المعرفة بين " الداودي " و " الداودية "

بقلم : محمد بعدي
 تعتبر البنية المعرفية من بين أهم الأسس التي يمكن من خلالها قياس درجة تقدم أمة من الأمم، و نقصد بالبنية المعرفية كل مظاهر و أشكال تداول العلوم و المعارف و إنتاجها و توزيعها و اكتسابها و استهلاكها... داخل مجتمع من المجتمعات. و ربما يكون هذا المستوى المعرفي أهم مؤثر على الإطلاق في تشكيل قاعدة التقدم و التطور. و إذا كان مجتمعنا غارقا في وحل التخلف و التأخر ، فلا شك أن البناء المعرفي داخله يقوم على الهشاشة و يعاني من التصدع. و تعتبر الجامعة في هذا السياق قاطرة الانطلاق، و مشتل غرس بذور أشجار المعرفة و العلم و رعايتها من خلال جهاز تنفيذي يتمثل في وزارة التعليم العالي، فما الذي أعدته هذه الوزارة إذن لتحمل هذه الأمانة؟ و ما الذي قام به الوزير لكي لا يكون " ظلوما" جهولا؟  
ليس غرضي في هذا المقال تناول أهمية نسق المعرفة و العلم في التقدم و التطور بنوع من الإسهاب، و من خلال قضاياه و إشكالياته الواسعة و المتفرعة، بل أسعى فقط إلى إثارة تساؤلات بخصوص جزئية مهمة من جزئياته و تفصيل أساسي من تفاصيله، و يتعلق الأمر بمتابعة الدراسة بالنسبة للموظفين، و خصوصا بعد صدور مراسلة وزارية بتاريخ 10 أبريل 2012 إلى رؤساء الجامعات في شأن ولوج الماستر و الماستر المتخصص والتي مضمونها أن تكون هذه التكوينات مجانية ويتم فقط قبول الطلبة المتفرغين بشكل كامل، و هذه إشارة ضمنية إلى استبعاد الموظفين من متابعة الدراسات العليا. و على كل حال فالوزير من خلال هذه المراسلة أضفى الطابع الرسمي على سلوك ممارس عمليا في عدد من جامعاتنا حيث أن بعضها – أقول بعضها حتى لا أعمم - يقبل ملفات ترشيح الموظفين و يجتازون الاختبارات و عندما ينجحون يكتشفون أنهم شاركوا في " كاميرا خفية "، من خلال لعبة شرط تطابق استعمال زمن الموظف مع استعمال زمن الماستر، أو التغيب الذي يعرض للفصل...
لماذا حرمان الموظف من حق أساسي من حقوقه و هو الحق في متابعة الدراسة؟ و لماذا سوق كل أنواع المثبطات و العوائق أمام رغبته في العلم و المعرفة؟ و ما هي المبررات المنطقية و الواقعية... للمنع؟ أسئلة لا جواب منطقي لها لدى جهابذة مصادرة الحق في المعرفة... قد يزعم البعض بأن متابعة الدراسة تؤثر على مردودية الموظف في عمله، فمثلا يمكن للمدرس الذي يتابع دراسته، أن يقوم بذلك على حساب تلامذته.. وهذا ليس صحيحا على الإطلاق، بحيث يمكن أن يكون العكس هو الصحيح، لأن متابعة الدراسة تعني تحصيل تكوين علمي و منهجي متين ينعكس إيجابا على التلاميذ عندما يتعلق الأمر بالمدرس.. كما أن إحباط الرغبة في متابعة الدراسة يمكن أن ينعكس سلبا على التلاميذ خصوصا إذا غاب الوازع الأخلاقي عند المدرس... و يمكن أن يدعي آخرون أن الأمر يتعلق بالخوف من مطالبة ذوو الشواهد بالترقية بواسطة الشهادة ، و هنا نعتقد أن الدولة لن تعدم وسائل لتنظيم الترقية وفق شروط تقوم على الكفاءة و العطاء و المردود و الإنتاج العلمي كما يعمل بذلك في عدد من الدول. كان بإمكان السيد الوزير بدل اشتراط التفرغ لمتابعة الماستر أن يشترط على الموظف ألا يطالب بالترقية عن طريق الشهادة و أن يتنازل عن هذا الحق، و سيكون "ظلما" عادلا و مقبولا، لكن أن يدق مسمارا في نعش أمل يراود الكثيرين من أجل متابعة الدراسة فهذا ما لم ننتظره من وزير ينتمي إلى حزب خلفيته الأيديولوجية " إقرأ "، و يحز في النفس أن نقرأ أن " العدالة و التنمية" التركي يحفز الموظفين على متابعة الدراسة، بينما  " العدالة و التنمية" المغربي الذي يدعي أن التركي أخذ عنه الاسم يحرمهم من ذلك... إذا كانوا أخذوا عنكم الاسم فخذوا عنهم السلوك... 
كنا نعتقد  أننا  سندخل زمن "الداودي" الأستاذ الجامعي و المثقف الذي  يقدر المعرفة العلمية و يضع  اللبنات الأساسية لولوج  " مجتمع المعرفة"، غير أن  ما يبدو  جليا من خلال بعض القرارت التي اتخذها السيد الوزير هو أننا – و حتى إشعار آخر – سنظل نعيش زمن  " الداودي" الآخر  و زميلته " الداودية"... مثلما حدث سابقا في وزارة الثقافة عندما انتقلنا من "ابستيمولوجيا" علال سي ناصر إلى "مسرح" السعدية اقريطيف.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة