الأخلاق ضمن سياق أكسيولوجي


الأخلاق ضمن سياق أكسيولوجي
د فاطمة المومني
من خلال تقديم كتاب "السياسي والمواطن تجربة وال ما بعد الثورة" لدكتور نبيل الفرجاني

مقدمـــــــــــــة
يتنزل مبحث الأخلاق ضمن سياق أكسيولوجي، يتحدد ضمن الفعل الإنساني استنادا للأفق الاجتماعي أو مرجعية الثقافية التي ينتمي إليها الإنسان. لذلك يمكن تعريف الأخلاق باعتبارها جملة من القيم وقواعد السلوك التي تستهدف الخير، بل هي جملة من النواميس الاجتماعية ينضوي تحتها الفرد. غير أن الوعي المفاجئ برتابة الزمن ورجات الحياة وصدماتها مبعث للتفلسف لموضوع الأخلاق. و نظرا لعمق مسألة الإنسان في علاقته بالأخر فتظهر لنا أن المجال العلمي و القيمي هو المحدد لهذه العلاقات سواء كانت علاقات صداميه أو علاقات مصالحة.
وفي نفس هذا المبحث الأخلاقي صدر للدكتور التونسي نبيل الفرجاني (أصيل مدينة قابس تحديدا منطقة شنني) كتاب بعنوان׃" السياسي والمواطن تجربة وال ما بعد الثورة "المطبوع في دار النشر نقوش عربية بتونس سنة 2015، وفيه 176 صفحة من الحجم المتوسط.
 " السياسي والمواطن تجربة وال ما بعد الثورة"، هو عبارة عن تجربة الكاتب عندما شغل منصب وال بولاية مدنين بالجنوب الشرقي للبلاد التونسية بعد الثورة من فيفري 2011 إلى غاية أفريل 2012 ٬هي فترة كل ما تتصف بها أنها فترة حرجة لقرب الجغرافي لولاية مدنين للحدود الليبية. يحتوي هذا الكتاب على عشرة أبواب بين فيها المؤلف الخيط الناظم لمضامين كتابه، وهو عبارة على تجربة سياسية وإدارية للمؤلف.عرف تراوح بين "الأنا" وهو السياسي و"الـ-نحن" هو المواطن وبين هذا وذاك ثمة تنافر وتصادم من جهة، ومن جهة أخرى تقابل و تعاون. قد منحنا الكاتب أيضا فرصة المشاركة لتجربته كوال بل تجربته كإنسان ثم كسياسي في "زمن هوت فيه السلطة وتداعت فيه هيبة الدولة" كما قال الأستاذ فاضل موسى.
من التجربـــــة إلى الكتابــة
هنا كأننا أمام محام يرافع في جلسة بالمحكمة، فالتجربة هي التي أعطته توكيلا للكتابة. فمن وجهة نظر المؤلف و من خلال تجربته كوال بولاية مدنين. فإن هذه التجربة أثمرت رجلا جمع بين السياسي المسؤول وبين الإنسان المواطن إذ يقول׃« كلما تخلصت من السياسي الذي يشغلني لبست ثوب المواطن الذي يسكنني وكلما نسيت ٲني رجل سياسة تذكرت ٲني إنسان« ص 13.
وإننا وان نظرنا إلى واقع الإنسان ألفنا أنه واقع سلطوي بالأساس وان حياة الإنسان فيه تبدأ بالسلطة وتنتهي في إطارها دون أن تنتهي السلطة، ومن ثمة فان الواقع الإنساني هو واقع نفوذ، سلطة، عنف حتى وان توارى وراء خطابات الحرية، العدالة، الحق׃ وبالتالي فالسلطة تستعص على كل تحديد، محصنة، متمنعة، تتخفى׃ تطأ عندما تحضر وتقسو حينما تغيب فهي تعلمنا الخشية، الإرعاب، الرهبة و الفزع حضورا أو غيابا.
إن السلطة هي التأثير الإنساني  الذي نتحمله ونخضع له أو نمارسه. بمعنى هي إنسانية بالضرورة قد تزعجنا إذا كانت للآخرين وقد تبهجنا إذا كانت لنا كل ذلك تمارسه السلطة في الموقع الذي تعرف بالجسد الاجتماعي الذي يحمل أثارها ومفاعيلها وتحفر فيه أخاديد لا تمحى وهو الذي يجعلها تتحرك بحركته وتأخذ هيأته لتكون نسيجا متشابكا. لقد تبين لنا بأن السلطة ظاهرة ملازمة للوجود المدني، السياسي وإنها مبثوثة في شتى المجالات بما في ذلك الميدان المعرفي إذ تعترضنا حيثما ولينا وجهنا، مستخدمة أجهزة وأنظمة ومعايير إيديولوجية تجمع بين الترغيب والترهيب من ناحية وبين الحق والقوة ، وبين العنف و اللاعنف من ناحية أخرى.
إن أبرز ما يحرك مساءلتنا في هذا الأثر، هذا الكتاب هو مشكل السياسي والحياد و علاقة السياسي بالمواطن والمصلحة الوطنية. لكن كيف لنا أن نعرف ما نوع هذا التعامل، هل هو تعامل مرتبط بالمصالح والمفاسد المتحولة والمتغيرة والمتجددة حسب تحول الواقع وتغيره وتجدده، والمتنوعة بتنوع فئات المجتمع وطبقاته وطوائفه وأحزابه، أم هو خطاب مرتبط في الوقت نفسه بثوابت الدين وقيمه وأخلاقه؟
إذا كانت الدولة هي أكثر أشكال السلطة التي تطورا ارتباطها بالمؤسسات والقانون، فإنها موطن إحراج يتعلق بالأساس الذي يجب أن تنبني عليه سلطتها والذي يجب أن يكون تشريعا لهذه السلطة ويجعلها موضع موافقة المواطنين. فلما كان الإنسان يسعى إلى ضمان حقه في البقاء مكانه في الطبيعة، فإن العقل يقضي بأن يتفق الأفراد على التنازل على السياسة لصالح سلطة مشتركه تضمن لهم حقهم الطبيعي في الحياة.
يقول أقلاطون׃«أغلب الناس عند السلطة يصيرون أشرارا». أية علاقة تربط بين الإنسان والقيم؟ وأي إنسان هذا الذي تقوم حياته على أساس قيمي؟ هل هو الإنسان الفاعل المريد أم هو الإنسان الخاضع التابع؟ هل هو الإنسان في جوهره كما يجب أن يكون أم هو الإنسان المتواجد في التاريخ بتنويعاته وتناقضاته؟ و هل أن السؤال عن الأول يلغي السؤال عن الثاني أم هو يستلزم ويعقد وجوده ويطرح رهان تحرره مما هو كائن؟ إن تحرير الإنسان من الاغتراب السياسي ليس رهين الحلول السياسية وحدها وما اقتضته من استعمال للقوة لضمان العيش بل يتجاوز ذلك إلى جعل الحياة أكثر أخلاقية ليتحقق فيها حسن العيش.
لقد آمن الانسان بأن مصير الإنسان بيد الإنسان وأن الذات الإنسانية ليس لها خيار سوى تأسيس وجودها النوعي. وهذا الإنسان حضوره في العالم وفي المجتمع يستلزم منه تكيفا اجتماعيا آليته الأساسية مبدأ الأخلاق. فالسؤال عن علاقة المجتمع بالفرد و علاقة الإنسان بالسلطة هو البحث عن كيفية تطبيق المفاهيم الأخلاقية. وكيف نبرر السلطة التي يمارسها الحكام. حدثنا أيضا عن تجربته مع اللاجئين على الحدود، تجربته مع المجتمع المدني، تجربته مع المواطنين مباشرة في عدة زيارات ميدانية. فكان بمثابة صوت للمواطن أينما حل وقد عمل على « إيصال نتيجة المشاورات حتى ترى المقترحات النور وتتحول من أفكار إلى أفعال». ص 63.
وعلى ضوء ذلك فإن هذا الكتاب هو كتاب يساءل العقل بل هو انصهار كلي بما في واقعنا من تردي العلاقة بين السياسي والمواطن بتونس ككل في وقتها الراهن ألا نحتاج إلى تأسيس عقد أخلاقي بين السياسي و المواطن؟.
هل الدولـة بحاجة إلى أخــــــلاق
يعتبر الإنسان "حيوان سياسي" بمعنى أنه لا يستقيم له وجود مدني دون"وازع" أو "سلطة سياسية" تنظيم حياته الاجتماعية، بهكذا شكلت المسألة السياسية موضوعا استقطب الفلاسفة. بحيث يتنزل التفكير في البراكسس الإنساني على تنوعه وبالنظر إلى مجالات صرفه وإلى الغايات التي يطلبها وإلى الوسائل التي يسخرها، وإلى القيم والمعايير التي تسنده وتكسبه معنى، و بالفعل إذا نظرنا إلى الواقع الإنساني ألفينا أنه واقع سلطوي بالأساس.
لقد رادف كل فلاسفة الأنوار  بين "المدني" و "السياسي" أي بين المدني والدولة باعتبار كون الدولة هي الأداة الممثلة بصورة فعلية للفعل السياسي داخل المجتمع وهي التي تحافظ على مكاسب "المدنية" أي العقد. لكن هيجل أعلن النظر في علاقة "المدني" بالدولة بل عارض بينهما إلى حد اعتبر أن الدولة أسمى من المجتمع المدني أي أن الدولة أشبه ب"الصورة" أو "المثال" أو "الفكرة" والمجتمع المدني أشبه بالمادة. يعني المجتمع المدني هو انتظام مجموعة بشرية ضمن إطار مشترك يضبطه القانون وتحفظ فيه الأملاك الخاصية وأمن الأفراد. وبالمقابل فإن الدولة هي أكثر "ماهوية" فهي تحقق الفكر  في الواقع وهي "واقعية الفكرة الأخلاقية" وصورة العقل وتستند هذه القراءة إلى فهم خاص للتاريخ إذ اعتبر هيجل لان التاريخ يعكس تطور العقل أي أن كل شكل حضاري في مختلف مراحل التاريخ يجسد مسيرة. و من ثمة فإن لا قيام للدولة بدون مجتمع مدني تستمد منه مواردها وقواها ومبررات نفوذها ومن جهة أخرى لا وجود لمجتمع بدون دولة تحميه من عيوبه الخاصة وتحميه من مخاطر الفوضى التي يسببها مشاكل التنافس. لان مآل المجتمع الخالي من الدولة هو "الفوضى" ومآل الدولة التي تسيطر على المجتمع وتكتم أنفاسه هو "الاستبداد". بحيث لا يمكن أن نتصور الاجتماعي بدون السياسي لان السياسي هو أصل الممارسة الاجتماعية.
 من البديهي فإن الدولة تحتاج إلى هيئة تهتم بشؤونها وتعمل على تسيير وتنظيم حياة الأفراد في وسط إطار اجتماعي. اختراع الدولة هو أساس تحرير الإنسان من هيمنة الإنسان بحيث يصبح مفهوم الدولة بما هي مؤسسة حقوقية قانونية، وهو استخلاص استبدال النفوذ الشخصي بسيادة القوانين على أنه محصلة وعي الإنسان بقيمة الحرية وسعيه إلى جعلها أساس الممارسة السياسية من جهة. ومن جهة أخرى، هذه القوانين لا تقوى على ضبط العلاقات الاجتماعية لذلك تنظيم علاقة الفرد مع الفرد، علاقة الفرد بالمجتمع تستند للأخلاق في التنظيم السياسي. كيف يمكن للدولة التي تقتضي طاعة  المحكومين أن تكون شرط لتحريرهم من استعباد الإنسان للإنسان؟ ألا تؤول الطاعة في كل وجوهها إلى الهيمنة؟ قد تنزلق الدولة الديمقراطية أيضا فتصبح "جهاز قمع" لأنه لا مجال للحديث عن حرية دون مساواة اجتماعية وبالتالي فإن الوجود السياسي للإنسان هو وجود يحميه العنف، هو عنف الدولة وهو متسم بسمات "العنف الشرعي". و في هذا السياق، فالدولة بحاجة إلى أخلاق وهو ما آمن به بعض الفلاسفة ابتداء من أرسطو، الذي رأى في "علم الأخلاق" ضرورة في التنظيم السياسي بمعنى أن علم الأخلاق هو علم عن طريقه نتمكن من تنظيم الحياة الإنسانية. وصولا إلى العصر الحديث مع كانط، ربط السياسة بالأخلاق  بحيث ترتبط الإرادة بالواجب الأخلاقي وهذه الإرادة هي إرادة خيرة وهي مجموعة الإرادات الخاصة هي إرادة حرة لأنها تخضع لمبدأ الاختيار الذاتي باعتبارها هدفا لا غاية.كانط يتحرك في نفس منحى روسو ويختلف عن هوبس الذي يرى أن الأفراد يتنازلون عن حرياتهم لفائدة مجلس واحد أو شخص واحد الذي هو "التنين الكبير" عن طريق الخوف لأنهم غير أحرار.
عادة ما تستند الدولة إلى نظام سياسي، فشكل النظام الذي يمثل الدولة في سياساتها ﻻينبغي أن يخرج عن إطار القيم الأخلاقية في تعاطيه السياسي العام والذي يمثل انعكاسا للدولة على كافة المستويات. فمن الخطأ فصل السياسة عن اﻻخلاق. فالعلوم السياسية تتضمن الأخلاقيات. إن مفهوم الدولة في تكوينها يقوم على الأخلاق لو افترضنا أن لديك دار للسكن فهذه الدار تخضع لحدود جغرافية محددة بينك وبين دار الجار اﻻخر فالحدود بينك وبين الأخر ﻻتقوم إﻻ بالتوافق والخضوع إلى المنطق الأخلاقي في مثل هذه المشتركات. فالحدود هي لحفظ الحقوق بين الأطراف و الاستقلالية في المكان فالقانون الذي يحدد الحقوق يقوم على الأخلاقيات.
 يجدر القول، أن الإنسان يحتاج إلى دولة بغية تحقيق الأمن و العدالة، ويحتاج إلى الأخلاق لتنظيم العلاقات بين الفرد والمجتمع، بين الفرد والسلطة لتبرير اللجوء إلى العنف بالدفاع عن قيم أخلاقية ضد نزوع بعض الأفراد إلى خرقها.
 يقترن التفكير في الأخلاق والسياسة بمفهوم الدولة، فبحيث نعلم جيدا أن فهم الدولة هو تبين موقعنا كمواطنين داخلها وتبين مواقع دواخلنا كرعية عند راعينا. فوحدة مفهوم الدولة تتميز بالكثرة من جهة الممارسات السياسية و الممارسات الأخلاقية من جهة أخرى في ما معناه انه لا دولة فوق التاريخ و لا دولة فوق الأخلاق.
 الدولة وباعتبارها جهازا متكاملا تحتاج في تنظيم أمورها و تسيير دواليبها إلى هيئة أو مجموعة تسهر على تنظيم حياة أفرادها باعتبارهم أحد المكونات الأساسية لكيان الدولة. و ذلك في شخص ما يعرف بالسلطة الحاكمة و ذلك عن طريق عديد الأساليب على غرار سن القوانين و تحقيق المصلحة العامة و العديد من الأساليب لتنظيم الحياة الاجتماعية و علاقة الفرد بالفرد و علاقة الفرد بالدولة في حد ذاتها. فالحكم و السلطة ضرورة فرضتها علينا الطبيعة منذ الأزل حتى في المجتمعات الحيوانية لا البشرية. و منذ القديم كانت الأفراد تعيش ضمن تنظيمات مستبدة خاصة من الناحية الأخلاقية لتطرح هنا الأطروحة نفسها بنفسها ما مدى ضرورة الأخلاق في الدولة كجهاز في علاقة مباشرة مع الأفراد أي هل تكفي ممارسة الدولة لأعمالها بعيدا عن الأخلاق؟
فإذا قبلنا بان الدولة في قطيعة مع الأخلاق خاصة لوعدنا بالتاريخ لألفينا أن الأنظمة السياسية و الأجهزة الحاكمة قديما معتبرين أن تلك الأجهزة الحاكمة تمثل الدولة لذلك نرى أن أنظمة الحكم استبدادية كانت تطغوا على العالم وهذا ما بينه هوبز في هذا الموضع أنه نتيجة الفوضى التي كانت سائدة في المرحلة الطبيعية ( قانون الغاب ) فكر الأفراد في تأسيس دولة بالتنازل عن كل حقوقهم إلى حاكم قوي يرد عليهم المظالم و يوفر لهم الحماية و الاستقرار ، كما يتجلى ذلك الحكم الملكي في فرنسا زمن لويس14 الذي قال :"الدولة هي أنا " «L’Etat, c’est à moi» و في الديكتاتوريات الحديثة و المعاصرة مثل نازية " هتلر " ، و فاشية "بينوتشي" في الشيلي و من مميزات تلك الأنظمة التي تأخذنا مباشرة إلى مصطلح الدكتاتورية. ففي معناها إنها الحكم في الدولة في غياب الأخلاق حيث أن تلك الأنظمة لم تعرف في تلك الفترة أي اهتمام للأخلاق في أساليب الدولة و علاقتها بالفرد بل اهتمت كثيرا بالقوة الحاكمة حيث كان نظام الحكم الفردي يستعمل طرق وأساليب تتنافى مع حقوق الإنسان كقمع الحريات الأساسية ، و منع النشاطات السياسية المعادية للنظام القائم قصد الحفاظ على امتيازات الحكام دون مراعاة مصالح و حقوق الشعب و يظهر ذلك في نظرية العقد الاجتماعي عند هوبز و نظرية القوة و الغلبة عند ابن خلدون في وصفه لكيفية قيام الدولة و سقوطها و كذلك المفكر الايطالي ماكيافيلي الذي رأى بدوره أن ضرورة الفصل بين الدولة و الأخلاق باعتبار أن الدولة المحرك الرئيسي لها هو المصلحة المادية و السلطة حيث يؤسس جون لوك تصوره لإشكالية مشروعية الدولة من خلال اعتبار أن تلك المشروعية لا تستمد من أي سلطة خارجية كما قد يعتقد في نظرية الحق الإلهي التي ترى بأن مشروعية الحاكم تستمد من تفويض الهي لتستمد الدولة بذلك مشروعيتها بصبغة إلهية كرمز للقوة التي تأسس داخل الشعب نوعا من الرهبة و الخوف. يمكن أن يصل لحد تقديس الدولة بحد ذاتها حيث ينطلق " فيبر" من مقولة ماركسية مفادها "كل دولة تنبني على القوة " فتبعا لهذا نجد الدولة تستمد سلطتها من القوة التي تمارسها بهدف بسط هيبتها وسيطرتها لأجل الحفاظ على النظام العام والاستقرار الاجتماعي حيث تكون هذه القوة حكرا على الدولة وهذا ما دفع " فيبر" إلى أن ينعتها ب "العنف المشروع". و العنف الذي كانت تستعمله الدولة في تلك الفترات كان يفرض على الفرد احترامها فرضا لا اختيارا في ضل غياب الأخلاق في الدولة بحد ذاتها و في معاملاتها تجاه الفرد عبر ترسيخ فكرة تقديس الدولة في ذهن الأفراد حيث أن ماكيافيلي يرى أن فساد الدولة و تدهور العمل السياسي يعود إلى تدخل الأخلاق و الدين لذلك يفصل بين السياسة و الأخلاق. لكن التاريخ يشهد أن مجمل الأنظمة التي قامت على القوة و اللاأخلاق و تخلت عن الأخلاق و تحقيق القيم في الحكم كانت نهايتها بالفشل.
 الدولة مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً راقي الأخلاق فلا حياة ولا تقدم من دون رقى، والمجتمع لن يتغير إلا إذا تغيرت الدولة وامتلكت إرادة الفعل. وخلافا لما سلف ، يعتقد البعض الأخر أنه من الضروري مراعاة القيم الأخلاقية في الدولة و ممارساتها، سواء تعلق الأمر بالعلاقة التي تربط الحاكم والمحكومين على مستوى الدولة الواحدة ، أو على مستوى العلاقات بين الدول. ومعنى ذلك، أن على الحاكم أن يستبعد كل الوسائل اللاأخلاقية ، وأن يسعى إلى تحقيق العدالة و الأمن وضمان حقوق الإنسان الطبيعية والاجتماعية . و هذا ما دعا إليه أغلب الفلاسفة منذ القديم، فهذا "أرسطو " يعتبر السياسة فرعاً من الأخلاق، ويرى أن وظيفة الدولة الأساسية هي نشر الفضيلة وتعليم المواطن الأخلاق. ثم حديثا الفيلسوف الألماني "كانط"، الذي يدعو إلى معاملة الإنسان كغاية في ذاته وليس كمجرد وسيلة ، كما دعا في كتابه "مشروع السلام الدائم" إلى إنشاء هيئة دولية تعمل على نشر السلام وفك النزاعات بطرق سلمية وتغليب الأخلاق في السياسة، وهو ما تجسد لاحقا في عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة، كما دعا إلى ضرورة قيام نظام دولي يقوم على الديمقراطية والتسامح والعدل و المساواة بين الشعوب والأمم. ومن بعده ألج فلاسفة معاصرون على أخلاقية الممارسة السياسية، أبرزهم الفرنسي "هنري برغسون" والفرنسي "برتراند رسل".
فالدولة إنما وجدت لأجل تحقيق غايات أخلاقية منعدمة في المجتمع الطبيعي ، وعليه فأخلاقية الغاية تفرض أخلاقية الوسيلة . كما أن ارتباط الدولة بالأخلاق يسمح بالتطور والازدهار نتيجة بروز الثقة بين الحكام والمحكومين، فينمو الشعور بالمسؤولية ويتفانى الأفراد في العمل. ثم إن غياب الأخلاق وابتعادها من المجال السياسي يوّلد انعدام الثقة والثورات على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي فيؤدي إلى الحروب، مع ما فيها من ضرر على الأمن والاستقرار وإهدار لحقوق الإنسان الطبيعية، وهذا كله يجعل الدولة تتحول إلى أداة قمع وسيطرة واستغلال.
 فلا يمكن إنكار أهمية دعوة الفلاسفة إلى أخلاقية الدولة، إلا أن ذلك يبقـى مجرد دعوة نظرية فقط، فالقيم الأخلاقية وحدها كقيم معنوية لا تكفي لتجعل الدولة قوية قادرة على فرض وجوده وفرض احترام القانون، ولا هي تستطيع أيضا ضمان بقاءها واستمرارها لذلك فغاية الدولة يجب أن تهدف إلى تجسيد القيم الأخلاقية وترقية المواطن والحفاظ على حقوقه الأساسية، دون إهمال تحقيق المصالح المشروعة التي هي أساس حل المشكلة: وهكذا يتضح، أنه لا يمكن إطلاقا إبعاد القيم الأخلاقية من الدولة رغم صعوبة تجسيدها في الواقع، فالأخلاق بدون قوة ضعف، والقوة بدون أخلاق ذريعة للتعسف ومبرر للظلم. وعليه فالدولة الناجحة هي التي تتخذ من القوة وسيلة لتجسيد القيم الأخلاقية.
الإنسان مدني بالطبع لهذا كان لابد أن يعيش الإنسان في جماعة و أن تكون له مع هذه الجماعة مقتضيات الحياة السعيدة ومن هنا كان قيام المجتمع بحاجة إلى السياسة لتضع نوع الحكم الملائم له و بحاجة إلى الأخلاق لتنظيم علاقة الفرد بجماعته و بغيره من الأفراد.
خــــــــاتمة
يبدو الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تخير لأفعاله أساسا قيمي تمثل الخير قيمة تسعى الإرادة إلى تحقيقها وليس يعني هذا أن كل القيم أساسها عقلي وإنما اتخاذ موقفا واعيا يسعى إلى السمو بالإنسان إلى منزلة يكون فيها جدير فيها بإنسانيته إن القول بوضع الإنسان للقيم هو "أمل فلسفي" يريد أن يجعل الإنسان كائنا راقيا بحق وطبيعة هذه القيم هي أن تكون كلية وعامة. إن التنظير الفلسفي للمجتمع المدني يمثل فضاء السلطة على أساس قيمي فأضفى قيمة على التعاقد والالتزام والتنازل وجعل التعقل مبررا منطقيا لاختيار هذا النموذج ونبذ سواه من النماذج السلطوية الأخرى. الإنسان في هذه المقاربة واضع للقيم لأنه بناء على إرادته الحرة نموذجا مدنيا يضمن تجسيم الجوهر الإنساني ألا وهو الحرية.
في نهاية الرحلة ما يجدر قول، أن ما يتصف به صاحب هذا الكتاب، من الالتزام والمسؤولية و الأخلاق في الوقوف بجانب الحق ومناصرته، والانحياز للمبادئ والقيم الإنسانية. فـأن يكون السياسي موضوعيا معناه أن يتحرى الحق في أعماله و معاملاته، الحق الذي يخدم مصالح المجتمع الذي يعيش فيه، بل في المجتمعات التي يباشر التعامل معها. و هذا يفرض على السياسي أن يسلك مسلك الوضوح في الإعلان عن نتائج أعماله قياما بواجب الالتزام تجاه مجتمعه ووطنه لا أن يسلك مسلك التبرير دفاعا عن مصالحه الشخصية أو الحزبية أو الفئوية الضيقة.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)