الابستمولوجيا والخبرة العقلية

                  الابستمولوجيا والخبرة العقلية
د علي محمد اليوسف                                                         14 نونبر 2019
تقديم
كانط وفلاسفة التجريبية المنطقية
كانط وثنائية المعرفة - العقل
الخبرة عند جون لوك
الإحساسات بين المنهج المادي والمنهج المثالي
مع جون لوك والمنهج
رورتي والخبرة
الوعي والمعرفة

تقديم
كانت لأفكار (كانط) 1724 – 1804 الفلسفية تأثيرا قويا لترسيخ الثورة الكوبرنيكية 1543م، ومن بعدها الثورة العلمية التي قادها غاليلو 1616م، وانسجاما مع الفكر الديكارتي العلمي في القرن السابع عشر التمهيدي المزامن لثورة إسحق نيوتن 1672م التي زلزلت جميع اليقينيات اللاهوتية الثيولوجية، والتي فرضت على الفكر الفلسفي تبّني النزعة العلمية في تأمين تطابق الاشياء مع معرفتنا لها حسب تعبير رورتي.. وقد كرّس كانط طيلة أحد عشر عاما جهوده لهذه المهمة التي أثمرت عن ثلاث مؤلفات له تمثّل أهّم رصيده الفلسفي الموروث من بعد وفاته هي على التوالي (نقد العقل المحض) و (نقد العقل العملي) و(نقد ملكة الحكم) التي سببت ثلاثتها امتعاضا وعداءا شديدين لكانط شخصيا واجهها بكل ثبات وبسالة وتحمّلها بشجاعة وسط كنيسة متزمتة وسلطة ملك جاهل ومجتمع قطيعي مبرمّج لاهوتيا لم يدّخروا جميعا جهدهم في محاربته بكل الوسائل حتى الوضيعة منها.
كانط وفلاسفة التجريبية المنطقية
لقد راجع كانط بمنهجه النقدي العقلي الأخطاء التي وقع فيها الفكر الفلسفي الحسي - التجريبي عند بيركلي وهيوم وجون لوك حول ثنائية شغلت التفكير الفلسفي زهاء قرن كامل بدءا من القرن السابع عشر حتى بداية مطلع القرن التاسع عشر، وهي ثنائية العقل والإدراك المعرفي التي تمرّكز حولها مبحث الابستمولوجيا في تقليب صفحات الجدل الفلسفي الواسع حول علاقة الادراك الحسي بالتصور الذهني – العقلي... والتي أصبحت الآن بالنسبة لفلاسفة البسيكيولوجيا** واللغة المعاصرين مسألة لا نفع من البحث فيها حالها حال الميتافيزيقا ليست جديرة بالاهتمام الفلسفي والوقوف عندها..
ورغم الاختلاف الجوهري الفلسفي الكبير بين فهم كانط لهذه الثنائية واختلافه مع كل من جون لوك وديفيد هيوم من حيث أن كانط ناقش ثنائية العقل والمعرفة تجريدا فلسفيا محضا تماشيا مع منهجية أفكاره المثالية في كتابه نقد العقل المحض، في الوقت الذي كان تناولها قبله كلا من هيوم وجون لوك من منطلق ابستمولوجي تجريبي وليس من منطلق تجريد نظري فلسفي، وقد لخّص ريتشارد رورتي هذا التباين حول تلك الثنائية الفلسفية الخلافية (الابستمولوجيا والعقل) في عبارته (أنه قد ذهب كانط الى مناقشة معرفة (قضايا) وليس معرفة (أشياء ) كما ذهب له جون لوك) 1.معنى العبارة المباشر أن كانط ناقش قضايا وأفكار (نظرية) في حين عمد جون لوك الى مناقشة (أشياء) فيزيائية متعينة أنطولوجيا في العالم الخارجي.
نجد من المهم التنبيه أن كانط في معالجته قضايا المعرفة والعقل يلتقي مثاليا مع مناطقة المثالية التجريبية الواقعية الإنجليزية التي يمثلها بيركلي وهيوم وجون لوك باختلاف بسيط يتوّضح معنا لاحقا مرتكزه الأساس أن كانط يذهب الى أن الوجود سابق على الفكر.. والفكر إجراء عقلي يتعامل مع الوجود تخليقيا له ديالكتيكيا متخارجا معه وليس في إيجاده كواقع من عدم بالفكر المجرد كما يدعو هيوم ولوك، وكانط رغم هذا الاختلاف الجوهري عن المثاليين فهو بعيد عن الفهم المادي الماركسي المعروف في ثنائية أسبقية الواقع على الفكر... بينما ذهب هيوم ولوك نحو عدم وجود عالم خارج مدركات الحواس وما يختزنه الذهن من إحساسات تصله عبر الحواس والجهاز العصبي تمّثل وجود أشياء العالم الخارجي في العقل التجريدي ومن دون الاحساسات التي مصدرها الحواس لا وجود لمادة في تفكير العقل ويمسي فارغا.
واضح من عبارة رورتي السابقة أن كانط ناقش ثنائية العقل والابستمولوجيا من منطلق تجريدي فلسفي على نطاق الفكر النظري المحض كما أشرنا له، في حين كان لوك ناقش الثنائية من منطلق حسّي تجريبي يفهم المعرفة فهما تجريبيا علميا تماما لكنه فهم مثالي لا مادي أيضا... وعبّر رورتي عن فهم جون لوك المثالي التجريبي الذاتي بما يرتّب عليه قوله (عدم وجود موضوعات في العالم الخارجي قبل عمل العقل التكويني, والموضوع هو الشيء الذي تصدق عليه محمولات عدة هي دائما نتيجة تركيب في العقل له داخليا) 2...جون لوك هنا يلغي وجود عالم مادي مستقل خارج الادراك الحسّي العقلي له... علما أن عمل العقل التكويني داخليا يعطي بالضرورة الاستنباطية فلسفيا تكوينات العقل الانشائية للأشياء في وجودها الخارجي كمواضيع مستقلة للإدراك العقلي.. ولا يخلقها العقل أنطولوجيا بالفكر التصوري المجرد.. ولا يعدم ويلغي وجود الاشياء باستقلالية عدم الادراك الحسّي لها... فالموجودات هي أشياء مادية موجودة سواء أدركها الحس والعقل أم لم يدركانها. وبحسب عبارة ماركس فالفكر لا يستطيع خلق الواقع لكن الوقائع الاقتصادية والاجتماعية هي التي تحدد كيف يفكر الناس..
وتعبير رورتي واقعي موضوعي إلى حد ما في فهم اكتساب المعرفة علميتها التجريبية عند لوك، فالموضوع حسب عبارته تكون محمولاته العديدة هي نتيجة لمعالجته عقليا بما أطلق عليه كانط مقولات العقل البنائية التشكيلية لموضوع الادراك بالذهن، ومن حيث إنكار جون لوك الإقرار المبدئي بحقيقة أن وجود الشيء واقعا مستقلا في عالم الموجودات يكون قبل إدراكه، هو غيره موضوعا مدركا جرت عليه عملية تخليق ذهني – عقلي وجعلت منه موضوعا تركيبيا معرفيا راسخا في الذاكرة في جملة مواصفاته وماهيته الجديدة... وهو ما يلتقي مع وجهة نظر كانط القريبة من هذا الفهم الفلسفي بشأن تخليق العقل التخارجي الجدلي لمواضيع مدركاته وإقرار كانط بخلاف فلاسفة المثالية المنطقية التجريبية أن الواقع وجود مستقل لا يصنعه الفكر التخليقي العقلي له بل يضفي عليه مقولاته الادراكية في تكوينه الانشائي معرفيا داخليا وفي تشكيله تصوريا خارجيا كمدرك حقيقي واقعي في عالم الاشياء والموجودات بالتعبير عنه بالفكر واللغة وليس بخلقه واقعيا بالتصورات الفكرية المجردة.
كانط وثنائية المعرفة - العقل
قام كانط بمراجعة وتصحيح أفكار جون لوك كما أشرنا له سابقا، التي يذهب فيها الى أن تصورات العقل هي التي تمنح الوجود الخارجي والعالم الموضوعي حقيقته الموضوعية المادية، واعتبر لوك صور الاشياء التي هي نتاج التفكير العقلي (داخليا) أي في الذهن هو الذي يمنح الحواس (واقعية) ما تدركه من الأشياء في وجودها (خارجيا)... أي بحسب جون لوك الاحساسات القادمة من الحواس كافية لمعرفة عالم الاشياء وأدراكه خارجيا بالذهن وليس كواقع انطولوجي مستقل سابقا على التفكير الذهني... وما لا تستطيع الحواس أدراكه لا يمتلك وجودا حقيقيا في عالم الاشياء الخارجي حسب لوك.
وبخلافه ذهب كانط الذي رأى العكس في نزعة الفهم المثالي الذاتي لدى هيوم ولوك متمثلا في عبارته (الأفكار بدون مضمون فارغة والحدوسات بلا تصورات تكون عمياء) ويقصد كانط بذلك تصورات العقل التكوينية الانشائية عن مواضيع الإدراك الخارجية في وجودها المتعيّن المادي المستقل، فهذه التصورات تكون عقلية في تفسيرها الحدوس، التي هي بداية المعرفة المستمدة من (قبلية) الواقع كوجود وليس من (بعدية) التصورات العقلية التخليقية الانشائية له كمدرك واقعي وموضوع لوعي العقل..
وبهذا يكون كانط يرفض مثالية جون لوك في مثالية نقدية ذاتية ابتدعها لنفسه في أسبقية الواقع على الفكر وفي أهمية تخليق العقل للواقع وليس خلقه وإيجاده من لاشيء بوسيلة إدراكه الذهني فقط.. ومقولات العقل هي من مهمة العقل التكويني الانشائي للموجودات.. وعليه لا يكون العقل مرآة عاكسة للحدوسات وإنما هو (ملكة) فكرية تنظيمية إجرائية لتلك الحدوسات.. وتصورات عقلية إنشائية تكوينية جديدة لها وهو أهم اختلاف جوهري بين مثالية كانط الجديدة عن مثالية جون لوك وهيوم التقليدية الكلاسيكية الابتذالية...
وكان قد عبّر جون لوك عن تصوراته المثالية تجاه هذه الاشكالية الفلسفية القائمة حول أبستمولوجيا الادراك العقلي قوله (أن الطبع – يقصد ما يطبع من حدوسات الادراك على صفحة العقل من معارف – ليس ألا جعل الحقائق – بمعنى مواضيع المعرفة قبل اكتسابها صفة الحقيقة - مدركة حسّيا، هذا أذا كان لذلك معنى، لأن طبع أي شيء على العقل من غير أن يدركه العقل يبدو غير معقول.) 3
 والتساؤل المنطقي على هذا الفهم الفلسفي لجون لوك هو هل من الممكن تصوّرنا طبع صور الاشياء بالذهن أو العقل يكون من غير أدراكها العقلي القبلي المسّبق لها؟؟ وهل يكفي معرفة ما تنقله الحواس ويطبع بالذهن لا علاقة للعقل بتمّثله إدراكيا؟؟ والأمر الآخر المهم أن مواضيع المعرفة لا تكون (حقائق) ولا تكتسب صفة حقائق بالحواس الناقلة لها قبل تأكيد العقل لصفتها الحقيقية بعد معالجتها إدراكيا وانطباعيا في الذهن.. لذا لا يكون قبول الأمر والتسليم به يمرّ عبر هذا الأسلوب المصادر للمنطق الفلسفي في التعبير عن آلية ميكانيكية تجعل من الذهن صفحة استقبال وطبع ما يرده من الحواس عليها...وليس للعقل علاقة إدراكية أولية بها بفهمها مادة خام قبل انطباعها في لوحة الذهن الذي هو الآخر غير الحواس وما تنقله من إحساسات..
 ولمّا كان العقل هو (ملكة) تخليق وعي ذكي لمعالجة مدركاته، لذا يكون ما تطبعه تلك المدركات على صفحة العقل من أحساسات داخليا الواصلة اليه عبر الحواس ومنظومة الجهاز العصبي كمادة خام، أنما تكون بالمحايثة السببية والعليّة وحكم الضرورة المعرفية هي مدركة عقليا كتحصيل حاصل.. ولا يمكن للعقل ولا غيره أنكار حقيقة حدوث أشياء تطبع على صفحة الذهن المفكر لم يكن العقل قد أدركها مسّبقا وألا لم تكن تأخذ فرصة الانطباع المعرفي المخزّن في الذهن والذاكرة...فالعقل ليس لوحة مستباحة لكتابة حدوسات مدركات الحواس قبل استحالة العقل أدراكها كما يذهب جون لوك أن العقل صفحة بيضاء فارغة في خلوّها مما تطبعه عليها الحواس من إحساسات.. وهذه العملية الادراكية تتم من دون رقابة العقل والانتباه لما يدركه على لوحة صفحته وما يطبع عليها من حدوسات خارجية...
وما تغاضى عنه جون لوك أن ما تنقله الحواس من أحساسات يستجيب العقل لها ويقبلها انطباعا أوليا في الذهن قبل تخزينها في الذاكرة ليس بآلية ميكانيكية بعيدة عن الادراك والفهم المبدئي الأولي لها في منظومة العقل الحسية - الادراكية - العصبية - الفكرية - الذهنية.. وأن عملية الانطباع الحسي للمدركات وأن كانت تتم في ومضات كهربائية في نقل الحواس لها واستقبال منظومة الجهاز العصبي والعقل لها,, الا أن العقل من المستحيل تمرير ما لا يدركه ذهنيا بالدماغ أن يكون (مطبوعا ) على لوحته بالذهن والذاكرة داخليا,, والذهن والذاكرة هما من خصائص تكوينات العقل البيولوجية العصبية وليستا من خصائص ما تنقله الحواس من حدوس.. ليمّحص العقل بعدئذ حقيقة مطبوعات ما تنقله الحواس من زيفه وهو افتراض آلي ميكانيكي لا يأخذ بكثير اهتمام قدرات العقل الخلاقة التي لا تحد بتنظيمه ومقولاته الاجرائية الصادرة عنه.. الانطباع الذهني هو أدراك بدئي أولي لصور الاشياء وهي خام يسبق أدراك يقيني آخر يستتبعه في إعطاء العقل مقولاته النهائية عن تلك المدركات كوقائع سواء أكانت بالذهن كمواضيع تفكير أو موجودات في العالم الخارجي على السواء..
الخبرة عند جون لوك
استعمل جون لوك مفهوم الخبرة بفهم فلسفي خاص على غير معناها العملاني الدارج تجريبيا - علميا في المهنة والسلوك الطبيعي العملي العلمي بالحياة التي تعني حصيلة تراكم التجارب المعرفية المكتسبة في مهنة ما أو اختصاص معيّن، فالخبرة بهذا المعنى تكون هي خزين معرفي مكتسب يحتاجها العقل العملي في تدبير شؤون اختصاصه بالمعرفة التراكمية التي يمتلكها بمرور الوقت..
أما لوك فيعتبر الخبرة هي (افكار الاحساس والتفكير) الآني Moment المباشرdieredct في التعبير عن المدركات من الاشياء والموضوعات...والخبرة عنده ليست خزين الذاكرة المكتسب من تجارب الحياة التي يمّر بها الانسان...وإنما هي ردود الافعال الآنية المباشرة للإحساسات الواصلة الى الذهن اللاإرادية منها والإرادية على السواء. كما يرفض لوك كل ما يسمى خبرات فطرية بالذهن.
أي أن الخبرة عند جون لوك هو ما يعطي صور الاشياء في الذهن حقيقتها الانطولوجية المادية في عالم الموجودات الخارجي وليس ما تختزنه الذاكرة عنها من أفكار تجريدية.. وبهذا الفهم يبتعد جون لوك عن حقيقة امتلاك العقل قدرات تخليق لموجودات الأشياء بما يضفيه عليها من مقولاته الاجرائية والتنظيمية التكوينية غير مكتف بالتفكير العقلي المجرد بشأنها كما هي عند كانط...
أن المبدأ المفارق حول فهم كانط هو أن العقل عنده لا يفكر بالأشياء بميكانيكية حيادية من دون ملاحقتها بمقولات إجرائية صادرة عن العقل تعمل على تخليقها الانطولوجي بالجديد المضاف لها...وخطأ جون لوك أنه أعتبر الاحساسات المباشرة الواردة للذهن تستطيع تنظيم نفسها ذاتيا وتمنحنا معرفة الشيء المدرك من قبل الحواس بمعزل عما يسمى مقولات العقل الاجرائية عن الاشياء..
ونجد من المهم التعرّض لتفسير اعتراض التباسي بأن لوك فيلسوف تجريبي قريب جدا من الفهم المادي في معرفة حقائق الاشياء علميا، فأين يكون تفكيره من المثالية في المنهج المعرفي المادي؟؟
الإجابة أن لوك يتعامل مع الإحساسات (كأشياء) فكرية مجردة يخضعها للتجريب العملاني الفكري للتأكد من صحتها من عدمه وهذه الاحساسات التجريبية هي تمهيد لإرهاصات بروز المذهب الذرائعي البراجماتي العملاني في الفلسفة الامريكية وهو ليس موضوعنا الآن... وصحيح أكثر أن الفكر التجريبي يكون في محصلته وما يتوصل له من نتائج يقينية قاطعة يكون (واقعيا) أي ماديا نوعا ما.. لكن الفرق الجوهري في مثالية لوك باختلافه عن المنهج المادي أنه يعتبر الفكر وحده وصور الاشياء في الذهن هو ما يحدد وجود الاشياء واقعيا من جانب أحادي ومنظور وحيد الجانب هو (الفكرة) الصورية عن المدركات وليس وجود الاشياء المستقل واقعيا في العالم الخارجي... في حين أن علاقة الفكر مع الواقع وتكويناته جدليا تخارجيا في المنهج المادي هي التي تقرر حقيقة الواقع من جهة وحقيقة الفكر من جهة أخرى على السواء... فالمادية تقر بيقين راسخ أسبقية الواقع على الفكر المنبعث عنه كانعكاس مرآتي لكنها لا تعطي أحقية الفكر تقرير حقيقة ذلك الواقع وصدقية صفاته الظاهرة وماهيته المتوارية المحتجبة بمعزل عن وجوده الانطولوجي وما يفصح عنه من صفات حسّية بائنة وما يحتويه من ماهية وجوهر تتداخل جدليا مع الفكر المعّبر عنه كموضوع مدرك عقليا.. ولا تعطي النظرية المنهجية المادية أيضا الواقع المادي العياني منفردا تحديد ما يجب أن يكون عليه الفكر لمدركاته..
الإحساسات بين المنهج المادي والمنهج المثالي
أننا ملزمون بتوضيح الفرق بين المنهج المادي عنه واختلافه مع المنهج المثالي في تحديد نوعية الادراك الحسي، أن هذا الأخير أي المنهج المثالي يتعامل مع ما تنقله الحواس هو سبب ونتيجة وجود الشيء، في حين يعتبر المنهج المادي الاحساسات المنقولة له ليست كافية أن تكون هي الالمام الكامل بوجود الاشياء والحكم عليها، والإحساسات هي وسيلة تجريدية لنقل ما تدركه الى العقل ليقوم بمعالجتها..
كما يكون الفرق في (المنهج) أي في المنهجية المادية تعطي للجدل المتخارج بين الفكر والواقعة التي يمثلها ويعبّر عنها نتيجة حقيقتها وحقيقة الفكر التعبيري عنها ماديتهما.. كما والمادية لا تقرّ أن وجود الاشياء متوقف على أدراك العقل لها.. وأن عالم الاشياء موجود أساسا من دون الادراك الصوري له في الذهن تفكيريا بخلاف مثالية لوك التي تجعل وجود الواقع هو تصورات فكرية ذهنية فقط وليس الواقع المادي الخارجي سوى تصورات الذهن له وفي غياب هذه التصورات فلا يكون هناك واقع مادي حقيقي للأشياء.. أن لوك يبدأ بداية صحيحة عندما يعتمد التجريد الصوري هو وسيلة العقل الوحيدة المتاحة بالتفكير وأدراك الاشياء في الذهن، بعدها يستنتج لوك نتائج غير صحيحة هي أن وجود الشيء هو ناتج تفكير العقل به فقط، ولا وجود حقيقي خارجي له مستقل بغير تصورات الذهن عنه..
ومن المعلوم جيدا أن سارتر أخذ بالمبدأ الماركسي بعيدا فهو لم يقل الوجود سابق على الفكر كما في الماركسية وكفى.. وإنما ذهب أبعد من ذلك حين أعتبر الوجود سابق على الوعي والفكر والماهية والكينونة.. فلا تفكير من غير (واقع) مدرك ولا توجد للإنسان (كينونة) مكتملة وإنما الكينونة ما يصنعه الانسان في كل مراحل حياته العمرية...وأخيرا فالإنسان يصنع (ماهيته) بقراراته الحرة المسؤولة عن فرديته المجتمعية، وبذا يكون الانسان من أجل ذاته وليس(بذاته).. فالماهية والكينونة عند سارتر لا تسبق وجود الانسان.. وإنما هما صيرورة حياتية يبنيها الانسان لنفسه بالحياة ويكتسبهما بمرور الوقت...
مع جون لوك والمنهج
وأمام هذه المعضلة ثنائية العقل والابستمولوجيا أعتبر جون لوك أدراكات الحواس لا تجعل من تلك المدركات حقائق عقلية وهذا يحمل صواب تفكيره الدقيق، كما ينكر لوك أن المدركات الحسّية هي وقائع مستقلة في عالم الموجودات وهو خطأ مغرق في مثاليته.. ويعتبر لوك يقينية وجود الاشياء المستقل ماديا بالعالم الخارجي ناقصا ما لم تتناوله (التجربة) العلمية بالاختبار وهو فهم تمهيدي يقترب كثيرا من الفهم الفلسفي البراجماتي الذي كانت أفكار ديفيد هيوم وجون لوك الارهاصات الفلسفية الاولية لها.. المدركات الحسيّة ليست نتاج تفكير العقل بها وأدراكها بل هي وسيلة مدركات لأشياء قائمة مستقلة وجوديا في العالم الخارجي بمعزل عن وجوب إدراك الحواس والعقل لها من عدمه.. وجود الاشياء في العالم الخارجي لا يحددها الادراك العقلي لها.
المنهج المادي لا ينكر العلمية التجريبية بالتفكير كما يرغبه هيوم ولوك لكنه لا يأخذ بالفكر التجريبي المجرد ذهنيا على أنه يمثل سبب ونتيجة في وقت واحد لتأكيد حقيقة وجود الاشياء وحقيقتها الابستمولوجية أيضا... والأهم الذي يجمع بين المادي والمثالي هو أن وسيلة العقل الوحيدة المعتمدة في أدراك الوجود وفهمه وتفسيره هو التجريد الصوري الفكري العقلي في أدراك ومعرفة الاشياء مبدئيا عن طريق الحواس، سواء أكان منهج التفكير الادراكي لموضوعاته مثاليا أو كان ماديا. فأين الاختلاف بين المنهجين المادي والمثالي في الادراك الحسي؟؟
الاختلاف أن ما تنقله الحواس والجهاز العصبي للذهن هو مادة خام ليس من عمل المنهج الادراكي المادي أو المثالي للعقل اعتبارها حقائق.. لكن ما يصدره العقل من مقولات فهم وتفسير (منهجي) لمدركاته الواصلة اليه كإحساسات مجردة هي التي تعطي منهجية التفكير المادي في اختلافه عن منهج التفسير المثالي.. فالفكر يكون ماديا حينما يعتبر في منهجيته العقلية أن الوجود سابق عليه والفكر انعكاس الواقع.. والفكر المثالي في منهجيته العقلية يذهب الى أن الفكر يسبق الوجود ولا وجود مستقل يسبق الفكر الذي هو تخليق الوجود وتطويره وتغييره وليس خلقه وإيجاده من عدم كما ترى المثالية.. والأشياء لا تكتسب حقيقتها الأنطولوجية في تعبير الحواس عنها بل تكتسبها في تخليق الفكر العقلي في التعبير عنها...
ما نريد التأكيد عليه أن وسيلة أدراك العقل هي نقل تجريدات الحواس للإدراك العقلي صوريا في المنهجين المادي والمثالي، ويكون الاختلاف بينهما بما يصدره العقل منهجيا عنها من تفسيرات ومقولات تكوينية إنشائية بفهم مغاير أحدهما عن الآخر..
رورتي والخبرة
يعتبر ريتشارد رورتي الكلام الابتذالي غير الفلسفي عن الخبرة هو أنه (يمكن للتفكير العادي أن يتكلم عن الخبرة بمعناها المبتذل، كأن نفكر فيما أذا كانت لدينا خبرة كافية بشيء لكي نحكم عليه، غير أن هذا ليس تعبيرا فلسفيا، فالتفكير الفلسفي يكون فقط عندما نبحث كما يفعل كانط عن علل causes ومسببات الآراء الخاصة بالمعرفة التجريبية الحسّية وليس مجرد مبرراتها.)4.
ويوّضح رورتي مفهوم الخبرة بقوله (تتشكل خبرتنا المعرفية من عنصرين هما: المعطيات المباشرة مثل معطيات الحس التي تقدم للعقل أو تعطى له، والثاني صورة أنشاء أو تأويل يمّثل نشاط الفكر) 5. وهذا الفهم متماهي كثيرا مع فهم كانط للخبرة ويقاطع فهم جون لوك لها.. وأذا أستعرنا تعبير جاستون باشلار الذي سعى أن يرى الفلسفة والعلم متكاملان ببعضهما الواحد للآخر يقول الخيال والتفكير المستمد من العقل, هو ملكة تشكيل صور تتجاوز الواقع بل تعمل على صنعه وتغييره لوجدنا أن العقل تخليق جديد لمدركاته وليس عملية ميكانيكية بالتعريف الظاهراتي السطحي لصفات تلك المدركات.
بضوء هذا الفهم الذي يقدمه رورتي يكون بعيدا كثيرا عن كل من جون لوك وكانط  كليهما ليقترب من الفلسفة البراجماتية الراسخة أمريكيا كفلسفة ابستمولوجية – وسياسية في تسيير المجتمع الأمريكي، أن كانط يفترق عن هذه البراجماتية ليس في ابتعاده عن الأخذ بالتجربة في تأكيد صحة اختبار حقائق الابستمولوجيا وحسب وإنما أيضا يعتبر(مقولات) العقل هي صفات قبلية(فطرية) في الذهن وليست(بعدية ) مكتسبة من الجدل المتخارج الذي يجمع بين المعرفة المدركة والفكرة المعبّرة عنها... وبخلافه تماما لا يعترف جون لوك بشيء أسمه (خبرة فطرية) ويعتبرها خرافة.
أن كانط مثالي نقدي ولا يخرج على مثالية هيوم التجريبية فكريا ألا في القليل، فهما كليهما يتعاملان على أن الفكر هو جوهر الادراك وجوهر المعرفة بالأشياء معا.. فكانط يعتبر العقل يمتلك معارف فطرية ومكتسبة مخزّنة في الذاكرة بعضها مستمد من الواقع الخارجي.. يتمكن بها العقل من إصدار مقولاته (القبلية) وهذا بخلاف رورتي الذي يرى بمقولات العقل هي قدرات فكرية (بعدية) في أنشائها تكوينات المعرفة ومعالجة مدركات العقل.. والمقولات القبلية يوضحها كانط أنها خبرة متراكمة عن الاشياء تسمح للعقل إصدار مقولاته التي يطلق عليها (حقائق تركيبية قبلية) بضوئها يكون العقل ممتلكا قدرات المقارنة بين حقيقة الشيء المدرك ومطابقة معرفته له مع الخبرات القبلية عنه وعن غيره من المدركات..
أن كانط يؤمن بوجود خبرات قبلية (فطرية) كمعطى ذهني ويعتبر قانوني الادراك (الزمان والمكان) هما معطيان فطريان يولد الانسان مزوّدا بهما لمعرفة العالم.. ولا يقلل كانط أهمية تراكم التجارب المكتسبة سببا في تكوين الخبرة المخزّنة بالذاكرة متبّعا آلية تجمع الاثنتين (الخبرة الفطرية والخبرة المكتسبة) في تكاملهما معرفة العالم وأدراكنا الاشياء.
ولا يخرج كانط بهذا الفهم أن علّة وسبب وجود العالم الخارجي يكون مصدرها بالذهن وليس بالعلاقة الجدلية التخارجية مع المدركات والموجودات المتعالقة مع الفكر بعلاقة سببية، تلك السببية التي ينكرها هيوم ويعتبرها تراكم تجارب تمتلك بالتكرار صفة (العادة) المستديمة التي تفسّر ظاهرة ما بتعالقها مع أخرى ليس كسبب ونتيجة وإنما هي تكرار علاقاتي بالصدفة تختزنه الذاكرة كمعرفة مكتسبة في تعليلها ترابط الاشياء بالصدف العمياء وليس سببيا في العلاقات التي تربط الاشياء علة ومعلول.. وهو ما يعتبره الفلاسفة سقطة كبيرة لهيوم في عالم نعيشه تحكمنا فيه السببية من أصغر حركة نقوم بها في حياتنا الى أعقد ظاهرة تحكم قوانين الكون ندركها أو لا ندركها..



الوعي والمعرفة
يشن سلارز هجوما لاذعا على منتقدي ومصادرة عبارته الفلسفية مفادها (عدم الاقرار لوجود وعي سابق على اللغة).6 وليس من السهل التسليم بصحة ما ذهب له سلارز فالوعي عند الطفل في معرفته ألوان بعض الاشياء وصفات بعضها الآخر والعلاقة السببية بين الالم وتعابير الجسم عنها وغيرها عديد جميعها حالات يسبق الوعي بها تعلم اللغة وسيلة تعبير لما يدركه ويعجز التعبير عنها باللغة.. فالطفل يعرف النار تحرق قبل معرفته التعبير اللغوي عن ربطه النار سبب الاحتراق...
وجود الأشياء السابق على الوعي التعبيري المادي اللغوي عنها كمدركات هو مبعث الوعي السابق بها وسابق على تعبير اللغة عنها، كما يعتبر سلارز أيضا (أن كل وعي للكائنات المجردة، وحتى كل وعي للجزئيات هو شأن لغوي) 7. من المفروغ منه عدم مناقشة صحة هذه البديهية التي تذهب الى أن الوعي هو تفكير العقل لا يتم الا بتعبيراللغة عنه.. وعليه هل من الممكن التساؤل أن الوعي بالكائنات المادية والفيزيائية غير المجردة هي ليست شأنا لغويا؟؟ بالتأكيد البدهي لا...ولا اختلاف في التعبير اللغوي عن الكليّات كما هو الحال مع الجزئيات في الوعي الادراكي لهما كليهما... فالوعي التعبيري هو أدراك لغوي وليس أدراكا حسّيا مجردا عن موضوعه كما هو في عجز التعبير عن الوعي باللغة أحيانا.
الوعي هو ملكة العقل في اجتراحه اللغة وسيلة الافصاح عن مدركاته، لذا لا يكون الوعي تجريدا لغويا منعزلا عن وصاية العقل الملازمة علائقيا له. وأن كانت اللغة هي وسيلة الافصاح التعبيري عن قصديات الوعي الا أنها لا تمثل جوهرا ينوب عن الوعي الادراكي العقلي، وتبقى اللغة جوهرا للوعي تكتسب ماهويتها التعبيرية من ملازمتها الوعي كما في ملازمة الوعي لادراك الاشياء المادية وموضوعات التفكير التخييلية التجريدية... أننا يمكننا القول وباطمئنان أن الوعي هو تصورات فكرية لا تحتاج التعبير اللغوي التواصلي أحيانا..
لذا يكون التساؤل هل توجد غير التصورات الفكرية اللغوية وسيلة للتعبير عن الاحاسيس والوعي بها؟؟ نعم يوجد مثلا شعور الطفل كما أوضحنا في سطور سابقة أو شعور الشخص البالغ بالألم هو وعي تصوري تجريدي للألم قبل أن يكون لغة معبّرة عنه.. لذا فالوعي بالوقت والحين الذي يمّثل رد فعل استثارة الواقع له كمواضيع إدراكية، فأن الوعي لا يستطيع التعامل مع تلك المدركات في التعبير عنها الا بوسيلة التصورات العقلية المجردة (لغويا)...

الهوامش:
** البسكيولوجيا تيار فلسفي أشار له وليم جيمس في مؤلفاته بعلم النفس ويقوده رورتي وسلارز وكواين من بعده... ويمثلون هؤلاء بفلسفتهم تطوير مبحث اللغة التحليلية عند جورج مور وبراتراند رسل وفينجشتاين، كما ويعتمدون منهج علم النفس التجريبي مرتكزا في محاربتهم مبحث الابستمولوجيا فلسفيا بأعتبارها مبحثا ميتافيزيقيا لا فائدة منه.
1.      ريتشارد رورتي / الفلسفة ومرآة الطبيعة / ترجمة: د. حيدر حاج اسماعيل/مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ص 236
2.      المصدر السابق ص 220
3.      المصدر السابق ص 219
4.      المصدر السابق ص 227
5.      المصدر السابق ص 225
6.       المصدر السابق ص 264
7.      المصدر السابق نفس الصفحة





تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)