الوجود عند فلاسفة الصوفية

الوجود عند فلاسفة الصوفية
اركان حربي العوضي                                                            03 نونبر 2019
باحث ماجستير تخصص الفلسفة الإسلامية
بكلية الآداب جامعة المنيا

النقاط الرئيسية للبحث:
المقدمة
1-    تعريف الوجود
2-     نماذج من فلاسفة الإسلام
3-     الوجود عند ابن عربي
4-    الوجود عند الإمام الغزالي
5-     وحدة الوجود، وحدة الشهود
6-     الخلاصة
7-     النقد
8-     الخاتمة

أولاً: المقدمة:
      يُعد هذا البحث هو بمثابة دراسة إشكالية عن نظرية الوجود عند فلاسفة الصوفية، وبمعني ادق فهو دراسة لآراء كل من ابن عربي والإمام الغزالي وقد تناولنا آراء كل منهم حول مفهوم وحدة الوجود وفرقنا بين وحدة الوجود ووحدة الشهود بالإضافة الي بعض الانتقادات التي وجهت الي هذه النظرية (وحدة الوجود) وآراء الإمام الغزالي وانتقاداته وموقفه من الوجود.
ثانياً: تعريف الوجود Being
    كل ما هو موجود أو يمكن ان يوجد أو كل ما يتصف بالواقعية، وهو يعني في المنطق أعم الفئات التي تشمل كل ما عداها ([1])
وحدة الوجود: pantheism
    وهو المذهب القائل بأن الله والكون لا يتمايزان بل هما حقيقة واحدة وهي مبنية علي كلمتين الأولي: الوحدة ومصدرها وحد الذي يعني الانفراد والوجود الذي يعني كل ما هو موجود او يمكن أن يوجد فهكذا يظهر أن وحدة الوجود تعني الوجود واحد بمعني أن الله والعالم حقيقة واحدة أو بعبارة أوضح أن الوجود الحقيقي هو وجود الله وهو الوجود الواحد، أما وجود الخلق فمجرد ظل لصاحب الظل فالخلق بهذا الاعتبار شبح وعلية فإن ثنائية خلق وخالق ثنائية موهومة زائفة لأن العقل لا يدرك إلا التعدد وهو عاجز عن إدراك الوحدة الشاملة أن الحق والخلق حسب مذهب وحدة الوجود وجهان لحقيقة واحدة([2])
نظرية وحدة الوجود عند فلاسفة الصوفية
  إن نظرية وحدة الوجود كمذهب فلسفي من المذاهب التي شغلت الكثير من المفكرين والفلاسفة سواء الفلاسفة القدماء (فلاسفة اليونان) او فلاسفة العصر الحديث وكذا فلاسفة الاسلام (المتصوفة).
  نجد اول فلاسفة المدرسة الإيلية وهو الفيلسوف الإيلي إكسينوفان كان من القائلين بوحدة الوجود وينقل أرسطو نصاً هاماً يقول فيه "إن كسينوفان حين أشار الي مجموع العالم قال إن الواحد إله" فالعالم إذن واحد فالواحد إله فنحن امام مذهب وحدة الوجود الذي لا يميز بين الله والطبيعة فكلاهما واحد ([3])
كما أن نظرية الوجود وحدة الوجود قديمة أُخذت بها أيضاً البراهماتية والرواقية والأفلاطونية الجديدة والصوفية (4)
كما أنه دخلت في التصوف الإسلامي عن طريق دخول مفاهيم الشعوب القديمة وشعائرها ونظرتها للوجود خاصةً بعد إنشاء بيت الحكمة وإقبال المسلمين علي ترجمة الفلسفة اليونانية التي اشتملت علي التصوف الفلسفي وكان من هؤلاء واشهرهم بالقول بمذهب وحدة الوجود نجد ابن عربي وبهاء الدين الاملي وابن سبعين وغيرهم، وسنعرض بعض وجهات النظر عند ابن عربي والغزالي.
أولاً وحدة الوجود عند ابن عربي:
        ابن عربي هو ابو بكر محمد بن علي بن احمد بن عبد الله الطائي الحاتمي ولد في مرسية Murcia في جنوب شرق الأندلس بسنة 560 هـ، في بيت جاه وثروة وعلم، كان ابن عربي من مفكري الاسلام ومن أشهر كتبه الفتوحات المكية وهو موسوعة ضخمة في التصوف وفصوص الحكم، وترجمان الأشواق، وقد عرف ابن عربي لعلو مكانته بالشيخ الأكبر.
وحدة الوجود عن ابن عربي
   يعتبر ابن عربي هو اول واضع لمذهب وحدة الوجود في التصوف الاسلامي وهو مذهب يقوم علي دعائم ذوقية اساساً وهو يقول معبراً عن مذهبه هذا باختصار (سبحان من خلق الأشياء وهو عينها)
وذلك لأن القائلين بوحدة الوجود ومنهم ابن عربي لا يؤمنون بالخلق من العدم أي لا يؤمنون بان العالم وجد من العدم في زمان وهو ما يعرف عنده بوحدة الوجود بخلق العالم
كما انه نجد ان ابن عربي في نظريته يؤمن بالفيض وهو يعني بالفيض أن الله أبرز الاشياء من وجود علمي الي وجود عيني ويفسر ابن عربي وجود الموجودات ب ((التجلي الإلهي الدائم الذي لم يزل ولايزال وظهور الحق في كل آن ما فيما لا يحصي عدده من الصور))
   ويقتضي أيضاً مذهب ابن عربي في وحدة الوجود وعدم القول بالممكن في مقابل الواجب أعني الممكن بمعني الوجود والمتغير والحادث والذي إذا نظر إليه من حيث هو وكان معدماً (والممكن هو ما كان وجودة بغيره ويتصور فيه الوجود والعدم) وذلك علي الرغم مما يسميه الفلاسفة بواجب الوجود بالغير وهي التي يكون وجودها ضرورية ولكن بغيرها. ([4])
    ولذلك فإننا نجد ابن عربي عندما عبر عن قوله بوجوده الحق والخلق لم يكن يقصد بأن الوحدة التي يكون فيها بينه وبين الذات الإلهية ولا عن فناؤه في محبوبه
فالخلق بهذا الوجه فاعتبروا      وليس خلقاً بهذا الوجه فادكروا
جمع وفرق فإن العين واحده      وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر
     وهكذا عندما يتكلم ابن عربي عند خلق العالم فإنه لا يقصد به إيجاد العالم من العدم كما قلنا سابقاً ولا إحداثه في زمان معين وإنما الخلق عنده هو ذلك التجلي الإلهي الدائم الذي لم يزال وظهور الحق في كل آن فيما لا يحصي عدده من الصور ([5])
     وعلي هذا الأساس نجد ان ابن عربي روحاني خالص فهو ينكر العالم الظاهر ايضاً ولا يعترف بالوجود الحقيقي إلا لله الحق أما الخلق فظل للوجود الحق ولا وجود بذاته (6)
وعلي ذلك فإن ابن عربي يقول بان الحقيقة الوجودية واحدة لا كثرة فيها ولا تعدد واضح بأن الكثرة التي نشهدها بالحواس إنما هي مجرد صور ومجال تتجلي فيها الصفات الإلهية او اوهام يخترعها العقل وليس ثمة فرق بين الحق والخلق (6)
    إن الحديث عن موضوع الوجود وحده عن ابن عربي يأخذنا بالحديث عن وحدة الشهود ولمعرفة الفرق بين وحدة الوجود ووحدة الشهود علينا ان نوضح الفرق بينهما.
الفرق بين كلاً من وحدة الوجود ووحدة الشهود:
أما عن وحدة الشهود فهي تعبر تعبيرا صادقاً عن التوحيد القائم علي أساس من الكتاب والسنة وأما عن وحدة الوجود هل يختلف الأمر عند اصحاب القائلين بوحدة الوجود: نجد ان وحدة الوجود هي التي تعبر تعبيراً عقلياً نظرياً فجاءت مخالفة تماماً للروح الإسلامية، ولذلك فان اقصي ما يصل إليه التصوف السلف الإسلامي في طريق المعرفة وهو شهود الله والتعرف علية والاتصال المباشر بين العارف وحب القرب منه
اما التصوف الفلسفي الإشراقي فالمعرفة فيه قائمة علي اساس نظرية هامة في الوجود تسمي بوحدة الوجود ([6])
والآن سوف نعرض الآراء المخالفة لهذه النظرية (وحدة الوجود) عند الامام الغزالي كمثال خالق القول بالوحدة اثبات الوحدانية لله سبحانه وتعالي.
ثانيا: الوجود عند الإمام الغزالي:
الموجود الواحد
وهل في الوجود الواحد من شك؟ انه وجود الله المستغني بذاته عن غيره وهو الوجود الحق الذي اعطي ومنح الوجود لكل كائن وليس لكائن غيره، وصلة الله بالإنسان هي انه سبحانه يمنحه الوجود الذي يريده له في كل لحظة من اللحظات المتابعة فتمثل حياته في كل لحظه بصورة امره سبحانه وتعالي بها ([7])
  ومعني ذلك ان الله سبحانه وتعالي هو المصور الواحد لكل الوجود ليس هذا فقط بل انه سبحانه وتعالي قد اعتني به بعد خلقه وانه سبحانه محيط بالكون مهيمن عليه فهو قيوم السماوات والارض قائم علي كل نفس بما كسبت وقائم علي كل خلية وقائم علي كل ما هو اصغر واكبر من ذلك.
يشير الإمام الغزالي الي امثال هؤلاء المتصوفة علي انهم ثرثارون حمقي والواضح انه يرفض اي تأويل غير ثنائي للتجربة الصوفية وعلي ذلك فان الامام الغزالي لا يؤمن بالوحدة المطلقة بين الله والعالم كما انه لا يؤمن بنظرية الحلول بين الإنسان والله ([8])
يتضح مما سبق ان الامام الغزالي قد رفض القول بان الله يحل في الانسان باي صوره وبأي شكل من الأشكال، وذلك لان القول بالحلول قد رفضها الاسلام وعدها من الخرافات التي كانت قبل ظهور الاسلام.
موقف الإمام الغزالي من فكرة الحلول والاتحاد:
        وهنا نجد حجة الإسلام الإمام الغزالي الذي درس التصوف واجتهد فيه وعرف معانيه والذي عالج المسائل الصوفية وحللها وعمق في معانيها وربط بينهما وبين المعاني الدينية الإسلامية، فقد ذهب الي تأويل هذه المشطحات بما يتفق مع عقيدة التوحيد الإسلامية وصبغها بصبغة مذهب أهل السنة واولها كلها علي محامل ومعاني حسنة وذلك لا علي إنها من فرط المحبة وشدة الوجد فقد, اتفق العارفون بعد عروجهم الي السماء الحقيقة علي انهم لم يروا في الوجود الا الواحد الحق وصار ذلك حالا ذوقياً فانتفت عنهم الكثرة فلم يكن عندهم الا الله فسكروا سُكراً دفع دونه سلطان عقولهم فكلام العشاق في حالة السكر يطوي ولا يحكي فلما حق عنهم سكرهم وردوا الي سلطان عقولهم الذي هو ميزان الله في ارضه عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد مع الله بل شبه الاتحاد(9)
يمكن القول ان الاتحاد الذي قصدوه يُحمل علي انه اتحاداً معنويا ليس اتحاداً حقيقياً وذلك لان معني الاتحاد هو: أن الخالق متحد بالمخلوقات جميعها، وهذا هو معنى "وحدة الوجود"، والقائلون به يسمون " الاتحادية "، أو " أهل وحدة الوجود "، كابن الفارض، وابن عربي، وغيرهما.
وفي نهاية حديثناً عن موقف الامام الغزالي من الوجود جدير بالذكر ان نذكر موقفه من الوجود والألوهية معاً بين الموقف السني الذي يقيم تمايزا اساسيا بين الخالق والمخلوق وموقف الافلاطونية المحدثة الذي يتجه الي التوحيد المطلق ويجعل الله مبدعا لعالم حقيقة له في ذاته اذ الوجود الحق لله تعالي وحده بل ان الله والعالم شيء واحد هو نور يتدرج من قمة الوجود الي ادني مراحله اما عدا ذلك فهو ظلمة وعدم ([9])
الخلاصة
          يتضح مما سبق ان ما يحدث لبعض المتصوفة فيجعلهم يقعون في القول بالوحدة هو ذوبان أحاسيسهم ومشاعرهم تجاه الخالق وذوبان صور الموجودات من داخل أحاسيسهم فيستلمون لهذا الحال ويعبرون عنه وينسبون بسبب ذلك الي القول بوحدة الوجود ولكنهم سرعان ما يعودون فيحطون الي ارض ليثبتوا الخلق والمخلوقات ويفصلوا بينهم وبين الخالق.
وخلاصة القول ان وحدة الوجود مذهب فلسفي وصوفي يقوم علي توحيد الله والعالم ويزعم انصار هذا المذهب "وحدة الوجود" ان كل شيء هو الله وقد تعرض انصار هذا المذهب لنقد كثير من طرف خصومهم وذلك لان هذا المذهب القائل بالوحدة بين العالم والله هو مذهب يخالف العقيدة الإسلامية التي تؤمن ايماناً كاملاً بان الله والعالم متمايزان " التوحيد" اذ ان الله "ليس كمثله شيء" تعني كما قدمنا شهود صفات الخالق في مخلوقاته اي ان الصوفي يغيب عن العالم فلا يشهد الا الله سبحانه وتعالي.
واخيراً نعرض بعض الانتقادات التي وجهت الي تلك النظرية وحدة الوجود
      انه إذا اعتبرنا ان المقصود بوحدة الوجود هي ان الله والعالم واحد فهذا القول يخالف ما جاءت به الشريعة الإسلامية من عقيدة التوحيد وهي بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له لأنه في هذه العقيدة انتقالا من التوحيد في عبارة " لا إله إلا الله " الي عقيدة التصوف الفلسفي التي تعني لا موجود في الحقيقة إلا الله
الخاتمة
        ومن خلال ما سبق يمكننا ان نستنتج ان هناك كم هائل من الاقوال والافكار من اقوال الفيلسوف الصوفي ابن عربي التي إذا ما اخذت علي ظاهرها جعلت موقف صاحبها من الناحية العقدية امام بقية المذاهب الاسلامية موقفاً محرجاً مخالف بشكل صريح لأسس العقيدة الإسلامية ولكن من باب حسن الظن وعدم الشك في إخلاص الرجل وتجنباً للفهم السطحي لمذهبه علينا ان نحاول ان نفهم اقوالهم ومقاصدهم وذلك دون التسرع في الحكم عليهم ان وجدت إمكانية لذلك بحيث آرائهم مع الاسس العقدية ولا تخالفها مخالفة صريحه وقبولها محسناً الظن بصاحبها وموكلاً امره الي بارئه













(1)هنتر ميد: الفلسفة انواعها ومشكلاتها، ترجمة: فؤاد زكريا، القاهرة، مكتبة مصر 1969, صـ453
(2) أشرف حافظ: مفهوم الألوهية، القاهرة، دار كنوز المعرفة العلمية، الطبعة الأولي، د.ت، صـ104.
(3) علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي عند اليونان، منشأ المعارف، الطبعة الأولي، صـ36.
(4) جميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، صـ569.
(4) ابو الوفا العتيمي: مدخل الي التصوف الإسلامي، القاهرة، دار الثقافة، 1979، صـ201.
(5) محمد جلال شرف: دراسات في التصوف الإسلامي، القاهرة، دار الفكر, 1983، صـ438.
(6) عرفات عبد الحميد فتاح: نشأة الفلسفة الصوفية، بيروت، دار الجبل، الطبعة الأولي، د.ت، صـ268.
(7) محمد جلال شرف: مرجع سابق صـ 427.
(7)الإمام الغزالي: المنقذ من الضلال، تحقيق: عبد الحليم محمود، القاهرة، دار الكتب الحديثة، د.ت، صــ297.
(8)ولتر ستيس: التصوف والفلسفة، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة، مكتبة مدبولي, 1999, صــ282.
(9) محمد علي ابو ريان: تاريخ الفلسفي في الإسلام، مصر، دار المعرفة الجامعية، 2000, صــ441.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)