قولٌ في السعادة


قولٌ في السعادة
سامر حيدر المجالي                                                                           16 يوليوز 2019
للسعادةِ مذاهبُ ولكل ما يعتنقُه. في أوروبا مثلا، سادت النزعة الأبيقورية خلال القرن أو القرنين اللذين سبقا عصر النهضة. كانت ألف عام من الحرمان سببا في استحضار هذه النزعة من جديد؛ ذلك أن الناس أرادوا أن ينالوا نصيبا عاجلا من السعادة. إن الخير والسعادة واللذة مفاهيم أرضية يصنعها إحساس البشر، أما الغيب فلا مكان لمزيد من الرهان عليه. لقد تبعوا أبيقور الذي سخر قديما من أولئك المثاليين الذين ظنوا أنه يمكن فعل الخير من أجل الخير، وقال أن الفرد هو مقياس الناحية الأخلاقية، ووراء دوافعه تكمن مآرب ذاتية تنشد تحقيق السعادة. نظّر أبيقور لسعادة يسير إليها المرء على أجنحة لذاته؛ فالفضيلة هي اللذة، واللذة هي الفضيلة، لكنه برغم ذلك لم يكن متطرفا في هذا الشأن؛ إذ لم يتمادَ في تبجيل اللذة تبجيلا يصل بها إلى مراتب البهيمية، كان ذاك التمادي شأن جماعة إغريقية أخرى اسمها جماعة "القورينائيين"، فهؤلاء سعوا وراء اللذة مهما كانت عواقبها، ورأوا أن على الإنسان أن يعيش لحظته الحاضرة ولتذهب العواقب إلى الجحيم. أبيقور الذي لم يتطرف رأى أن هدف اللذة هو تحقيق السلام الداخلي للإنسان؛ فإذا ما صادف المرء لذة لحظية وعلم أنها يتبعها أذى أو ألم وجب عليه تجنب تلك اللذة. قياسا على ذلك كانت اللذة الحسية عنده خيرا إيجابيا إذا ما فُهمت من ناحية الحركة التي يبديها المرء رغبة في الوصول إليها، وكان السلام الداخلي خيرا سلبيا من حيث تحققه في حالي السكون والرضا اللذين يعقبان اللذة؛ فالشخص الظمآن يسعى إلى الماء فيحقق بشربه اللذة الإيجابية التي أوجبت تحركه نحو الماء فأذهبت عنه العطش، ثم ينعم بعد الشرب بسلام نفسي هو انتفاء حالة الألم وشعوره بالرضا، أي اللذة السلبية الأدوم والأبقى من أختها الإيجابية تلك1.
مهما يكن من أمر بقيت سعادة أبيقور سعادة حسية، فهي بجانبيها السلبي والإيجابي أسيرة الجسد، وهي كما شأن كل سعادة تقوم على ركيزتين: الأولى استجلاب اللذة والثانية دفع الألم الذي يسببه غياب اللذة. علينا أن نتذكر هذه النقطة بعد قليل حين نتحدث عن أشكال السعادة الأخرى؛ فحضور اللذة ودفع الألم عاملان مشتركان بين الجميع. إذن نبقى مع أبيقور الذي استُحضر حين نهض الأوروبيون من سباتهم، ورأوا كيف أمعنت المؤسسة الدينية في حرمانهم من السعادة الأرضية لقاء غفران كهنوتي تملؤه الخرافات والدجل، آنذاك عاد فكره إلى الظهور. صار الإنسان يبحث عن نفسه فازدهر مبدأ اللذة التي تطابق السعادة، وتضخمت الفكرة مارة بعصر النهضة ثم عصر الأنوار، ومن تجريبية لوك إلى حسية كوندياك الذي ألغى كل مصدر للمعرفة سوى ما تأتي به الحواس، وما ينتج عنها من شهوات وهوى وحب وكراهية ورضا وإرادة2.
كان ذاك المسار مجرد واحد من مسارات النضوج الأوروبي، وإلى جانبه سرت أفكار مثالية وعقلانية مغايرة. غير أن موضوعنا هنا هو السعادة، فكان لا بد من الإشارة إلى هذا المسار الكبير والمؤثر، إذ ليس موضوعنا شيئا غيره....
‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘‘
على الجانب الإنساني الآخر كانت هناك أفكار عن السعادة تتجاوز نطاق المحسوس، فقد رأى سقراط أن الخير هو السعادة، وكلاهما هو الواجب الأخلاقي بحذافيره. وتابعه في ذلك تلميذه أفلاطون فقسم الوجود إلى قسمين: قسم مثالي تتحقق فيه أسمى درجات الخير أو السعادة، وقسم فان يتطرق إليه الفساد. وكلما اقترب وجود ما من عالم المثال حاز نصيبا أوفر من السعادة، وكلما ابتعد عن المثال انحطَّ في دركات الشقاء. بذلك كان الخير الأفلاطوني خيرا عقليا محضا يبلغه الإنسان بالانتصار على جسده كي يتشبه ما أمكنه ذلك بالآلهة. إن الخير وجود مفارق، والسعادة علوية تحول بين المرء وبينها ظلمة الجسد، لكن أفلاطون كعادته يقدم أفكارا مثالية جافة لا تنقصها الوجاهة لكن تنقصها الروح والحياة3.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وإلى ما يشبه ذلك مما هو أفلاطوني مثالي ذهب ابن سينا لكنه وضّح وفصّل. يقر الشيخ الرئيس في "النجاة"4 أن هناك نوعين من السعادة: سعادة تختص بالبدن، وسعادة أخرى تدرك بالعقل والقياس البرهاني. وقد صدّقت الشريعة، بحسب زعمه، بالنوعين، على أن النوع الثاني منهما كان هدفا وغاية للحكماء الإلهيين فقط دون غيرهم من الناس. والمقارنة معدومة لما بين نوعي السعادة من فارق هائل يعرفه فقط الحكماء الذين سمت قواهم النفسية حتى بلغت آفاق اللذة الدائمة في عالم العقليات. والقوى النفسية هذه تتدرج في سموها وفي كيفيات سعادتها. فكلما سمت القوة النفسية كان كمالها أدوم وأعلى وكانت لذاتها أبلغ وأوفى. والكيفيات تتبع ذلك، فلذة الغضب الظفر، ولذة الوهم الرجاء، ولذة الشهوة ما يتحقق للبدن من إحساسات توافق تلك الشهوة، أما لذة العقل فهي المعرفة التي لا تفنى لسمو القوة النفسية المحركة باتجاهها.
كذلك أقر ابن سينا بموانع فسيولوجية أو سيكولوجية تحول بين بالسعادة وبعض أفراد الناس؛ فالنقص الجسدي أحيانا يجعل السعادة بعيدة المنال. العنين مثلا لا تتحقق له لذة الجماع، والأصم لا يستطيع الاستمتاع بالموسيقى. إنهما وإن علما وجود هذه اللذة فإنهما يعجزان عن بلوغ حقيقتها. إذن العلم شيء والذوق شيء آخر، هذه نتيجة خطيرة خرجت من وكر القياس البرهاني دون أن تؤثر في النظرية السيناوية. ثم يضاف إلى النقص الجسدي كل نقص في المدارك العقلية أو في الصحة النفسية؛ فهذان العاملان كذلك يحولان دون بلوغ اللذة. بل إن نقص المدارك وقلة المواهب العقلية قد توهم المرء أنْ ليس هناك من لذات سوى ما يحصل عليه المرء من لذات بطنه وفرجه. وهذه حالة بهيمية تنزل بصاحبها عن درجة الإنسانية......
أما نقيض هذه الحالة البهيمية فهو تلك السعادة التي تبلغها النفس الناطقة للإنسان المفكر حين تغادر جسده. حينذاك تنفصل النفس عن ظلمة الجسد وتترفع عن سجن المادة فتدرك الخير المطلق وتستكمل في نفسها معرفة الوجود كله. يقول ابن سينا: "إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض في الكل، مبتدئا من مبدأ الكل، سالكا إلى الجواهر الشريفة فالروحانية المطلقة ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما من التعلق بالأبدان، ثم الأجسام العلوية بهيئاتها وقواها، ثم تستمر كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله مشاهدا لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال الحق ومتحدا به ومنتقشا بمثاله وهيئته ومنخرطا في سلكه وصائرا من جوهره"5 هذا النوع من اللذة ليس بمتناول البشر ما دامت أنفسهم أسيرة المادة لأن مداركهم في هذا العالم لم تبلغ بعد النضج الذي يمكنها من بلوغ هذه الدرجة. ويا لها من درجة تتحقق فيها المعرفة السامية التي تبلغ الأشياء فيها ذواتها الحقيقية ثم تسمو فوق ذلك حتى تندمج بالوجود ويندمج الوجود بها، فيكون العالـِم هو عين العلم وعين المعلوم. ويذكرنا ابن سينا دائما أن هذا البلوغ هناك ليس متيسرا لكل أحد؛ ذلك أن النفوس أنواع فمنها من أوتيت فطرة سليمة لكنها انشغلت بالبدن ونسيت معشوقها القديم، فهذه بعد الانفصال عن الجسد تدرك من مرارة نسيانها ما يحرمها لذة العودة، ومنها أنفس ساذجة جحدت علاقتها بالعالم العقلي فتخلد في الشقاء الأبدي، ومنها أنفس وطَّنت نفسها على طلب الكمالات، وأصلحت الجزء العملي من النفس فاتبعت الوسط من الأمور، وذللت قوى الإنسان الغضبية والشهوانية لإرادتها. هذه النفس إذا فارقت الجسد عادت إلى موطنها ونالت السعادة الأبدية.
هذا ملخص ما رآه ابن سينا فأقام بنيان سعادته على ما يقتضيه العقل والقياس البرهاني. غير أن في تصوره شيئا مفقودا ورثه عن أفلاطون! لعله أن تلك السعادة تنقصها حرارة الأشواق، أو أنها بحاجة إلى توكيد نفسها، وربما كان الأهم هو توكيد موضوعها الذي تتجه إليه.
سنزعم إذن كي نوفي الرجل حقه أنه نجح في وضع قاعدة عامة للسعادة الحقيقية؛ فهي ما يبقى من لذة بعد فوات كل شيء، وتلك لا تُبلغ إلا إذا اتصلت بالمطلق. وقد كان واضحا في تفضيله هذه اللذة على كل شيء سواها، لكن الشيخ الرئيس تاه في الدروب؛ ذلك أنه أقحم العقل والقياس البرهاني في منطقة الميتافيزيقيا، فكان الكلام باهتا رغم ما فيه من وجاهة ورأي سديد. فإن رمنا ما هو أصفى وأتم وأعمق وجب علينا أن نبحث عن الروح التي نعيناها عند أفلاطون وابن سينا. سنسلك إذن تلك الدروب الملتهبة بالأشواق، دروب الذوق والصلب والشهادة والحنين، دروب العرفان فلعل من بذلوا أرواحهم أقدر على إخبارنا عن بعض أسرار السعادة.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

من ذلك ما رُوي عن أحد الصالحين، ولعله إبراهيم بن أدهم المتوفى عام مئة وواحد وستين للهجرة، أنه قال: "نحن في سعادة لو عرفها الملوك لجالدونا عليها بسيوفهم"، وإبراهيم هذا كان من أبناء الملوك فترك ما كان فيه من جاه واتجه بكليته إلى الله، فأدرك الفرق بين نعيم أرضي زائل ونعيم إلهي باقٍ. إن ميزة هذه السعادة أنها عاجلة وآجلة، دنيوية وأخروية، فمنها قسط معجل كالذي وصفه ابن أدهم، يحلُّ متى صدقت النية وصفت مرآة القلب، والمدَّخَر منها أجل وأعظم بما لا يمكن تصوره. هنا نفحات وهناك نظر إلى الوجه الكريم، فأي وعد أجلب للسعادة من هذا الوعد؟! ثم إن هذه السعادة لا تختص بطبقة من البشر دون غيرهم فإن من الرجال من هو أشعث أغبر ولو أقسم على الله لأبره.
كما أنها عرفت موضوعها وسارت إليه بكل قوتها. يقول ابن عطاء الله السكندري في منظومة حكمه: "النعيم وإن تنوعت مظاهره إنما هو بشهوده واقترابه. والعذاب وإن تنوعت مظاهره إنما هو لوجود حجابه، فسبب العذاب وجود الحجاب، وتمام النعيم بالنظر إلى الوجه الكريم"6 نحن إذن بإزاء حقيقة وجودية ساطعة عاينها العارفون وتنعموا بحقيقتها حتى هان كل عذاب لاقوه في سبيلها، منهم من صُلب ومنهم من صام الدهر ومنهم من زهد حتى في الحلال، فالوصول إلى حيث ذات الله المتعالية عن مقتضيات الزمان والمكان هو أس السعادة التي لا تُكال بمكاييل أهل الأرض، والبعد عنها هو العذاب بعينه.
والسعادة هذه ما زالت تحمل نفس السمات التي تحدثنا عنها سابقا؛ إنها تبحث عن لذة اللقاء كي تتجنب ألم الحرمان، غير أنها انتقلت من المجال الحسي، وتخطت العقل والبرهان، ووصلت إلى حيث الشهود، إلى حيث تزول الأحزان ويعم الأنس. أما زوال الأحزان فلأنه "في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران وحسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون هو وحده مطلوبه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه ودوام ذكره وصدق الإخلاص له ولو أُعطي الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة منه أبدا"7 وأما الأنس فلأنه شهود ورؤية وانتقال من العلم إلى المعرفة، وهذا أمر لو يعلم الناس عظيم.
،،،،،،،،،،،،
نعم هو عظيم لأن الفرق بين العلم والمعرفة هو ما يفصل تماما بين تكهنات ابن سينا وشهادات أهل العرفان؛ فالعلم ظنيٌّ واستدلالي، والذات فيه محايدة أمام موضوعها. لذلك بدا تعريف ابن سينا للسعادة باهتا. أما العرفان فتجربة ذاتية تعبّر الذات العارفة فيها عن ذوق حقيقي، وتنقل لنا مشاعر واقعية التقت خلالها الذات بسعادتها وجها لوجه. إن هذه القضية؛ أي الفرق بين العلم والمعرفة، قضية كونية عابرة للحضارات، ولا بد من التفريق فيها دائما بين ما يقودنا إليه البرهان الفلسفي أو التجريب العلمي من جهة، وما يمنحنا إياه الشعور العرفاني من جهة ثانية. البرهان والتجريب قيدٌ يصلح للحكم في عالم الشهادة الأرضي المجبول على النقص والفساد، إن له دورا في بناء الحضارة المادية دون شك، لكنه لم ينجح حتى الساعة في تهذيب الحضارة وإرساء العدالة التي تستند إلى قيمة الحق لا إلى عنجهية القوة. بينما الشعور حريةٌ تصلح للولوج إلى عالم الغيب فيتهذب الضمير وتصفو الأرواح، وبه يتميز الإنسان عن غيره من المخلوقات. إن أصل الشعور أنه وليد الحرية، ويظهر ذلك في الفرق الذي بينه هنري برجسون بين الكائنات الحية التي تحركها الغريزة وتلك التي تحركها الإرادة. الكائن الغريزي مسلوب الحرية ولا يتمتع بأي شعور، يتحرك نحو هدفه لا بإرادته فيحرز نجاحا مؤكدا. تهتدي النحلة إلى خليتها بدافع غريزي، وتبدع العناكب أشكالا هندسية في بيوتها عن غير إرادة، ويلتقم الحمل ثدي الشاة دون سابق تجربة. الغريزة لا تخطئ أبدا لكن مجال فعلها محدود فهي محكومة من خارجها، أما الشعور النابع من داخل الإنسان فينطوي على مساحة واسعة بسعة الكون للاختيار بين البدائل، ولا بد فيه من الخطأ والتصحيح، وكلما سما الوعي زادت البدائل واتسع مجال الاختيار حتى يبلغ أسمى آفاقه في حالة الإنسان.8
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
إن حب الله حرية ولا يبلغ مقامات السلوك فيه إلا أحرار الضمير والوجدان. لا أحد يستطيع أن يحاصر مشاعر الإنسان سواه هو، ولا يكون ذلك إلا بتزييفه نفسه عن طوع خاطر منه. إن شعورك باتصالك بالمطلق هو أعظم حدث قد يحصل لك في حياتك، وإنك لن تبلغه إلا متى حررت ذاتك من شهواتك ومن أطماعك ومن مخاوفك ومن تبعيتك ومن أصنامك ومن كل شيء باخس يحول بينك وبين المطلق العظيم. وإنك حين تعرف ذاتك على حقيقتها فتنقيها من أدناسها تكون قد عرفت المطلق؛ ذلك أن من عرف نفسه فقد عرف ربه. هذا المبحث واسع لكن المؤكد فيه أن هناك ثلاثة مفاهيم ترتبط ببعضها ارتباطا وثيقا؛ السعادة والحرية والمعرفة؛ فالحرية مفتاح المعرفة، والمعرفة ترياق السعادة. والسعادة هذه ممكنة في العالم الأرضي إذا تحققت قبلها ثنائية الحرية والمعرفة.
وسعادة البشرية في سعادة أفرادها، وكل ما يجرد الإنسان الفرد من حرية ضميره ومن فضيلة سعيه إلى المعرفة إنما يحكم على البشرية كلها بالخذلان. الإنسان المقهور لن يعرف معنى السعادة لأن اكتمال معناه الإنساني يكمن في حرية ضميره وفي مقدرته على شق طريقه نحو راحة نفسه. وأساليب القهر متنوعة، وقتل الضمير والقدرات شائع في هذا العالم الذي مضى على ميلاد المسيح فيه ما يزيد على ألفي عام. والمعرفة ليست في تكديس المعلومات وإنما هي في اتخاذ موقف أخلاقي من قضايا العالم. سنعود ونوافق سقراط على رأيه هذا، ونخالف كونت الذي فصل فصلا تاما بين السعادة والواجب الأخلاقي. نحن نبحث عن راحة الضمير التي يحققها إنسان متحرر من الاستبداد السياسي، وقادر على التقييم والمساءلة، وواع بقدراته الذاتية، وغير مستعبد للتقنية، وله شخصية حقيقية لم يزيفها الواقع الاستهلاكي المصطنع.
أليست هذه القيود هي واقع زماننا الذي نعيش فيه برغم ثرائه العلمي المذهل؟
القضية دائما هي حرية الإنسان وتحقق إمكانياته، إنها سعادة التوحيد التي تصل بين السماء والأرض، ومن ذاق عرف......

  1. بدوي، عبد الرحمن، موسوعة الفلسفة، الجزء الأول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1984، ص81-89
  2. انظر: عباس، راوية عبد المنعم، المذهب الحسي عند كوندياك، دار النهضة العربية، 1996
  3. عبد الرحمن بدوي، ص180-181
  4. ابن سينا، النجاة في المنطق والإلهيات، مصدر إلكتروني:                                             file:///C:/Users/user/AppData/Local/Packages/Microsoft.MicrosoftEdge_8wekyb3d8bbwe/TempState/Downloads/kutubpdfcafe-flsfa-yf066.pdf
  5. ابن سينا، ص169
  6. حكم ابن عطاء الله السكندري، المكتبة العصرية، 2013، ص213-214
  7. ابن قيم الجوزية، مدارج السالكين، المجلد الثاني، دار ابن الجوزي، 2012، ص349
  8. بخصوص هذه النقطة يمكن العودة إلى برجسون، هنري، التطور الخالق، دار آفاق، 2018


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس