الفلسفة الذرائعية.. الصدفة والميتافيزيقا

الفلسفة الذرائعية.. الصدفة والميتافيزيقا
د علي محمد اليوسف                                                          05 دجنبر 2019
المفارقة التي غالبا ما يمرر الكثير من الأفكار غير المستوفية شروطها المنطقية بنفس المنهج البراجماتي (الذرائعي) الذي يحاول تطويع وسائله التعبيرية لمقتضيات النتائج المتوخاة المطلوبة من حيث أن المنهج البراجماتي لا يهمه كيفية تناول الأفكار بالفهم والمعرفة ماديا أو مثاليا بقدر اهتمامه بنتائج تلك الأفكار عملياتيا في التحقق من صحتها بالتطبيق الذي يحقق منفعة... وليس بما تحويه من اتساق نظري فلسفي منطقي متماسك ظاهريا بما نرضى عنه... فالمنطق الفلسفي هو نظريات مجردة لا يمكن الركون لها والأخذ بصحتها إلا من خلال التطبيق العملاني لها بحسب المنهج الذرائعي في المعرفة..
وغالبا ما تكون الأفكار المجردة النظرية موضع ريبة وشك لا تفي التعبير الفكري اللغوي حقّه من الاستقامة المنطقية والصدق والتي تحمل تناقضاتها بأحشائها الداخلية التي نلمس بعضها تصدر على لسان فلاسفة الذرائعية الامريكية وليم جيمس وتشارلز بيرس وجون ديوي وآخرين جاؤوا من بعدهم.. فتشارلز بيرس يبيح (أن يكون العلم يقبل المصادفات) وهو تعبير يمكن القبول المحدود به إذا ما أخذنا توالي بعض الصدف في سياقها العلمي الصرف وضمن اشتغالات العلم التخصصية التجريبية، ولكن يصعب تمرير هذا الفهم بمنطق المنهج الفلسفي البراجماتي الذي يرى صدقية وسلامة أفكارنا إنما تكون من خلال مرورها من مصفاة مرشّحات وفلترة التجربة العملانية في تحقيق النتائج المطلوبة المتوخاة من نتائج الافكار... والا كانت تلك الرؤى والنظريات والأفكار لا قيمة ولا معنى لها..
الماركسية أرادت إنقاذ التاريخ الأنثروبولوجي للإنسان من ورطة عشوائية الصدف الذي لا ينتظمها التفسير الواقعي المادي في صنع التاريخ فعمدت إلى ربط الصدفة بالضرورة التطورية الحتمية التي تحكم مسيرة التاريخ حسب ما تذهب له... لذا حسب الماركسية تكون الصدف التي تحدث في حياة الإنسان بما لا يحصى إنما تحكمها الضرورة والهدف المسبق الذي يعمل على تسريع تقدم التاريخ إلى أمام بدلا أن ترجعه الصدف غير المتوقعة الى الوراء  أو الوقوف... وهو ما يحتاج لتفسير يحدد لنا تأثير الصدف المتتالية في صناعة التاريخ من دون أي ارتباط لها بالضرورة.(نحيل القاريء الى مقالتنا المنشورة على موقع المثقف ومواقع أخرى تحت عنوان وهم نهاية التاريخ).
والمصادفات في التاريخ والسوسيولوجيا هي وقائع ربما ندركها على نطاقهما الانثروبولوجي والمعرفي بأكثر أهمية ووضوح وجلاء عنه في مجال العلم التجريبي التخصصي من حيث صرامة التجارب العلمية في المعرفة بالقياس لانفتاح المجال السوسيولوجي المتاح لتمرير المصادفات على أنها من طبائع الامور بالحياة الاجتماعية التي تحكم الحياة وتحكم التاريخ الانساني معا... فالمصادفات هي وقائع ندركها في واقع الحياة اليومية على صعيد السوسيولوجيا ولا نتقبّلها أن تلعب دورا كبيرا في مجال العلم التجريبي بل ولا قيمة علمية لها – اي للمصادفات - باعتبارها استثناءا تشذ وتخرج عن القاعدة العلمية المستنبطة من سلسلة التجارب العلمية والنظرية في نسقها العلمي المتماسك.. والمصادفات لا تصلح أن تكون مواضيع غير حدسية قبل توّقع حدوث وقوعها.. كما أن حياة الانسان يغلب عليها توالي الصدف التي لا يستطيع درءها أو معرفة زمن وقوعها ولا يمتلك أرادة دفعها عنه.. فالصدف تكون خارج التوقعات وخارج إرادة الانسان التحّكم بها... إن دور المصادفات العفوية اللاضرورية تلعب دورا كبيرا في تصنيعها لحياة الانسان والمجتمع من غير إرادتهما، وليس تصنيع الإنسان لحياته بإرادته القاصرة التي تتلقى عشوائية الصدف بلا حول ولا قوة لمنعها أو إيقافها.. فالصدف غالبا ما تقوم بصنع حياة الانسان ولا يتمكن من إيقافها بإرادته فهي تعمل بغير وبمعزل عن إرادة الانسان وتوقعاته لها.. وكذا الحال مع المصادفات غير المتوقعة التي تصيب المجتمعات وترسم الكثير من تاريخها دونما أرادة مجتمعية لها..
الميتافيزيقا والذرائعية
ونعود لنمضي مع بيرس الذي اعتبره وليم جيمس الاب الروحي للفلسفة البراجماتية التي اعتمدت كثيرا على أفكار دارون التطورية وأفكار لامارك في بيولوجيا تطور وظائف الاعضاء عند الحيوان والكائنات الحيّة في الطبيعة، أيضا على اعتبار قانون الانتخاب الطبيعي وبقاء الاصلح نزعة علمية في تفسير الحياة على أسس من استقراء بيولوجي - أنثربولوجي متماسك الحلقات تقريبا بالنسبة لعصره..
كما اعتمدت الذرائعية منجزات العلم التجريبي غير النظري والدفاع عنها رغم ما شابها الكثير من أفكار الميتافيزيقا عند بيرس - وليم جيمس.. يوضّح بيرس قائلا: (الذرائعية أو البراجماتية ليست عقيدة ميتافيزيقية ولا هي تحاول أن تحدد حقيقية الاشياء, أنها ليست سوى منهجا لتقرير دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة )(1)
هذه الأفكار لبيرس على مقدار ما تحمله من فتح جديد في تأسيس الفلسفة الذرائعية الى أنها لا ترقى الى مستوى طروحات وليم جيمس الناضجة فهو لا ينكر أن تكون الذرائعية منهجا عملياتيا يلاحق الافكار كي يتحقق من جدواها بالتجربة والتطبيق وهي وإن التقت بتعبير بيرس وديوي عن الذرائعية منهجا لتقرير دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة بالتجربة ونتائجها، ألا أن جيمس نجده يسقط بورطة ميتافيزيقية أكثر أستهجانا من بيرس قوله : (أن أرادة الايمان تشكل حاجزا على مبدأ الذرائعية التي يكون فيها الله وليس المنهج هو المبدأ الاول والاخير لمعرفتنا دلالة الافكار في تعالقها مع معرفة الاشياء)(2)... وهو تعبير ميتافيزيقي غيبي يحاول جيمس التشبث به لتحقيق ما يعجز أثباته بقواه وقدراته الفلسفية, كان بيرس حذّر منه قوله الذرائعية ليست ميتافيزيقا كما ذهب جيمس نفس المنحى لكنهما بالمحصلة لم يكونا كليهما حذرين بما فيه الكفاية من الانزلاق في التعابير الميتافيزيقية التي وقعا بها، وهوما يتعارض مع المنهج البراجماتي العملاني والنسق الواقعي للذرائعية بالصميم..
الحقيقة التي لا تقوى الذرائعية نكرانها أو التخلص منها هي رغم ما يبدو في صلب فلسفتها من منهج صارم يقوم على تجريبية واقعية تطبيقية إلا أن أفكار فلاسفتها الثلاث بيرس وجيمس وديوي لم يتخلصوا من نزعاتهم المثالية، فهم في الوقت الذي لا ينكرون وجود العالم الخارجي المستقل الا أنهم يلتقون مع المثالية الابتذالية في معالجتهم العالم المادي من منطلقات ميتافيزيقية مثالية هم أيضا.. أن الشيء المهم الذي يحسب للذرائعية الامريكية هو تغطيتها نزعتها المثالية في تسويق مقولتها التي تقوم على أن صدق وصوابية الافكار والنظريات لا يتم ألا من خلال المرور بفلترة تلك الأفكار بالتجربة والوقوف على نتائجها التطبيقية..
الحقيقة البراجماتية التي يجمع عليها جيمس وديوي ليست هي الفكرة المجردة التي لم تمر بمختبر مصفاة ترشّح وفلترة التجربة لها التي هي وحدها تجعل من الأفكار وقائع ميدانية عملانية تعطي مردوداتها ونتائجها في تحقيق المنفعة وتخدم قيم تقدم الحياة العامة.. فكيف يربط وليم جيمس بين وجود الله ومعرفتنا الاشياء كونه العّلة الاولى في معرفتنا حقائق الاشياء؟
كما أن الذرائعية تدين الاتجاه الذي يرى في الأفكار المجردة أنها تعطي دلالاتها التامة من خلال أحالتها على أفكار أخرى مجردة هي الاخرى لم تكن أخذت فرصتها الاختبارية التجريبية للتأكد من صحتها كي تصلح أن تكون معيارا مرجعيا مقبولا لتجعل الافكار المجردة المضافة لها التي اكتسبت منها الخروج من خانة التجريد الفكري الى واقع التجربة العملية والتحقق من النتائج المتوخاة المطلوبة منها..
أن دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة من منظور ذرائعي لا تعطي دلالاتها الحقيقية بإحالتها الى أفكار مجردة غيرها، بل يتم ذلك بإحالتها الى أفكار تطبيقية هي نتيجة تجارب اختبارية تؤكد حقيقتها وسلامتها في تحقيق المنفعة حسب ما تدعو له الذرائعية عندها تصبح الافكار المجردة متراجعة كمعيار في الحكم وهي قيد التجربة والامتحان..
الذرائعية واللاهوت المسيحي
يحشر بيرس اللاهوت المسيحي في بعض من مفرداته الأكثر ميتافيزيقية في هذا المثال الذي نورده على لسانه ( إن الكاثوليك والبروتستانت يعرفون جيدا أن ليس للخبز ولا للخمر الصفات الطبيعية للحم ولا للدم, والمسألة تتعلق بتأثيرها على نفوس المؤمنين لذا – والكلام لبيرس – لا نفهم شيئا سوى ما يحدث بالحواس من آثار مباشرة وغير مباشرة، والتحدث عن غرض له كل الخصائص المادية التي للخمر كما لو كانت بالفعل دما، ماهي الا رطانة خالية من المعنى )(3)
على ماذا يحاول بيرس البرهنة عليه من مثاله اللاهوتي الميتافيزيقي الذي مررنا عليه وهو لا يحتاج الى جهد كبير في معرفة تأويله على المستوى العام قبل المؤمنين الذين قصدهم من الكاثوليك والبروتستانت المسيحيين؟
من المفروغ منه أن مفاهيم الأديان جميعها وبلا استثناء إنما تقوم على أفكار الميتافيزيقا التي لا تضيف مناقشتها رصيدا فلسفيا يمكن اعتماده.. لذا تكون أفكار اللاهوت الديني بعيدة عن محاكمتها بمنطق الفلسفة خاصة الذرائعية التي ترى أن كل المفاهيم والرؤى والتصورات لا قيمة حقيقية لها إن لم يجر تمريرها من مصفاة التجربة العملية، لذا نجد بيرس أقحم قضية دينية ميتافيزيقية في معالجات تنظيرية خاصة بالبراجماتية كفلسفة بعيدة جدا عن مناقشة قضايا دينية لا يجب معاملتها بمنطق الواقع.. هذه الأفكار الدينية اللاهوتية جعلت وليم جيمس يقتفي آثار بيرس في مؤلفاته من منطلقات إيمانية دينية غيبية تتقاطع بالصميم مع التنظيرات الفلسفية البراجماتية في جوهرها العملاني الواقعي والا فما معنى ان يقوم جيمس في مناقشة كيفية الاستدلال على وجود الله من منطلق أخلاقي براجماتي قوله (أن الأفكار الدينية تتيح لنا أن نحيا بشكل جيد، وأن الله وليس المنهج هو المبدأ الأخير لدلالة الأشياء) (4).. لا تختلف هذه التعابير عما سبق لبيركلي القول به في ابتذاليته المثالية الذاتية الساذجة التي عزا فيها عجزنا عن إدراك أي شيء ليس مهما إذا ما علمنا أن الله يدركه بما لا ندركه نحن أنه موجود. وهل تكفي مدركات الله لمعرفة مدركاتنا التي تحتاج الى منظومة فكرية عقلية؟؟
والشيء الأهم أن وليم جيمس لم يكن الفيلسوف الوحيد الذي يكشف عن إيمانه الديني بوجود الله لكن إقحام الأفكار الدينية الميتافيزيقية في تفسير قضايا فلسفية تقوم على مرتكزات منطقية لا يمكن تمريرها بسهولة في وقت نبحث فيه عن الاتساق النسقي الفلسفي في الذرائعية بمنهج التطبيق العملاني الواقعي... وفي وقت نجد البراجماتية في صلب توجهاتها أن ليس هناك للكلمات والمفاهيم المجردة أية قيمة سوى ما تتركه من أثر ملموس في مفاعيل تلك المفاهيم على المتلقين لها من نتائج عملية بالحياة، وإلا فهي لا تستحق الوقوف عندها.. أين هذه التوجهات الذرائعية بضوء تناقضات بيرس حين يقول: ( الذرائعية منهج لا يستبق شيئا سوى نتائج تطبيقه) ومن بعده جون ديوي تأكيده (حين نريد اكتشاف دلالة الفكرة علينا التفتيش عن نتائجها في التجربة).. وكلها منطلقات واقعية صرف بعيدة جدا عن أي تفسير ميتافيزيقي أو لاهوتي ديني حاولت الذرائعية مزجه بما لا يمتزج مع أفكارها التي تقوم على التجربة التطبيقية النافعة في توظيفها بحياة الناس.

الهوامش
1.جيرار ديلودال/الفلسفة الاميريكية، ت .دكتور جورج كتورة و د. الهام الشعراني ص 132
2. المصدر اعلاه ص 135
3. المصدر اعلاه ص 136
4. المصدر اعلاه ص137


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)