان؟ أما انفتاح المدرسة على المحيط فقد تحقق منه الاشباع منذ زمان، و ينبغي أن نطالب بالانغلاق...لأن المحيط يقيم في قلب المدرسة الآن.. أليست "مقاولات" المخدرات و "شركات" الدعارة و الجنس و الامهات العازبات.. تجسيدا للانفتاح؟ ألم تعوض علب السجائر علب الاقلام؟ ألم يغادر السكين و الساطور... المحيط للإقامة داخل المحفظة رفقة أدوات الحداد و الجزار؟ إن ما نخشاه هو أن تصبح الظواهر المذكورة فلسفة و نمطا قيميا يتوج شخصيتنا القاعدية فيتهدم البنيان. إن سؤال الجودة هو الذي حرك المسؤولين الأمناء الغيورين على هذا القطاع.. الخائفين على أبناء الوطن العزيز من الضياع و التشرد، و ليس على أبنائهم، لأن أبناءهم لا خوف عليهم ما داموا يستطيعون متابعة الدراسة في المعاهد الأوربية، و العودة مساء آمنين غانمين.. و عندما تحرك هؤلاء اخترعوا حلا عجيبا أطلقوا عليه "إعادة الكفاءة التربوية" بالنسبة للمتخرجين من المدارس العليا و المراكز التربوية، هؤلاء الذين ناضلوا سنوات في الجامعة من أجل شهادات مستحقة فحصلوا على ميزات تؤهل لمباريات التوظيف الصارمة، و منهم من كان يقتسم منحته غير القابلة للاقتسام أصلا مع أسرته الفقيرة، اجتازوا اختبارات متنوعة شكلا و مضمونا.. و أخيرا نجحوا.. ثم تلقوا تكوينا.. ثم نجحوا.. ثم اجتازوا الكفاءة.. ثم نجحوا... و بعدما تخرجوا اكتشفوا أنهم لم ينجحوا، بل شاركوا في "كاميرا خفية" من إخراج متخصصين في هذا النوع من فنون  آخر الزمان. هؤلاء المتخصصين هم مبدعو تلك "الكاميرا الخفية" التي شارك فيها أكثر من ثلاثين ألفا من المعطلين في قضية شركة النجاة الاماراتية، و أيضا تلك التي شارك فيها كل المغاربة عندما باغثتهم وسائل الإعلام بالسؤال الساخر: هل فعلا يوجد البترول في المغرب؟ لماذا إعادة الكفاءة؟ يقولون من أجل الجودة و من أجل تمييز الصالح من الطالح، و من أجل مصلحة أبناء الوطن. لكن هل إعادة الكفاءة التربوية هو الحل من أجل إنتاج الجودة؟ هل إشهار ورقة الترسيم المؤجل هو الحل؟ إذا كان هؤلاء غير أكفاء فهذا يعني أن مكونيهم في المراكز التربوية و المدارس العليا و قبلهم أطر الجامعة غير أكفاء، و إذا كان الحال على هذه الحال، و دون الاستمرار في نظام السببية الذي يوصلنا في النهاية إلى الحقيقة الوحيدة و هي لاكفاءة من يوكل إليه أمر المسؤولية على هذا القطاع  و غيره. ألن تكون إعادة الكفاءة نوعا من الغباء السياسي الذي ليس له من مبرر سوى إلحاق الأذى برجل قيل فيه ذات زمن: كاد المعلم أن يكون رسولا... أم أنها فلتة لسان و زمان؟
إن سؤال الجودة هو كلمة حق يراد بها باطل، لأن هذا السؤال هو نتاج لبنية يتداخل فيها التربوي و السياسي و الاجتماعي و الثقافي القيمي... أما إعادة الكفاءة فليست سوى شوكة مسمومة تضاف إلى خاصرة النظام التعليمي الذي يرنو إلى العناية المركزة.
لماذا إذن يغيب سؤال الجودة عندما يطلب أبناء الشعب خزانة مدرسية متواضعة فلا يجدون حتى ريحها؟ لماذا يغيب سؤال الجودة عندما يكلف مدرس الفرنسية بمهمة تدريس الانجليزية، و مدرس التربية الاسلامية و العربية بمهمة تدريس الفلسفة؟... و غيرهم كثير.. لماذا يغيب سؤال الجودة عندما يتزاحم خمسون من أبناء الشعب في قاعة واحدة؟ لماذا يغيب سؤال الجودة عندما يغادر أبناء الشعب قاعات الدرس لأنهم لا يملكون ثمن الكتب؟ لماذا لا يطرح سؤال الجودة عندما يمنع المدرس المتلهف للدراسة من متابعة دراسته و تكوين نفسه في غياب تكوين مستمر من كثرة ما سمعنا عنه ظننا أنه واقع حقيقي؟ و ما أكثر هذا النوع من ال "لماذا؟"... إن مفهوم الجودة هو مفهوم اقتصادي مقاولاتي، و استعارته داخل النظام التربوي ربما يبدو مطلبا مهما في واقعنا المعاصر، لكن هذا السفر من الاقتصاد إلى التعليم و من الخارج [النظام التربوي الغربي حيث منبته]، إلى الداخل [النظام التربوي المغربي حيث مستنبته]، يبدو أنه كان سفرا شاقا، إذ أنه وصل شاحبا عاريا فقيرا، قام بتعريته أولئك الذين لا يفكرون سوى في كسوة أبنائهم.
لن يصلح أمر هذا البلد إلا بالتعليم ـ بمعناه التربوي العام ـ و لن يصلح التعليم إلا إذا كان القائمون عليه "صوفيين" بالمعنى الحقيقي للكلمة، يجاهدون النفس و ينكرون الذات من أجل وطن للكل، و يعملون وفق فلسفة  ذات أساس قيمي أخلاقي مؤسس على مبدأ الواجب، و غايته احترام إنسانية الإنسان و  كرامته ، و ليس مؤسسا على فلسفة تبدع التخلف و تفرخ التطرف. لقد ضاع من الوقت الشيء الكثير، و ضاع من الجهد الشيء الكثير، و صار الوضع أخطر من خطير... فهل للمسؤولين استعداد لتغيير حقيقي أم أننا سنظل سجيني لغة التخلف، في المستويات القيادية، الضاربة في تاريخنا، حيث في الوقت الذي كانت فيه أوربا  تبدع فلسفة العلم  و تحرير العقل ابتداء من القرن السابع عشر، كان القواد في بلادنا يؤسسون لفلسفة التخلف، كما تؤكد ذلك شهادة شاهد من أهلها، إذ يقول الحكيم عبد الرحمن المجدوب :
تخلطات و لا بغات تصفى
 ولعب خزها فوق ماها
رياس بلا معدن
هما سباب خلاها 
مقال منشور

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة