نقد فلسفة اللغة والمعنى


فيلوبريس

نقد فلسفة اللغة والمعنى
                                                            09 يونيو 2020

د علي محمد اليوسف



 تقديم
الرسالة المنطقية الفلسفية لفتجنشتين (1889 – 1951) التي حصل بها على شهادة الدكتوراة من جامعة كامبريدج عام 1930، وكتب بيرتراند راسل مقدمة لها، كانت تقريبا المؤلف الوحيد لفتجنشتين في حياته، وكتبت عنها مقالات وبحوث عديدة لعل من أبرزها ملاحظات زميله في كامبريدج عليها فرانك رامزي (1903 – 1936)، وكان عالم رياضيات مرموقا توفي عن عمر 26 عاما. بيّن رامزي العديد من الاخطاء في الرسالة التي أعترف بها فينجشتين وحاول تداركها في مؤلفه الثاني (تحقيقات فلسفية). كما كان لرامزي دور كبير في ترجمة الرسالة الى الانكليزية بعد اشراف كلا من راسل ومور عليها اكاديميا في منح شهادة الدكتوراة لفتجنشتين عنها.     
أبرز تلك الملاحظات لرامزي وردت في إجابة جون سيرل حول تساؤل رامزي كيف تخلص فتجنشتين من مطب الصورة التمثلية اللغوية المجردة في فهم العالم، فقال سيرل أن فينجشتين تخلص من هذه النمطية اللغوية باعتباره لاحقا اللغة كائن حي بقاءه الحقيقي في مجرى التعبير عن الحياة ... ولم يؤخذ هذا الاستدراك الفلسفي الهام على محمل الجد لدى فلاسفة اللغة ونظرية المعنى الذين اوغلوا في ترسيخ قطيعة اللغة مع نظام الحياة ولم يأخذوا كغيرهم حقيقة اللغة أبرز ظاهرة اجتماعية وأنثروبولوجية تاريخية في حياة الانسان وصنع مستقبله.
بعد نشر الرسالة بدعم من ترجمة رامزي لها إلى الإنكليزية، وراسل في كتابته لمقدمتها حدثت ضجّة كبيرة حولها، أبرزها كان تأثير الرسالة على الوضعية المنطقية وفلسفة التحليل في حلقتي فينا في النمسا وحلقة اكسفورد في بريطانيا. الرسالة كتبت بأسلوب منطقي معقد يقترب من الرياضيات كثيرا، ومرتكزها لم يكن فلسفة اللغة وتحليل المعنى التي جاءت في أعقاب الرسالة زمنيا على ايدي فلاسفة بنيويين وتفكيكيين وتحليليين وغيرهم، وإنما هي اعتمدت نظرية الذرات في تكوين العالم التي ترجع اصولها الى ديمقريطس وليوقيوس.
بالحقيقة أسرع واقول هذه الورقة هي نقد فلسفة اللغة ونظرية المعنى بضوء خلفية ومرجعية رسالة فينجشتين لما كان لها من تأثير على فلسفة اللغة عموما منذ ما بعد منتصف القرن العشرين التي أعقبت الرسالة في الثيمة البحثية الفلسفية فلسفة المعنى في التحول اللغوي كفلسفة اولى في القرن العشرين.
واعتمدت كعادتي عبارات من كتاب جمال حمود فلسفة اللغة عند لودفيج فينجشتين مصدرا وحيدا في عرض افكار الرسالة التي كانت كما ذكرته تمهيدا لظهور وهيمنة فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات والمعنى كفلسفة اولى في القرن العشرين والى اليوم. ومن الجدير ذكره أن استاذ الفلسفة المصري عزمي اسلام هو صاحب اول ترجمة للرسالة الى العربية التي صدرت عن جامعة الكويت.
إشكالية اللغة
في رسالة شخصية من فينجشتين يخاطب بها براتراند راسل معتبرا (المشكلة الأكبر في الفلسفة هو بين ما يمكن أن يقال وبين ما يمكن اظهاره) 1 أي التضاد بين ما تسكت وتعجز اللغة التعبير عنه وبين ما تستطيعه اللغة اظهاره تعبيرا واضحا والا كان الصمت أجدى وأنفع.
وكل ما يمكن أن تقوله اللغة وتستطيعه حسب فينجشتاين هو إظهار الجانب السلبي في القضايا على حقيقتها، وبحسب تحذيره أيضا أن اللغة آخر الحقائق التي يمكننا التسليم بها والوثوق بصدقيتها التي هي دائما ما تكون تعبيرا عن زيف دفين غير معلن لا تستوعب اللغة صدقيته الفكرية الصادرة عن العقل.
واللغة بناء عليه حسب فينجشتين لا تستحق الثقة لا بالإظهار والافصاح عن الجانب الايجابي كما يرغبه بيرس، الذي تعجز اللغة عنه لأنه في حقيقته تعبير لغوي زائف عن قضية غير موجودة، بل الصمت في المعنى المدّخر الذي لا تبيحه اللغة في القول هو ايضا في حقيقته صمت زائف مكبوت في تفكير الذهن لا مجال عقلي يبيحه للغة التعبير عنه. بمعنى الصمت تفكير عقلي لا تمتلك زمامه اللغة.
فبأي معنى نريد اللغة الخائنة سلفا كما ينعتها فينجشتين التعبير الاظهاري الذي نرضى عنه؟ وهل أصبحت اللغة عدا مهمتها التواصلية لا معنى مفهوميا مستقلا لها؟ نحاول الاجابة عن بعض هذه التساؤلات.
خيانة اللغة أم عجز تفكير العقل؟
بوجيز العبارة الفلسفية المباشرة التي تبتعد عن تعبير المنطق الفلسفي عند فينجشتين بأسلوب العلامات الرياضية والمعادلات الفيزيائية التي يرغبها ويفضّلها راسل، يمكننا تبسيط العبارة بما يسمح لنا الفهم الفلسفي، أن تعبير اللغة هو تعبير التباسي وقاصر من حيث الابانة بوضوح تام عن المقصود الدلالي في تعبير اللغة عنه.
وهذا القصور التعبيري ليس سببه تقصير اللغة بالمعنى الذي يجعل المتراكم من البحث عن الاظهار الحقيقي في ملاحقة المعنى التعبيري اللغوي يزداد ويتضخم على حساب إضاعة إبراز الوضوح الاظهاري في اللغة الذي يبقى ملازما غامضا دوما مستقرا في أعماق اللغة غير المكتملة من جنبة توصيل المعنى التام الذي يقفل إضافات التأويل في حال امكانية التحقق لوصوله لغويا.
وهذا الطموح اللغوي في تمام الاظهار للقضية أو للشيء غير وارد تحققه فعليا فاللغة خارج التعبير بالكلمات الشيئية تبقى مشروع مفتوح النهايات غير مكتمل المعنى والوضوح، فاللغة بنية تراكمية تأويلية من تعدد القراءات التداولية في البحث عن مرحلة أقفال المعنى بلا جدوى كون حقيقة اللغة حركة من التغيير التطوري المستمر في البحث عن معنى الوجود بوسيلة اللغة وليس البحث في معنى اللغة في تغييب تكامل تعبير اللغة عن الواقع.. فهم الواقع ليس في أدراكه ومعرفته عقليا بل في التعبير اللغوي عنه تجريديا بوضوح...
التضاد بين ثنائية ما يجب أن يقال لغويا وبين ما يمكن إظهاره دلاليا هو أولا وأخيرا قائم على ازدواجية اللغة في التعبير القاصر غير المقصود (شكلا ومحتوى) لغويا تجريديا. فالمتعذر إظهار اللغة له يكون مدّخرا إجباريا مضمونيا لقراءات تداولية تعبيرية لاحقة له على الدوام بما يدعى القراءة المتجددة في حفريات المعرفة التأويلية وملاحقة فائض المعنى المسكوت التعبير عنه. (البنيوية، التفكيكية، التأويلية). وهنا يكون الادخار الاجباري في مضمون الفكر وليس في شكل تعبير اللغة.
اللغة الإظهارية للقضايا الايجابية المطلوبة غير الملتبسة إشكاليا بين الشكل المنجز والادخار غير المعلن المسكوت عنه مضمونا في محاولة التعبير بوضوح هي ليست فعلا ما يقال وإنما الحقيقة المصادرة هي عجز تعبير اللغة عما يجب أن يقال بوضوح قصدي دلالي تام المعنى مرجعيته تفكير العقل وليس مرجعيته تعبير اللغة. وتعدد القراءات التعاقبية المتتالية حول نص أو قضية هو قصدية تعبيرية في البحث عن المعنى الضائع في ثنايا عجز تعبير القراءة الاولى لنص أو خطاب في غياب الوضوح التام عند المتلقي.
والوضوح اللغوي التعبيري الذي يشترطه فينجشتين كي لا نقع في وجوب الصمت الاكثر أثمارا من ناحية عدم تحميل الكلام او لغة التعبير حمولة الالتباس الغامض الذي لا تضع تأويلات القراءات اللاحقة عليه حدا له. هو في مطالبة تعبير اللغة تحقيق الوضوح الذي هو تطابق تماثلي فيما يتم التعبير عنه بالكلمات الذي يتوجب أن يكون إظهارا لما يجب أن يكون وليس ادخارا مغيبّا غير مقصود لما كان يراد قوله ولم يحصل، بل بما قيل وانتهى وأصبح خطابا مقروءا أو كلاما شفاهيا منطوقا...
بهذا الفهم يوضع حد للمتراكم في ناتج القراءات لما تضيفه من تأويلات في ملاحقة المعنى. وعدم الوضوح هو بمعنى وآخر توقف التفكير في البحث عن ايجاد لغة تماثلية تامة التطابق تجعل من تعدد نقد المعنى في اللغة تقف عند حدودها قبل الانزلاق نحو التعبير الغامض أو التعبير الملتبس الذي لا يمتلك معنى واضحا على الدوام بما يستثيره من تداعيات الاضافات الاستقبالية في عملية التلقي. اللغة فضاء لانهائي غير محدود مفتوح على جميع آفاق تعدد القراءات التجديدية له شكلا ومضمونا. يمكننا الاستطراد هنا قليلا الى أن عبقرية اللغة هو في شكل تعبيرها، وعبقرية العقل بإنجاز التفكير المضموني المطلوب تعبير اللغة عنه.
بيرس والخطاب الإيجابي
في كتاب رسالة فينجشتين الفلسفية المنطقية يردد بإصرار (أن عدم الثقة في اللغة أو في النحو هو أول ضرورات التفلسف) 2، وهو ما عبّر عنه بيرس بالخطاب الايجابي الذي يقوم على نظرية القول والاظهار في نظرية المعنى واللامعنى.. من جهة أن اللغة تحاول رسم حدود المعنى في اللغة، وبالنتيجة هي ترسم حدود اللامعنى في اللغة على حد تعبير فينجشتين في تشاؤمه من تعبير اللغة.
محاولة رسم حدود المعنى في اللغة هو الوصول الى الوضوح التام الذي يتطابق فيه اللفظ مع مدلوله الشيئي، هو لا معنى ادخاري مطلوب مضموني يتجاوز اللغة عجزا تفكيريا التعبير عنه افصاحا، أي وصول اللغة مرحلة مطالبة فينجشتين أن كل ما يمكن قوله يمكن قوله بوضوح وما لا يمكن قوله يتوجب الصمت عنه. وفي هذا التعبير ليس حلا للمشكلة وإنما هو ارجاء مقصود في الهروب الى أمام مهمة البحث عن حل.
تعبير اللغة وضوحا هو أقفال للمعنى في حدود لا إمكانية تأويل لاحق يتعقبه باستمرار وهو ما يتنافى مع طبيعة حركة وتغيرات اللغة على أنها تعبير ادخاري في عدم الوضوح والابانة التامة عن المعنى، فاللغة كيان نسقي نظامي غير مكتمل في كل تعبير يقصده ولن يكون غير كذلك تتابعيا لأن اللغة ظاهرة أنثروبولوجية حركية متطورة ملازمة للإنسان لا تتسم بالثبات الزائف، واللغة هي عجز تعبيري دائم يحتاج اضافات متتالية وحمّالة أوجه في التلقي والتفسير. فالإظهار المتطابق لغويا في عالم الاشياء يوتوبيا لا يمكنها التحقق على مستوى تعبير اللغة عن خطاب، لكنها مسألة بديهية جدا تحققها على مستوى الكلمة المفردة في تعبيرها الشيئي. كان نقول الحصان، الانسان، الزهرة وهكذا.
وعجز اللغة عن الوضوح القصدي التام هذا مستمد من عجز تفكير العقل الاحاطة بالموجودات المعبر عنها لغويا الذي من المفروض به يكون تفكيرا واضحا متكاملا مقفلا على المعنى وهو ما تعجز اللغة التعبير عنه باستمرار على خلفية تفكك وضبابية وغموض المعنى بالذهن التفكيري قبل التعبير اللغوي. فالتفكير هو مضمون عقلي ناقص تأويلي دوما واللغة شكل عبقري في التعبير عن مضمون التفكير العقلي.
ماذا يعني الوضوح في معنى تعبير اللغة عن القضايا وموجودات الطبيعة والحياة؟ هل الوضوح هو المباشرة التقليدية التي نفهمها مع ملازمة ابجدية اللغة، في مطابقة الكلام أو الكلمات مع شيئية وجود الموجودات في عالم الاشياء دالا ومدلولا؟ أم أن الوضوح الفلسفي المطلوب لغويا منطقيا يكون في نسق نظام اللغة الداخلي كتفكير قبل إفصاحه عن مطابقته تفكير اللغة مع الواقع كموجودات؟ علما أن النسق اللغوي هو نظام داخلي تختص به اللغة في التوازي مع الواقع وليس في التقاطع والاحتدام به بغية تنظيمه كما تروّج له التفكيكية ومن قبلها البنيوية في فلسفة اللغة والمعنى.
فنظرية المعنى في فلسفة اللغة التي تطورت بدءا من الفلسفة البنيوية ثم التفكيكية وتلتها التحليلية والتأويلية جميعها بلورت هذا المعنى الشاذ في ترسيخ توازي اللغة مع الواقع وليس التقاطع التغييري به تماشيا مع ما بعد الحداثة التي اكدت وجوب تجاوز المرجعيات الميتافيزيقية العقل، الانسان، الواقع، السرديات الكبرى (الايديولوجيا السياسية، وايديولوجيا ولاهوت الأديان) وغيرها في اعتماد مركزية فهمنا عالمنا الحالي تحليلا لغويا أنما مكمنه في معنى اللغة فقط بمعزل عن فهمنا الواقع بدلالة اللغة..
معنى الكلمة التي لا تحتاج أضافة معنى لاحق عليها هو حالة المطابقة بين المفردة مع دلالة وشيئية الشيء المعني به التعبير مثل قولنا هذا قلم وتلك شجرة وهذا رجل وتلك بقرة وهكذا. وحتى الوضوح التعبيري عن الشيئية المقفل المعنى يصبح مشروع اضافة غير مكتمل معناه، فنحن نستطيع التعبير عن القلم بما لا حصر له من عبارات وجمل تحمل معاني اضافية ملحقة لأي مفردة لغوية شيئية نعتبر اقفال المعنى بها كاملا. مثل ناولني القلم، والقلم موجود جانب الكتاب وهكذا ألوف الجمل والعبارات...إذن الكلمات الشيئية التعبيرية لغويا لا تمثل نظاما لغويا بل دلالة شيئية مقطوعة مقفلة على دلالة معينة لكلمة بذاتها لا غيرها. فالكلمة الشيئية لا تحتاج اضافة تفسيرية لها، لكن تعبير اللغة على مستوى الخطاب أو النص هو ما يحتاج اعادة تكرار المعنى فيه.
صمت اللغة والهروب الى أمام
وبأي معنى معياري يكون الصمت هو وقاية حقيقية عندما نعجز التعبير بوضوح خوفا من الانزلاق اللغوي في قول ما لا يجب أن يقال عن أشياء لا تعطينا اللغة معناها كما يدعونا له فينجشتين؟ اللغة لا تسبق موضوعها ولا تتقدمه لذا يكون التطابق بين دال ومدلول هو الذي يقفل المعنى المقصود في محاولة قطع دابر قابلية الاضافة التأويلية للمعنى، فالذي يحدد المعنى تكون مرجعيته وجود الأشياء، وليس مرجعيته معنى اللغة في تطويعها الكلمة لمعنى ما تلفظه كلاما وتعبيرا لغويا. والقضايا الحقيقية هي فقط تلك التي تظهر اشياء تفرزها اللغة على أنها زائفة هي (تركيبة من العلامات اللغوية التي توهمنا عما يمكننا إظهاره، والقضايا الزائفة هي تلك التي بعد تحليلها تظل تظهر ما يجب أن تقوله اللغة )3.
من البديهي أن كل ما هو زائف لا يجعل التحليل المضاف عليه منه حقيقة صادقة لاحقا. فالتحليل هو اضافة لمعنى مجرد وليس اضافة تركيبية خصائصية ماهوية للأشياء، ولا كل حقيقة صادقة يمكن أن يجعل منها التحليل بالضرورة زيفا كما في تعبير عبارة فينجشتين المار ذكرها أعلاه.
التحليل اللغوي هو تلاعب في المعنى كصفات ولا يتداخل في منح القضايا التحليلية حقيقة مغايرة لما هي عليه كجوهر وماهية لا يغيّرها معنى اللغة بل تغيّرها جدلية التضادات التي تعتمل بها داخليا وخارجيا موضوعيا كعوامل تسريع التضاد الجدلي الداخلي في الاشياء.
في تعبير فتجنشتين (القضايا الحقيقية هي فقط تلك التي تظهر شيئا آخر غير ما تقوله )4، تشير أن مخاتلة اللغة في التضليل ليست عملية تفكير مقصودة بالذهن بل هي عملية قصور عفوي في تعبير اللغة عن المعنى، ولا يصل الحد الى أن ما هو حقيقي هو الذي لا تعبّر عنه اللغة بصدقية تمثله. أي لا يتطابق تعبير اللغة مع شيئيته الحقيقية كجوهر لوجود مادي متعين أو موضوع خيالي مدرك.
يمكننا تمرير حقيقة أن الزيف قرين اللغة فلسفيا فقط وكذا هو الصدق الحقيقي ايضا وإلا ضاعت معايير الفرز بين أي من الاثنين نركن اليه تعبيرا حقيقيا والاخر زائفا؟ في أبسط تعبير لدي سوسير أن اللغة وعاء الفكر، ولم يقل اللغة تعبير ملزم للغة التعبير عما هو زائف على أنه جوهر حقيقي في مقصودية تضليلنا.
هذه مخاتلة في التعبير مستمدة عن مخاتلة وتضليل اللغة التي نصنعها نحن تداوليا لاحقا وليس تضليل اللغة التي وجدناها مصنوعة تأتينا استقباليا في نص او خطاب أو في كلام نتيجة صادرة عن الذهن.
تضليل اللغة للمعنى يتأتى لاحقا مضافا من خارج مستخدمي اللغة كوسيلة استعمال ادراكي ولا يتأتى تضليل اللغة كما هو مشاع متفشي من داخلها كنظام معرفي في البحث عن المعنى في نظام اللغة وليس معنى اللغة في تعبيرها عن فهم العالم الخارجي.
نحن نجعل من وضوح ما تعّبر عنه اللغة (لعبة) نتعامل معها أنها تمتلك القدرة المطلقة في التعبير الايجابي الذي قصده بيرس عن القضايا التي يمكننا الركون لها في التسليم بها، فالقصور الذاتي هو في تفكير اللغة كمضمون افصاحي وليس القصور في شكل اللغة كتعبير فكري يكون فيه التمفصّل الذي ينفرز به الزائف عن الحقيقي، والاضافات المعمقة لهذا الازدواج هو على عاتق ومسؤولية المتلقي مستخدم اللغة وليس على عاتق أدانة تعبير اللغة الاستقبالي ...
وفي قول فينجشتين القضايا الحقيقية هي فقط تلك التي تظهرها اللغة على غير حقيقتها فيما تقوله عنها، فهو تدليس فلسفي في محاولة تمرير مغالطة لا معنى لها أن تعبير اللغة التي لا يجب الوثوق بها حسب تحذيره، هو أن كل ما تظهره اللغة من تعابير لا تمثل معنى الاشياء في حقيقتها واللغة دائما ما تعبر عن الزيف الذي توهمنا به هو تلاعب لغوي لا معنى له ولا رصيد فلسفي منطقي يمتلكه.
واللغة حسب طعن فينجشتين بصدقيتها سلفا حين يقول بداية التفلسف مرهون بسحب ثقتنا من اللغة قبل التفكير بشيء آخر، أنما تتمثل حقيقتها فيما تضمره اللغة من ادخار غير مقصود في المعنى الفائض عن حاجة التعبير عنه لكنه ضروري لتعدد اكتشافه في البحث التداولي عن المعنى في متواليات التلقي بما يخلعه تأويل التلقي من أضافة تراكمية - نوعية وليس محدودية على ثبات النص الاستقبالي كمرجعية في التلقي.
وتبقى اللغة كما في تفكيكية دريدا هي مشروع تقويض ليس للغة بل لمعنى قصدية اللغة في قواعدها النحوية ونظامها الداخلي الخاص بها وهو طريق مسدود رغم رحابة انفتاح أبوابه على تقويضات لا نهائية من إعدام المعنى اللغوي الفوضوي تتابعيا باسم البحث عن المعنى الضائع في ثنايا مضمرات اللغة في الخطاب.

في تناقض المعنى
يقول فتجنشتين في الرسالة المنطقية (ما يمكن اظهاره لا يمكن قوله) 5 هذا التناقض البادي والمضمر في العبارة يضعنا مجبرين التسليم بالحقائق التالية التي تناهض العبارة في تناقضها التعبيري:
-         لا يوجد إظهار معلن ولا عدم إظهار خفي تعجز اللغة التعبير عنه وتحمل أوزار قصوره لا في الابانة والافصاح عنه ولا في الغموض والابهام له.
-         ما تظهره اللغة تعبيرا هو تمام المعنى في القضايا التي يتطابق فيها شكل اللغة مع مضمونها الدال. بمعنى تعبير اللغة تطابق شيئي مقفل في المعبّر عنه كموجود.
-         تداولية اللغة في مقصودية البحث أو الاضافة لمعنى جديد أغفله تعبير اللغة عملية عقيمة لأنها بحث عن لا شيء غير موجود في اللغة.
-          اللغة دائما هي فيض معنى محايد مكشوف في تعبيره عن الاشياء والمقصودات والقضايا إظهارا وإضمارا، عليه ليس من الحكمة المنطقية تخوين اللغة وعدم الثقة بها كون اللغة تعبير زائف عن الاظهار والاستتار معا. طالما حسب تعبير فينجشتين ما يمكن إظهاره لا يمكن قوله.
نكمل تناقضات فينجشتين بما أوضحناه بداية هذه الورقة النقدية في عبارة منطقية أخرى نجدها في الرسالة قوله (وظيفة اللغة التمثيلية الوحيدة، هي التي تجعل ما يقال يكون ذا معنى، اذ حدود ما يمكننا قوله هي حدود ما له معنى)6. العبارة تعطي اللغة تزكية مجانية تنسف تحذير فينجشتين من خيانتها عندما تكون حدود ماله معنى هو حدود ما يمكن قوله باللغة. أين نضع هذه العبارة مع متناقضات فينجشتين مع بدايات هجومه اللاذع على أهمية عدم الوثوق باللغة الذي أشرنا له سريعا بداية هذه الورقة عندما يرد الاعتبار للغة الذي حاول اغتياله في جملته الاخيرة هذه؟ وكيف يتناسب كل التشكيك السابق باللغة مع قوله ما يكون له حدودا، يكون له معنى يمكن القول فيه؟
حدود اللغة عند فينجشتين هو حدود الفكر وليس حدود اللغة، والفكر عنده هو (القضية) التي يتوجب علينا منحها الاهتمام وليست اللغة. وكيف لنا فرز الفكر ذي القضية عن اللغة الجوفاء التي هي شكل الفكر التعبيري الذي لا يحمل معنى الفكر بأمانة واخلاص؟ مثل هذا التفريق غير الجائز غير المقبول ما بين اللغة والفكر كنت ناقشته في ثنايا أكثر من مقال نشرته سابقا أحدها بعنوان (العقل واللغة).
المنطق والزمن
المنطق فعالية فكرية عقلية لغوية تقترب كثيرا في تداخلها مع رياضية التفكير، مجالها يحكم الموجودات ويحكم قوانينها المتعالقة بها. أي المنطق لا يعمل في فراغ سابق عليه ولا في فراغ لاحق يليه فهو تفكير عقلي، لذا عمد فينجشتين في الرسالة اعتبار مجال الاشياء لا تحدده طرائق المنطق، أي سعى فينجشتين جعل المنطق تجريد يتعالى على اللغة ويتوسط علاقات الوجود. قوله (فالمنطق الذي يملأ العالم فأنه حسب مقولة راسل لا يعرف شيئا خارج ذاته)7..
التساؤل التجريدي منطقيا هنا إذا كان المنطق يملأ العالم، فماذا يتبقى للمنطق خارج العالم يشكل مجالا له يقوله؟ المنطق الذي حدوده العالم الفيزيائي يصبح لا شيء باق خارج حدود هذا العالم يكون موضوعا منطقيا يجدر الاهتمام به ومعرفته. كل مجال في المعرفة فيزيائية، رياضية، كيميائية، هي حدود للمنطق الذي يحكمها قانونا بمنطقه لا بمنطق تلك الاشياء عليه، ولا شيء متعين يحكم المنطق ولا يحكمه المنطق هو بالمعرفة المحدودية له.
رغم ذلك يقحمنا فريجة بمنطقية عويصة قوله (ان قضية من قبيل يوليوس قيصر موجود هي عبارة لا هي صادقة ولا هي كاذبة لكنها خالية من المعنى)7، نعتقد أن الكذب والصدق لا يحددهما المنطق اللغوي تجريدا بل يحددهما التفريق بينهما التحقيب الزمني الذي هو قطوعات زمنية واقعية وليس الزمان كمفهوم مطلق..
فالوجود المجرد منطقيا لتعبير، بمعنى الكذب والصدق لا يختلفان بالمعنى في تحقيب زمني واحد يتلازمان به، أي تلازم الكذب مع الصدق في التباس منطقي يقبل معنيين متناقضين في تعبير واحد لا(زمني).. مثل العبارة التي مررنا بها يوليوس قيصر موجود.
لكنهما صفتا الكذب والصدق يختلفان في عدم التلازم التحقيبي الزمني عندما يكون للجملة زمان لصدقها منفردا عن زمان لكذبها منفردا أيضا، فقولنا الشمس تشرق صباحا عبارة صادقة، ولكننا عندما نقول الشمس تشرق ليلا تكون العبارة كاذبة، والتناقض الاستعمالي المنطقي التعبيري للعبارة هو الذي يجعل تلك العبارة بلا معنى منطقيا حين يكون تزامنها متناقضا في التعبير عن قضية واحدة بلا تحقيب زمني يحدها الاختلاف. فاللامعنى في العبارة قرين تخطئة تحقيب الزمن لها وليس اللامعنى ملازم لتخطئة الصياغة التعبيرية اللغوية لعبارة أو جملة غير متوافقة منطقيا لا يحدها تحقيب زمني يقوم على جمع المتناقضات الى جانب المختلفات.
وإذا ما كانت هناك حاجة توضيحية في أسقاطنا ما ذهبنا له على عبارة (يوليوس قيصر موجود) يكون قولنا يوليوس قيصر موجود سنة 49 ق. م واغتيل سنة 44 ق.م تكون عبارة قيصر موجود صادقة, ولو قلنا يوليوس قيصر موجود سنة 10 ق. م واغتيل سنة 65 ميلادية تكون عبارة قيصر موجود كاذبة غير صحيحة, فالعبارة واحدة لكن غياب التحقيب الزمني لها يجعلها أما هي كاذبة وأما هي صادقة أيضا. أما أن تكون لاهي كاذبة ولا هي صادقة ضمن تحقيب زمني لها تعتبر عبارة ناقصة لاقيمة معرفية لها.
أما أن تكون نفس العبارة لما تحمله من تناقض منطقي بلا معنى، فالمعنى يحدده التحقيب الزمني لوجود قيصر من عدم وجوده ولا يحدده منطق صياغة العبارة كما وردت مفتوحة على اللازمن التحقيبي المحدد قيصر موجود. ونخلص من هذا أن المنطق اللغوي هو لا تحقيب زمني للعبارة وكان هذا سببا كافيا لالتباسها كما وردت فهي لا كاذبة ولا هي صادقة بل هي بلا معنى عندما لا نجد في العبارة تحقيبا زمنيا يوضّحها.

هوامش: 
ترقيم العبارات مأخوذة نقلا عن جمال حمود /فلسفة اللغة عند لودفيج فتجنشتين /ص 206 - 212





تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس