مفاهيم متشابكة حول المثقف عند عزمي بشارة

مفاهيم متشابكة حول المثقف عند عزمي بشارة
بقلم : كمال طيرشي
لاشك أن المفكر العربي عزمي بشارة من بين المفكرين القلائل الذين عمدوا إلى الاشتباك فكرياً و سياسياً مع الأنظمة التسلطية في العالم العربي، هي حالة استثنائية إذا ما قارناها مع أغلب المثقفين العرب الذي ارتكنوا إلى الأنظمة الحاكمة في بلدانهم علهم يجدون بعض السؤدد و الاعتراف في وقت صار مورد المثقف العربي ما يكتبه أو ما يحصل عليه من راتب في الجامعة، فهو بحاجة ملحة للأسف إلى نوع من الاستقرار و الأمان الوظيفي الذي تمنحه له بطريقة مذلة هذه الحكومات الفاسدة، يحاول عزمي أن يقدم لنا مقاربة جديدة عن المثقف المعاصر مختلفاً تماماً عن الأنموذج الكلاسيكي الذي كان رائجاًلردح من الزمن، حيث يتمظهر المثقف في صورة رجل الدين الذي ينبري قلمه لبيان هشاشة السلطان الجائر و بيان مثالبه و تهييج الناس عليه، من منطوق نمط نقدي يمارسه عالم الدين يتلخص في جملة أساسية هي: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر، أو نموذج ثاني لرجل الدين الذي يحاول أن يعطي مصداقية و شرعنة للنظام التسلطي الجائر الذي يحكم متخذاً معتنق طاعة ولي الأمر و الاحتكام لأمره حتى و إن كان ظلوماً، و التشبث المستميت بالوضع السائد و هذا من منطوق الحكمة البالغة التي تقول : سلطان غشوم أفضل من فتنة تدوم.
البرادايم المقترح من لدن بشارة يتباين جذرياً مع ما سلف حيث يكون المثقف عبارة عن انبجاس خلاصي لميتودولوجيا المعرفة العلمية مع شغور لوظيفة السلطة الإتيقية في الفضاء العمومي، فتنكص سلطة المؤسسة الدينية القهقرى و تظهر الحالة الملحة لانبثاق وظيفة السلطة الأخلاقية خصوصا مع نشوء الفضاء العام في الدولة، و تنشأ خارج أسراب السلطة في الآن عينه ، و ذلك مع نشوء التمايز بين السلطة و الدولة، و إذا ما عمدنا إلى التفريق بين مصطلح المثقفون في مقابل مصطلح فلاسفة ( هذا المصطلح الذي حبذت السلطة اللاهوتية الكنسيةأن تنعت به فلاسفة الأنوار في بدايات القرن 18 في أوروبا)،حيث عمد المثقف ههنا إلى ولوج عالم الاشتباك الفكري و الثقافي و السياسي في الفضاء العام.
و يعتبر بشارة أن مدلول المثقف تشكل بطريقة تدريجية هذا إذا ما نظرنا إليه وفق رؤية تاريخية، بحكم أنه ليس مدلولاً علمياً لحذق الظواهر و بيانها، بل يعتمده بشارة حينما ينعت من يعتمد المنزلة المتمخضة عن العمل في مجال المعرفة لانتهاج موقف له تأثيره على الفضاء العمومي، وهو في الدولة الحديثة فضاء سياسي قبل أي شيء، و ههنا سيكون لزاماً علينا أن نؤكد أن اصطلاح عزمي للمثقف هو الأقرب في تحديد خصوصية هذه الفئة، وهو تصور يتباين جذرياً مع ماطرحه غرامشي حول المثقف حيث أن ما يسيطر على مفهوم المثقف ليس السمات الماهوية لعمله العقلي فقط، بلفي الوظيفة السوسيولوجية التي يقوم بها المثقف في مقابل مجتمعه الذي ينتمي إليه. فكل عمل يعمله الإنسان حتى و إن كان بدائيا يكمن شيء من النشاط الذهني، بهذا المعنى نقتدر على حذق مقولة غرامشي أن كل الناس مثقفون، ولكن ليس يعني ذلك أن كل نشاط عقلي يقوم بوظيفة المثقف، وليس لكل فرد وظيفة المثقف في المجتمع الذي ينتمي إليه. إذ يقول غرامشي أنه حينما نمايز بين المثقفين وغير المثقفين فإننا في حقانية الأمر نشير فقط إلى الوظيفة السوسيولوجية المباشرة التي يؤديها المثقف في المجتمع، كما أن غرامشي حينما يتحدث عن المثقف العضوي فإنه يشير مباشرة إلى ذلك المثقف المنحاز إلى الطبقة الكادحة و مآربها من دون أن ينتمي إليها فعلياً، و التي تجعل له اليد الطولى في انتهاج مواقف كونية نقدية لأن مصالح هذه الطبقة الكادحة شاملة هي الأخرى، بحسب كارل ماركس، وهو الذي يحاول إحقاق سيطرة ثقافية لهذه الطبقة، و يساهم في الأخذ بها نحو بر الأمان،هذا المصطلح الذي أخذ بتلابيب عقل اليسار الجديد و النقدي الجديد في مرحلية ما، هو مدلول مغاير تماماً لمدلول المثقف الذي رسم معالمه المفكر عزمي بشارة.
يعتقد بشارة أن المثقف الحقاني ليس هو ذلك الذي ينتمي إلى مؤسسة أكاديمية معينة و يبدع في مجال تخصصه الجامعي و يبرهن عن قدراته المعرفية و العقلية في مجال تخصصه، صحيح هو يقدم إضافة نوعية في المنحى الأكاديمي العلمي و يفيد الباحثين المختصين و الطلبة المتمرسين، كما يقتدر على أن يجعل من معارفه الأكاديمية مادة خام لتعميمات عقلانية يؤسس على خضمها مواقف قيمية معيارية تحاول بصورة أو بأخرى التأثير في الفضاء العام، و لكن يصح في المقابل من ذلك أيضاً أن المثقف في عهدنا لم يعد مجمع لمعارف و مفاهيم من كل المنابع الممكنة، و أنه في غالب الأمر يستقي منزلته من إبداع في سياق تخصصه تحديداً، كما يتهكم بشارة من دلالات المثقف النقدي، هذا الأخير الذي يعتبر ماهيته ملتبسة و غير واضحة المعالم، فالنظرية السوسيولوجية بطبيعتها نقدية تحليلية، و يفترض أن تكون نقدية للأيديولوجيا بصفة عامة،فالنقد يوجه بمنحى عالم الأفكار في الغالب، أما نقد العلاقات السوسيولوجية فهو وفق بشارة بمثابة الفعل الإرادي عينه،و يبدأ الفعل الإرادي بالموقف،و هناك فرق شاسع بين المقولة هذه و الطرح القائل بالوظيفة النقدية التي تشكل الإرادة محددها في التأثير.
إن المثقف الحقاني هو ذلك الذي ينتهج مسلكاً مؤثراً في الفضاء العمومي من منطلق قيمه الإتيقية، و لا يمكن نعت رؤاه هذه كتعبير عن حالة اغتراب أو منفى، و قد تكون المشاركة في نقد الأفكار و الرؤى و الاتجاهات و التدخل في الأحوال في الفضاء العمومي محافظة أو إصلاحية أو لها منحى ثوري تغييري، و إذ ذلك كذلك فإن مكانة المثقف بموجب هذا المصطلح لا تضعه لزوما في خانة اليساري أو الثوري ...إلخ، كما أنه ليس بالضرورة ناجمة عن اغتراب أو منفى، هذا و يؤكد بشارة على أن ما يصقل المثقف و يؤدي إلى تكوينه تكويناً صحيحاً لا يقترن بالتوجه الذي يدفع إلى النأي عن اتخاذ موقف، بل التوجه الذي يدفع إلى اتخاذه، و لا سيما حين يتحرك الناس ضد الظلم، و اتخاذ الموقف ضد الظلم ليس مبرراً لعدم اتخاذ مواقف نقدية تجاه حركة المظلومين، وتوجيه النقد إلى الثورة ذاتها،إن ما يدفع إلى ذلك هو التوليفة العقلانية التحليلية في وظيفة المثقف، و الذي يشخص الحالة الاجتماعية و يعمد إلى تناول السياق بالتحليل و يضع التوقعات، و كذلك التوليفة الإتيقية القيمية هي التي تدفع المثقف إلى اتخاذ مواقف نقدية من ممارسات مدانة في الثورة ذاتها.
هذا و يتعبر بشارة أن الهاجس الأخطر الذي يمكن أن يهدد المثقف في الأزمنة الحالية هو الارتكان لاغراءات التملص من المسؤولية و ذلك حتى ينأى بجانبه عن محاسبة الجمهور العريض له، و إذ ذلك كذلك، فإن المسؤول هو رجل السياسة و الاقتصاد و رجل الأمن و رجال الأعمال أصحاب النفوذ و الهيمنة،وهم الذين يتوجب على الجماهير أن تحاسبهم و تجري وراءهم لدحر توغلاتهم العنجهية اللامسؤولة، و المثير في هذا الأمر أن المثقف يشعر عن طيب خاطر منه بنوع من الأريحية تشابه التي يستطيبها الفنان، إذ يتحول إلى نجم مشهور لا يحاسب على نجوميته (نخبة غير مسؤولة)، و هنا بالفعل يخون المثقف وظيفته القاضية بتحمل المسؤولية عن مواقفه في الفضاء العمومي، و هذه النبرة عينها نجدها عند الفيلسوف و اللاهوتي الدانماركي سورين كيركغارد الذي يهاجم بشراسة المثقفين و رجال الدين الذي يعمدون إلى التنعم بالحياة على حساب الجماهير الغلبانة، فالمثقف و رجل الدين (الشاهد على الحقيقة) هو ذلك الذي يثور على النظام الحاكم و يدخل في اشتباكات حقيقية فكرية مع كل ماهو تبعي و عمهي تسيره عصابة على حساب روح النقد و النزوع نحو الاستثناء و التغيير، كما اعتبر كيركغارد أن المثقف يحمل مسؤولية أخلاقية عميقة اتجاه مجتمعه الذي يعيش تحت كنفه و تبريراً لذلك يقول:"أنا استهدف أن يعي الناس دمارهم و ضياعهم،و إذا لم يسمعوا إلي بالحسنى، فسأضطرهم لذلك قسراً، و أنا لا أعني أنني ساصطدم بالناس، لكني سأجعلهم يصطدمون بي، و في اصطدامهم بي سيعون أنفسهم ، و سأكون أنا المنتصر في النهاية" و في هذا تكون وظيفة المثقف الحقيقية، و لا نستغرب حينما نجده يهاجم الدولة ، هذه الأخيرة التي تجعل الأفراد متطابقين و مجرد نقاط رياضية يمكن عدها و حصرها بلا تفاوت أو تمييز، حيث يعتبر أن الدولة هي الأنانية العظمى المكبرة، و هي تظل محتفظة بتلك الخاصية المسيطرة مهما أزالت أنانية البعض أنانية البعض الآخر أو صححتها،و هكذا تكون الدولة هي الحصن المنيع الذي لا يمكن أن تخترقه أنانية أي فرد من أفرادها، و الدولة تنظر إلى الأفراد من حيث أنهم مجرد أعداد، و تهتم بآراء الأعداد الأكبر مهما كان فسادها و تهمل آراء الأعداد الأقل.
كما يعتقد بشارة أنه في عالمنا العربي نشهد تغييباً كاملاً لذلك التمييز بين المثقف المحافظ، الذي يمثل تقاليد الدولة و يعارض بشدة التغيير المبادر إليه من الجماهير و تعتبر الحكمة كامنة في الدولة من جهة،و هذا الضرب من المثقف كثيراً ما تستنجد به الدولة بغية امتصاص غضب الشعب، و مثقف الأنظمة و أجهزة الأمن الذي يبرر قمع حركية المقهورين من جهة أخرى، و يؤكد عزمي أن انعدام تقاليد دولة تستند إلى شرعية تمثيل الأمة، حيث غيب أيضاً دور مثقفي الدولة، فهؤلاء في الوطن العربي هم مثقفو سلطة، هذا و يضيف بشارة إلى هذه القضايا مسألة واحدة نظرية عمد إلى اشتقاقها من دور المثقف العربي في المرحلة التاريخية المفصلية التي تعيشها بلداننا العربية، خصوصاً بعد الانتفاضات العربية الأخيرة من أجل الحرية و الكرامة و التي تحولت للأسف إلى حروب أهلية في دول مهترئة ذات الجماعات الأهلية القوية، و تسرب جماعات متطرفة دينياً و التي كانت تحصيل حاصل لاهتراء الدولة و نكوصها و اندثار هيبتها و مكانتها، في مرحلة جرى فيها مجاوزة جدار الخوف و الرهبة قبل أن بطرح البديل نفسه بقوة.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديو فيلوبريس