حضور الأنا والآخر في بعض كتابات الجابري بقلم اشريف مزور ورشيد الأمين

حضور الأنا والآخر في بعض كتابات الجابري
   بقلم : اشريف مزور   ورشيد الأمين
قسم فلسفة

"كيف يحدث أنه خلال بضع سنوات تتوقف ثقافة ما عن التفكير بالطريقة التي درجت عليها سابقا... وكيف أن ما كان يعتبر إلى عهد قريبا يقينا راسخا في الفضاء المضئ للمعرفة، ينقلب فجأة إلى خطأ وخرافة وجهل؟ "
ميشيل فوكو،  الكلمات والأشياء (نقلا عن كتاب عبد الرزاق الدواي. حوار الفسلفة  والعلم والأخلاق في مطالع الألفية الثالثة)

مدخـــل

انبنى مشروع الجابري على ما أسماه "تأصيل الحداثة" في ثقافتنا العربية الإسلامية. وهذا التأصيل رهين بتوسل تحديث التعامل مع التراث ؛ يقول الجابري: «إن الحاجة إلى الاشتغال بالتراث تمليها الحاجة إلى تحديث كيفية تعاملنا معه، خدمة للحداثة و تأصيلا لها. وهذه وجهة نظر عبرنا عنها منذ بداية اشتغالنا بالتراث مع منتصف السبعينيات»([1]).
ينادي الجابري بتجاوز الفهم التراثي للتراث، أي تجاوز الفهم الذي يأخذ أقوال الأقدمين كما هي: «فالحداثة عندنا لا تعني رفض التراث ولا القطيعة مع الماضي، بقدر ما تعني الارتفاع بطريقة التعامل مع التراث إلى مستوى ما نسميه بالمعاصرة، أعني مواكبة التقدم الحاصل على الصعيد العالمي»([2])، الغرض من ذلك تحرير "تصورنا" للتراث من البطانة الإيديولوجية والوجدانية التي تضفي عليه داخل الوعي العربي طابع العام والمطلق، وتنـزع عنه طابع النسبية والتاريخية.
ما المقصود بالتراث؟ كيف نستفيد منه؟ ما المقصود بالأنا في مشروع الجابري النقدي؟ كيف يحضر الآخر في قراءة وتقويم الأنا؟
إن كلمة "تراث" لم تكن حاضرة في خطاب الأسلاف (وردت في سورة الفجر، آية 19«وتأكلون التراث أكلا لمّا»)، كما أنها غير حاضرة في خطاب أية لغة من اللغات الحية (استعملت كلمة héritage الفرنسية بمعنى مجازي للدلالة على التراث الروحي لحضارة ما).
إن مفهوم التراث يجد إطاره المرجعي داخل الفكر العربي المعاصر ومفاهيمه الخاصة وليس خارجها، وبعبارة موجزة: «إنه المعرفي والإيديولوجي وأساسهما العقلي وبطانتها الوجدانية في الثقافة العربية الإسلامية»([3]). أي حاصل الممكنات التي تحققت والتي لم تتحقق وكان يمكن أن تتحقق.
ولدراسة التراث يقترح الجابري منهجا قوامه: المعالجة البنيوية والتي تنطلق من النصوص ذاتها كمدونة بغض النظر عن أقوال المفكرين (الرد الفينومينولوجي)، التحليل التاريخي: ربط فكر صاحب النص بمجاله التاريخي بكل أبعاده الثقافية والسياسية والاجتماعية (تاريخية الفكر المدروس وجينيالوجيته) الطرح الإيديولوجي: الكشف عن الوظيفة الإيديولوجية التي أداها الفكر المعني داخل سياقه التاريخي، لأن ذلك هو الوسيلة المثلى لإعادة التاريخية إليه. الإسقاط الابستيمولوجي: تبيئة الحصيلة الحداثية في دراسة التراث، بل وتطويعها أحيانا لخدمة المقصود : مثال ذلك المفاهيم التي حلل به الجابري العقل السياسي العربي: اللاشعور السياسي عند "دوبراي" : «وهكذا فإذا كانت وظيفة اللاشعور السياسي عند debray هي إبراز ما هو عشائري وديني في السلوك السياسي في المجتمعات الأوروبية المعاصرة، فإن وظيفته بالنسبة إلينا ستكون بالعكس من ذلك إبراز ما هو سياسي في السلوك الديني والسلوك العشائري داخل المجتمع العربي القديم منه والمعاصر»([4]).   
إن المقومات المنهجية لمقاربة الظاهرة التراثية هي التي تمثل لنا ما نسميه بالآخر، ذلك أن تحديث التراث رهين بتجديد أدواتنا ودمغها بإطار عقلاني نقدي، وهذا هو روح الحداثة الغربية. كما أن الرؤية التي ينبغي أن تؤطر التعامل مع التراث هي البحث عن جانب التقدم فيه، ومن ثمة يكون اختيار المنهج على ضوئها، بل إن الجابري يذهب إلى أكثر من ذلك إذ يقول: «إن الموقف لدينا يسبق الرؤية والمنهج، والنتيجة تسبق التحليل... نحن إذن في حاجة إلى ربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل»([5]).
وجدير بالذكر أن التراث ومشكلة المنهج في الفضاء الفكري العربي المعاصر مسألة تؤول عند نهاية التحليل إلى قضية النهضة ومشكلة العقلانية النقدية، وذاك هو سر حضور  الأنا والآخر في المتن النقدي عند الجابري، لكن قبل التطرق للمنهج والتراث سنتناول بالدرس تفكيك ثنائية الغرب والإسلام... الأنا و الآخر.

المحور الأول: الأنا والآخر ... المسألة الغيرية
«في سكينة وهدوء الأعراف، بعيدا عن الجمهور الهائج، يمكن تخيل أن ابن رشد سيكون له حديث لا ينقضي مع أرسطو، ولن يكف هذا الأخير عن الاندهاش من أن شارحه العظيم، والعرب عموما، لم يفهموا كلمتين يونانيتين، كلمتين مع ذلك بسيطتين ومألوفتين، كلمتين وسم عدم فهمها القطيعة الأشد عنفا بين أوربا والعالم العربي؟.... فقد ترجمت تراجيديا بكلمة مديح وكوميديا بكلمة هجاء»
عبد الفتاح كيليطو (لسان آدم )
1-الإسلام والغرب
يحاول الجابري القيام بنوع من التفكيك لعبارة الغرب والإسلام بغية تحرير هذا الزوج (الإسلام-الغرب) من الأفكار الموروثة والمسبقة ومن البطانات الوجدانية التي تؤسس العلاقة بينهما في الوعي المعاصر في بلاد الغرب كما في بلاد الإسلام. يتعلق الأمر بتفكيك المضامين الإيديولوجية الصريحة والمضمرة على مستويات ثلاثة:
-مستوى المرجعية الدلالية لمقولتي إسلام – غرب
-مستوى العلاقة التقابلية أو الغيرية
-مستوى تعدد أنماط الوعي بالآخر.
وقبل ذلك لابد من تسجيل ملاحظتين:
-الملاحظة الأولى: التقابل بين الغرب والإسلام غير مشروع لأن الأمر يتعلق بمقولتين مختلفتين في الطبيعة؛ فالغرب مقولة جغرافية والإسلام دين، والتقابل إنما يكون بين المختلفات التي تندرج تحت جنس واحد.
-الملاحظة الثانية: إن مقولتي الغرب والإسلام تخضعان عند وضعهما متقابلتين لوحدة إيديولوجية تخفي النسبية والتعدد على صعيد الماهية في كل منهما.  
في المرجعية الإسلامية يمكن ملاحظة أن عبارة "الغرب والإسلام"، عبارة طارئة نقلت إليها بالترجمة الحرفية من اللغات الأوروبية، ذلك أن العبارة التي برزت في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن في الخطاب العربي الإسلامي هي عبارة الإسلام والنصرانية.
أما كلمة غرب في المرجعية العربية الإسلامية لم تكن تعني في يوم من الأيام وجود آخر يقع بالتحديد خارج بلاد الإسلام، وإنما صارت هذه الكلمة تحمل بصورة ما هذه المعاني جميعها من خلال الترجمة من اللغات الأوروبية. أما كلمة إسلام فتحيل في المرجعية العربية على الدين الذي جاء به محمد. - ففي لسان العرب مثلا - نجد أن عبارة الإسلام هي إظهار الخضوع والشريعة والتزام بما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم([6])، وفي القرآن قوله تعالى: «إن الدين عند الله الإسلام»([7]).
إن كلمة "غرب" في المرجعية الأوروبية غنية بالدلالة، فهي تشير إلى "أنا" تتنوع هويته بتنوع الأطراف التي يتخذها مقابلا له: شرق أدنى أو أوسط أو أقصى أو معسكر شرقي، هكذا فالغرب مسيحي، والإسلام دين إسلامي، الغرب أقطار وشعوب وحضارة، وكذلك الإسلام.  
أما كلمة إسلام فتحيل في المرجعية الأوروبية إلى متعدد؛ ففي دائرة لاروس الفرنسية لسنة 1962 تعني: 1-دين الإسلام،2-مجموعة البلدان التي تعتنق دين الإسلام. أما في قاموس لاروس الصغير فينصرف معنى الإسلام إلى ثلاثة أمور: الدين الإسلامي و البلدان الإسلامية والحضارة الإسلامية. «وهكذا يتحدد الإسلام في مرجعية الغرب لا بما في نفسه بكل ما هو آخر للغرب»([8]). فالتقابل الذي يقيمه الغرب بينه وبين الإسلام هو من نوع التقابل الذي به تتحدد العلاقة بين "الأنا" و "الأخر"، التقابل الذي يعبر عنه بالغيرية الضدية. إذن الإسلام هنا هو الآخر"/ المرآة التي يرى فيها الغرب نفسه، إذ الغرب يسقط على الإسلام تقسيماته وتعدديته، ويجعل منه الآخر بكل وجه من وجوهه، فالإسلام آخر على مستوى الديانة وآخر على مستوى البلدان، وآخر على مستوى الحضارة

2-"الأنا" و"الآخر":
إن هذا الزوج هو أحد المفاهيم الأساسية للفكر، وبالتالي يصعب تعريفه، فالأخر يقال في مقابل الذات (le même)، أما الذات فلا معنى لها سوى أنها المقابل للآخر (تقابل، تعارض، تضاد). فالأنا (le moi) من خلال معجم لالاند الفلسفي "وعي فردي بوصفه منشغلا بمصالحه ومنحازا لذاته"، وكذلك بسكال يقول من خلال المعجم نفسه   "  للأنا خاصيتان، فمن جهة هو في ذاته غير عادل من حيث أنه يجعل من نفسه مركزا لكل شيء وهو من جهة أخرى مضايق للآخرين من حيث أنه يريد استعبادهم، ذلك لأن كل "أنا" هو عدو ويريد أن يكون المسيطر على الكل "([9]).
من خلال هذا التصور للأنا كمبدأ للسيطرة يتحدد موقع الآخر ودلالته ووظيفته في الفكر الأوروبي، أي بوصفه موضوعا للسيطرة أو عدوا أو بوصفه قنطرة تتعرف الذات من خلاله على نفسها، يقول سارتر «أنا في حاجة إلى توسط الأخر لأكون ما أنا عليه»([10]).
إن الغرب عندما يفكر في نفسه من خلال عبارة الغرب والإسلام فهو يفكر في "الغرب" كأنا وفي "الإسلام" كآخر أو كموضوع للسيطرة أو كمصدر للخوف.
إن تفكيك الجابري لثنائية الأنا والأخر لا ينهض دليلا على إن هذا الزوج سيستعمل بالمحاذير التي تم التبيه إليها أثناء تفكيكه، لأنه يمكن أن نرصد أكثر من نجلي للأنا والآخر لكتابات الجابري، ويبقى أبرزها هو التراث كمنتوج للانا العربية الإسلامية والحداثة كمعطى يحضر عند الآخر الغربي بكل ما يتضمنه من رؤى ومناهج وطرق في التأمل والتفكير.

المحور الثاني: تجليات الأنا والآخر في بعض كتابات الجابري
«عندما ندرس نصا على ضوء هذا المنهج أو ذاك، فإننا نعتقد –أو نفترض أن النص غامض مبهم، يكتنفه ليل كثيف دامس، وإلا فما الحاجة إلى الضوء؟ ... هكذا يتحول الدارس إلى مخلوق عجيب إلى مشاء يقتحم الليل وفي يده سراج يستنير به. هذا التصور الذي لا تفطن إليه في الغالب، يتراءى أيضا عندما يتعلق الأمر بنصوص واضحة. لكن الدارس يعتقد أن هذا الوضوح مفتعل يهدف إلى إخفاء أمور لا يراد الإفصاح عنها أو يعتقد أن الوضوح نسبي ومحفوف بمناطق من الظلام...»
عبد الفتاح كيليطو، الحكاية والتأويل

بناء على ما سبق يتبين أن أشكال ومواطن التقاء الأنا والآخر متعددة ومتشعبة، كما أن تفكيكهما بالعودة إلى أصولهما الاشتقاقية ومجالاتهما التداولية المفهومية يجعلنا نعيد النظر باستمرار في إشكالية تلقيهما ومستويات توظيفهما.
ومع ذلك فإن الإطلاع على بعض كتابات الجابري مكننا من رصد حضور وتجليات الأنا (العربي المسلم) والآخر (الغربي/المسيحي/الأوروبي) في أكثر من سياق وموقع. ودرءا لمفسدة التطويل (إذ لا يسمح المقام بالكثير من التفصيل)، فقد استقر رأينا (بعد أخذ ورد) على أن تطبيق الجابري لمنهج (أو مناهج) مخصوص (باعتباره من إنتاج الفلسفة الحديثة والمعاصرة) على نصوص تراث معلوم (باعتبارها من إنتاج الثقافة العربية الإسلامية) يمثل أبرز تجل للأنا والآخر في كتابات الجابري، يضاف إليه رؤيته لتطبيق ذاك (المنهج) على هذا (التراث). ويشكل المنهج والرؤية الإطار العام الذي انبنى عليه (وداخله) مشروع عابد الجابري. ونشير إلى أن طرحنا هذا لم يكن من باب التشهي ، بل إننا قد وجدنا له مسوغا عند الجابري نفسه، ففي "نحن والتراث" يشير إلى أن ابن رشد طرح مسألة التعامل مع "الغير" أي ما نسيمه اليوم "المعاصرة" (وكان الغير بالنسبة إليه هم القدماء: اليونان خاصة)، فعالجها معالجة علمية عن طريق التمييز بين المادة (النظرية) والآلة (المنهج: وهو عند ابن رشد التأمل العقلي البرهاني) ([11]) على أن دراستنا للمنهج والرؤية لم تجعلنا نغفل تجليات أخرى للأنا والآخر بل نجدها "مبثوثة" في متن الجابري.
1-المنهج والرؤية (كتجل للآخر) في بعض كتابات الجابري
يعلن الجابري، في أكثر من موضع أن مشروع نقد العقل العربي والنظر في التراث إنما فرض نفسه عليه (على الجابري) فرضا، فقد كان الهاجس الابستمولوجي هو المهيمن على فكره في البداية([12]) إلى أن تبين له أن العرب قد دأبوا على استعمال قياس المماثلة (l’analogie)، وهو من أضعف القياسات المنطقية المعروفة، فدفعه ذلك للبحث في الثقافة العربية الإسلامية (نحو، فقه...)، فوجدها ثقافة (عقلا ) قياسية بامتياز([13]): إنها الخطوة الأولى في مشروع الجابري – الذي درس الإبستيمولوجيا جنبا إلى جنب مع التراث العربي الإسلامي (الفارابي...)- فلم يكن ينقصه -كما قال- سوى تطبيق المنهج على المادة مع ما لذلك من خروج عن المألوف([14]).
يتبين إذن أن الحقل المعرفي الذي يستمد منه الجابري أوليات نقده ينفتح على مكتسبات الدرس الفلسفي المعاصر، بالإضافة إلى استناده على حقول معرفية أخرى كاللسانيات والسوسيولوجيا والسيكولوجيا...، بيد أن مفهوم النقد لديه يحيلنا بالدرجة الأولى إلى نتائج الأبحاث الجارية في مجال الابستمولوجيا والتي حاول الجابري أن يتجاوزها إلى ما "أسماه" توظيف مكتسبات هذا الدرس مع تجنب السقوط تحت إغراء المفاهيم الجاهزة.
بهذا تصبح الإبستمولوجيا عنده وسيلة وأداة لا هدفا وغاية([15]).
وحتى نتمكن من اقتفاء المناهج أو أثر تطبيقها في كتابات الجابري لابد من تتبع هذه الكتابات.
في "نحن والتراث" ينطلق الجابري من السؤال الذي شغل بال العديد من المفكرين العرب (المعاصرين): لماذا تقدم الغرب وتأخر (تخلف) العرب؟ إنه السؤال العقدة الذي جعل الكثيرين "منا" ينخرطون في الإجابة عنه من منطلقات عديدة كل حسب مرجعيته الإيديولوجية والمعرفية. لكن الملاحظ عند جل هؤلاء –حسب الجابري- هو عدم اكتسابهم لا لمنهج واضح بين التطبيق ولا لرؤية واعية من أجل قراءة التراث. على هذا الأساس يجد الجابري مبررا كافيا لنقد القراءات السابقة (سواء منها السلفية أو الليبرالية أو الماركسية...)، لأنها وقعت جميعها تحت آفتين: غياب الموضوعية (كمنهج) وغياب النظرة التاريخية (كرؤية)، كما أنها لا تختلف عن بعضها البعض لأنها تستلهم المبدأ الإبستمولوجي نفسه "قياس الغائب على الشاهد"([16]).  
وفي مقابل ذلك يطرح الجابري وحدة الإشكالية التي انبنى عليها تراث الثقافة العربية الإسلامية (علاقة النقل بالعقل)، وكذا تاريخية هذا التراث (التمييز بين المعرفي والإيديولوجي فيه) كمنطلقين للقراءة. أما خطوات المنهج عنده فتكمن في ضرورة القطيعة مع الفهم التراثي للتراث عن طريق -أولا- إحداث قطيعة ابستمولوجية تامة مع بنية العقل العربي الانحطاطي وامتداداته، و-ثانيا- فصل القارئ عن المقروء وهو ما يتيح معالجة بنيوية وتحليلا تاريخيا ما يجعل التراث معاصرا لنفسه. -ثالثا- ضرورة وصل القارئ بالمقروء عن طريق الحدس (ليس الحدس الديكارتي و لا الفينومينولوجي) لتجاوز حدود اللغة والمنطق ليصبح المقروء معاصرا لنفسه ومعاصرا لقرائه([17])، وهذه مهام الفرع الهيرمينوطيقي في الفلسفة.
هكذا ينتهي الجابري على أن البحث عن معنى للفلسفة ينبغي أن يكون في جانبها الإيديولوجي فقط لأن المعر في منها –حسب ما يعلمنا إياه الدرس الباشلاري- قد ولى ومات. ولا بد من الانتباه إلى أن الخطاب في ث.ق.ع .إ كان خطابا إيديولوجيا مناضلا جند نفسه لخدمة العلم والتقدم والدفع بالتطور إلى الأمام([18]).
ويضيف الجابري أنه ليس من المعقول أن نأخذ هذا التراث كله، بل الصواب أن نستقصي ما تبقى منه فقط، ونبحث في ثناياه عما قد يفيد تحقيق نهضة تلحقنا بالآخر (وأنى لنا!!!) كيف لا وأن هذا الآخر قد نهل من الروح الرشدية فحقق ما يبدو للجميع من تقدم (خاصة في مجال فصل العقل عن الكنيسة) ([19]).    
هكذا فتوظيف التراث يستلزم الوقوف عند أعلى (وآخر) مرحلة وقف به عندها التقدم([20]): إنها الروح الرشدية التي تعلمنا الكثير:
-ضرورة فهم تراثنا من داخله.
-ضرورة فهم الفكر العالمي المعاصر من داخله أيضا.
كل هذا في اتجاه تحديث أصالتنا وتأصيل حداثتنا، وذلك عن طريق إعادة بنينة الوعي بالماضي (كتابة ثقافة الماضي وتأسيسها في وعينا كتراث يقدم لدعم مستقبلنا بدل أن يكون منافسا له) والحاضر (التخطيط لثقافة المستقبل ببعث الحياة في المفاهيم التراثية القادرة بأن تتعانق مع مفاهيم وتصورات عصرنا وكذا العمل على تبيئة هذه المفاهيم في فكرنا وبين ثنايا ما هو قابل للحياة من تراثنا)، إن الأمر يتعلق بنقد العقل العربي عن طريق كشف الزيف في كل ما يمارس فكريا وعمليا باسم التراث ممارسة تحكمها العقيدة (الدوغمائية) التي تعتبر الرأي المخالف ليس فقط رأيا خطأ بل كفرا أو ضلالا([21]).
أمام اختياراته السالفة الذكر، وجد الجابري نفسه "مجبرا" على نقد العقل العربي، وذلك بغية إقامة قطيعة إبستمولوجية مع العقل العربي الانحطاطي وامتداداته([22]).
فعمد بداية على رصد التاريخ التكويني ل ث.ع.إ بصورة بانورامية إجمالية (تكوين العقل العربي) قبل أن يدرس بنية العقل العربي وعالج فيه نظم المعرفة في ث.ع.إ (بيان، عرفان، برهان). لكن بمجرد أن أنهى هذا العمل تبين له أنه لم يناقش العقل السياسي العربي (الذي ينبني على ثلاثية القبلية- الغنيمة- العقيدة)، ليختم نقده بكتاب نقد الفكر الأخلاقي العربي([23])، لأن الأخلاق في الخطاب الفلسفي لا تنفصل عن السياسة([24]). فما هي إذن أهم المناهج التي استخدمها الجابري في رباعيته النقدية؟
يقول الجابري: «إن طبيعة الموضوع هي التي تملي نوعية المنهج بما في ذلك أنواع التصنيف الإجرائية»([25]).
يستفيد الجابري من البنيوية والتطورية معا لرصد بنية وتطور كل من العقل العربي والعقل الأوروبي والعقل اليوناني، على اعتبار أن الحضارات التي ارتبطت بها هي التي أنتجت بالإضافة إلى العلم نظريات في العلم([26])، فهي التي مارست ليس فقط –يؤكد الجابري- التفكير بالعقل بل أيضا التفكير في العقل.
ويذهب إلى أن الموضوع الذي تعاملت معه الفعالية الذهنية لمفكري الإسلام موضوع له خصائص تميزه عن الموضوع الذي تعاملت معه الفعالية الذهنية لمفكري اليونان وفلاسفة أوروبا([27]): ففي ث.ع.إ  يطلب من العقل أن يتأمل الطبيعة ليتوصل إلى خالقها، وهناك في الثقافة اليونانية والأوروبية يتخذ العقل من الله أو من الذات وسيلة لفهم الطبيعة على الأقل، ضامنا لصحة فهمه لها([28]).
وإذا كان المذهب البنيوي يصادر على ثنائية الثابت والمتغير، فإن الثابت في العقل العربي هو أنه عقل ينبني على الثلاثية التي ذكرناها، وتنتظم حولها باقي المتغيرات في ث.ع.إ .
ونجد الجابري يستعين بالبنيوية لتوضيح أصول العقل الأخلاقي العربي التي ترجع على موروثات (ثوابت) خمس: الموروث اليوناني (السعادة)، والموروث الفارسي (الطاعة)، والموروث العربي (المروءة)، والموروث الإسلامي (المنفعة العامة) والموروث الصوفي (الزهد)؛ إنها القيم الأخلاقية التي انبنى عليها العقل الأخلاقي العربي في محاولته لتجاوز ما أسماه الجابري «أزمة القيم وصراع القيم» التي حدثت مباشرة بعد زمن الخلفاء الراشدين. ويضيف الجابري في هذا الصدد بأن مصدر الأخلاق ليس النقل (كما يتوهم بعضهم)، وإنما هو العقل، لكن بنية العقل العربي تعكس الأمر وتنطلق من الأخلاق إلى المعرفة([29]).
أما بخصوص العقل السياسي العربي، فالجابري ينطلق من مبدأ مفاده أن لكل فعل محددات وتجليات والسياسة بدورها فعل له محدداته وتجلياته، إنها فعل اجتماعي يعبر عن علاقة قوى بين طرفين يمارس أحدهما على الآخر سلطة الحكم، وللكشف عن هذه الآلية توسل الجابري بجهاز مفهومي يتألف من صنفين:
-صنف ينتمي إلى الفكر العلمي الاجتماعي والسياسي المعاصر عمل على تبيئته لجعله يتسع لمضامين الموضوع المقارب منها: اللاشعور الجمعي الذي قال به يونغ وكأنه أصل لمفهوم اللاشعور السياسي عند debray يؤسسه ويؤطره بوصفه أعم منه. المخيال الاجتماعي باعتباره يقوم مقام النظام المعرفي بالنسبة للعقل النظري (الفلسفي والكلامي والفقهي). المجال السياسي ويشير إلى الكيفية التي تمارس بها السلطة السياسية.
-صنف ينتمي إلى التراث العربي الإسلامي عمل على بعث حياة جديدة فيه لاسيما المدونة المصطلحية الخلدونية (القبيلة، العقيدة، الغنيمة)، بحيث تختلف أهمية كل واحدة بحسب الظروف والعصور.
وعلاقة بهذه الدوافع يخلص الجابري إلى أن تجليات العقل السياسي العربي نوعان: نظرية وعملية، أما النظرية فهي الإيديولوجيا السياسية، وأما العملية فهي الأحداث السياسية التي تتعلق بكل طور غالب في مرحلة معينة. بإجمال إن العقل السياسي العربي ليس برهانيا ولا عرفانيا ولا بيانيا، إنه يوظف مختلف مقومات وآليات المعرفة حسب الحاجة، لأن السياسة تقوم على البراغماتية حسب machiavel.   
2-تجليات أخرى الأنا والآخر عند الجابري
إن قراءة متن الجابري تجعلنا نكتشف تجليات كثيرة للأنا والآخر (منثورة) في العديد من المواضع؛ فنجده تارة يتخذ من إرادة الحياة سبيلا ممكنا لمواجهة الأزمات الثقافية المفتوحة؛ فالثابت في المشكل الثقافي عند العرب عنصران: أحدهما يرتبط بدور الآخر الإمبريالي الصهيوني، والثاني داخلي يتجلى في عدم قدرة العرب على التخلص من الارتباط بالشخصية الكاريزمية([30]). وحمل الأزمة على الاسترخاء لا يمكن أن يتم إلا عبر جملة عوامل في مقدمتها رد الفعل الواعي الهادف والرامي أساسا إلى تجديد ال "نحن" من الداخل عبر نقد التطرق وهذا جوهر المحاولة التي قام بها ابن رشد سابقا، فأسس بذلك قواعد للحوار مع الآخر (أيا كان مشاركا له في الملة والانتماء الجغرافي أم مخالفا له في أحدهما أو كليهما)، التي تنبني أساسا على ضرورة فهم الآخر من داخل منظومته المرجعية وإقرار الحق في الاختلاف (مبدأ نسبية الحقيقة) ([31]).
وتارة أخرى يقرر أن الآخر الذي كان يتحدد به الأنا في المغرب العربي هو الاستعمار الفرنسي وهو استعمار استيطاني. أما الآخر بالنسبة للمشرق العربي فكان هو جنوح الخلافة العثمانية نحو التتريك([32]). لكن هذا الآخر عند المشارقة عرف تطورا: فجاء مفهوم التجزئة في المشرق العربي ليحل محل الأخر السابق (التتريك) ليصبح الآخر الذي يتحدد به مفهوم الأمة العربية([33]).
وتتعمق العلاقة بالآخر (الأوروبي الغربي) في صورة محزنة، حيث نجد عددا عدد من المفارقات تنتظم علاقته بالفكر الأوروبي، فمثلا ما حدث في أوروبا القرن 17 لم يجد طريقه إلى العالم العربي إلا بعد المنتصف الثاني للقرن 19، إضافة لذلك يتساءل الجابري عن إمكانية غرس تصورات منقولة عن مجتمعات عرفت تطورات معينة إلى مجتمعات أخرى لم تعرف ما يوزان تلك التطورات؛ فما إن تظهر أية فكرة في الغرب وتنتقل إلينا، وتبدأ أصداؤها تتردد في فكرنا ومطالبنا حتى تكون قد تجوزت في مسقط رأسها أو في طريقها إلى أن تصبح متجاوزة([34]).
في أعماله الأخيرة يطالعنا الجاري بحضور للآخر (اليوناني هذه المرة والذي قد يتلبس في صورة المفسر) في العديد من التفاسير التي أدرجها كبار الفقهاء (المفسرون) المسلمين، فأحوال النفس عند هؤلاء تحيلنا مباشرة على ما قال به أفلاطون من تقسيم للنفس إلى غضبية وشهوانية وناطقة.
ومهما يكن من أمر فإن ما يغلب على نصوص الجابري أنه يستعمل الثقافة العربية الإسلامية كأنا في مقابل الثقافة الغربية الأوروبية كآخر أو كغير. وذلك في محاولة للنهوض "بالأنا" ليلحق الغير الذي ينفلت منا باستمرار، لأننا لا نكاد نتحرك رغم اعتقادنا في ذلك؛ فالغرب قد بنى تقدمه الفكري انطلاقا مما أنتجته ثقافتنا (والعهدة على الجابري)، ويضيف بعضهم أنه (أي الغرب) يتخبط في تناقضاته الداخلية، ولعله «يسقط» قريبا فتكون الغلبة "للقومة" الإسلامية و لمدينة الله في الأرض(!!!).
لكن ما يغيب عن هؤلاء، حكمة يونانية فيها الكثير من الفائدة، فلينظر أحدنا إلى أن السلحفاة التي انطلقت قبل أخيل (العداء الإغريقي) استمرت في تقدمها فيما لم يستطيع أخيل أن يبرح مكانه قيد أنملة (لكن كيف ذلك؟ اسألوا زينون zenon وأستاذه Parménideتجدوا عندهما أصل المفارقة). في هذا المقام لا يسعنا إلا أن نختم بما أورده الجابري في كتابه "التراث والحداثة": «إن الذين يلغون التراث هكذا بجرة قلم أو بشطحة فكرية واهمون، لأن إلغاء التراث لا يمكن أن يتم إلا بتحقيقه، والذين يطالبون بتحقيق التراث هكذا بجرة قلم أو بموعظة حسنة واهمون أيضا، لأن تحقيق التراث لا يتم إلا بإلغائه»([35]). بيد أن هذه العملية تعترضها صعوبات جمة أبرزها الحمولة الوجدانية والإيديولوجية للتراث في ثقافتنا العربية، وثانيا اكتساح الحداثة لكل المجالات، فلا أحد بمكنته أن يوقفها لاسيما وأنها تقوم على قاعدتي التنميط والتوحيد.
أمام هذا الوضع لم تسلم طروحات الجابري نفسه من النقد سواء في المشرق (خاصة مع جورج طرابيشي الذي تتبع كتابات الجابري محاولا نقدها، لكننا لم ندرجه في هذا المقام) أو في المغرب خاصة مع المفكر عبد الله العروي، وكذا الأستاذ طه عبد الرحمن اللذين سنعرض لبعض من مواقفهما في هذا الإطار. لكن قبل ذلك لا بأس أن نعرض بإيجاز شديد لتعريفات أهم المناهج التي «استعملها» الجابري في دراسته:
-الابتستمولوجيا: هي أساسا الدراسة النقدية لمبادئ مختلف العلوم ولفروضها ونتائجها، بقصد تحديد أصلها المنطقي (لا السيكولوجي) وبيان قيمتها وحصيلتها الموضوعية»([36]).
-الفينومينولوجيا: منهج برز مع "هوسرل" ومؤداه فلسفة وصفية، أي ما نراه أمام وعينا. «إن هدف الفينومينولوجيا هو الوصول إلى الماهية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف فإنها لا تستخدم الشك الديكارتي وإنما تستخدم تعليق الحكم، وهو ما يسميه هوسرل بالاسم اليوناني Epochè (أي التوقف حرفيا)، والذي يعنيه هذا هو أن الفينومينولوجيا تضع بين أقواس عناصر معينة في المعطى هي العناصر التي لا تهتم بها»([37]).
-القطيعة الابستمولوجية: مفهوم يعبر به باشلار عن القفزات الكيفية التي تحدث في تاريخ العلوم، وعن مظاهر الثورة التي قد تتحقق في هذا التاريخ بفضل قيام بعض النظريات»([38])
-اللاشعور: استعمل هذا المفهوم قبل ظهور نظرية التحليل النفسي                 la psychanalyse مع شوبنهاور وهارتمان للدلالة على روح ميتافيزيقية سارية في كل شيء هي التي تضفي على الطبيعة والوجود ضربا من الترابط والوحدة. «يمثل اللاشعور عند فرويد ذلك المستوى العميق من الجهاز النفسي للإنسان الذي توجد عناصره ومحتوياته في حالة كبت، بحيث لا تستطيع البروز من جديد في منطقة الشعور إلا عن طريق التنكر والتحريف الذي تفرضه عليها الرقابة»([39]).
إن أول ما يتبادر للدهن –بعد هذا العرض المقتضب لبعض المناهج والمفاهيم المتعلقة بها- هو ما مدى وفاء الجابري لتطبيقها على المادة التراثية ولماذا حورها (كيفها) بالطريقة التي فعل؟ أليس في ذلك حضور للإيديولوجيا؟ ثم لماذا التراث؟ ألسنا في غنى عنه...؟




«L’analogie est une forme légitime de la comparaison et la comparaison est le seul moyen pratique dont nous dispositions pur arriver à rendre les choses intelligibles….».
Emile Durkheim, (sociologie et philosophie)

المحور الثالث: محمد عابد الجابري محاولة نقدية Essai critique  
إن تحقيق مطلب الموضوعية والصرامة المنطقية في الاشتغال على التراث يبدو بعيد المنال لأسباب نذكر منها(*):
-ينتهي الجابري في مواقف، عدد 41، ص 40 إلى أن الانتقال إلى الديمقراطية في العالم العربي يعني مواجهة الحتمية الخلدونية بالمشروع الرشدي، لأن ابن رشد يذهب إلى أن الشؤون الإنسانية شؤون إرادية كليا. ويرى فيه الجابري فكرا مستنيرا يحل محل العقلية الجامدة. في هذا الإطار لاحظنا أن الجابري وقع فيما أنكره على أهل القراءات الماركسية للتراث، فعوض تطبيق المنهج الديمقراطي حاول أن يرصد منهجا مطبقا.
-في سلسلة مواقف عدد 65، ص: 88 وما بعدها يذهب الجابري إلى أن إعادة بناء الفكر السياسي في الإسلام يجب أن ينطلق من العمل على سد الثغرات الدستورية الثلاثة وهي: عدم إقرار طريقة واحدة لتعيين الخليفة- عدم تحديد مدة ولايته- عدم تحديد اختصاصاته، فانظر كيف أن الجابري يحكم بعلم اليوم (sciences politiques )على واقع الأمس، فيخالف بذلك ما سبق أن ادعاه من استحالة التوحيد بينهما؛ «إذا كان التوحيد على مستوى علم الحاضر وعلم الماضي وفلسفة اليوم وفلسفة الأمس، فهذا غير ممكن حقا»([40]).
1-التراث... الحداثة في فكر العروي:
تتسم الحداثة عند العروي بكونها انتقالا من ضرب من تصور الأشياء قائم على الإطلاقية إلى ضرب آخر ناهض على التاريخانية أي ربط الوقائع بأصلها التاريخي النسبي المؤقت، معنى الحداثة ملتئم بالنسبية والإبداعية والشكية والتجديدية، إذا ما هي تحققت انهارت المطلقات، وإذا ما بحثنا عن مقومات الحداثة عنده، نلفيه يحصرها في ركائز ثلاثة:
-العقل: إعمال العقل في شتى المجالات تحقق للغرب بعد الفصل النهائي بين مؤسستي الكنيسة والدولة في أعقاب معاهدة وستفاليا (1648)، لكن في الثقافة العربية الإسلامية ما زال العقل مكبلا بسلطة النصوص الدينية (المطلق والعقل الأعلى).
-الفرد: لا حداثة من دون نزعة فردية l’individualisme؛ إذ عنده أن: «الحداثة تنتصر ومعها تنتصر النزعة الفردانية»([41]).
         برز مفهوم الذات في الحداثة الأوروبية مع الثورة العلمية الكوبيرنكية (الذات الملاحظة) والميتافيزيقا الديكارتية (الكوجيطو) والفعالية النقدية الكانطية (المقولات ذاتية، الجمال ذاتي...). أما عندنا في عهد الدولة الإسلامية (دولة السلطنة) فإن الفرد ما كان هو نتاج المبادرة، وإنما الفردانية كانت ثمرة الاستبداد وثورة سلبية عليه. «الفرد داخل الدولة الإسلامية القديمة مستعبد بالتعريف، فلا يعرف الحرية إلا إذا خرج منها أو عليها»([42]).      
-الحرية: الحرية الليبرالية والأخلاقية والسياسية في الفلسفة الغربية مع روسو وكانط ومونتسكيو لم توجد في حضارتنا بسبب من المطلق والاستبداد والعصبية والتمذهب.
لهذه الحيثيات يدعو العروي إلى ضرورة المبادرة إلى استدراك التأخر التاريخي لا بالالتفات إلى الماضي، ولا بتوجيه اللائمة إلى من تسببوا فيه، وإنما بطي صفحة الماضي نهائيا، -طبقا للمنهج التاريخاني الذي يعني تفسير الوقائع الإنسانية- بشروط نشوئها، ومن ثمة نسبيتها وعدم ثباتها([43])-  والأخذ بأسباب الحداثة كمسار كوني ومقولات إنسانية عامة، لاسيما وأن الخطاب العربي الحديث والفلسفة العربية الإسلامية يلتقيان في خاصية كونهما معا عبارة عن قراءة لفكر آخر، وليس لتاريخه الخاص : الفسلفة العربية الإسلامية قراءة للفلسفة اليونانية، أما الفكر العربي الحديث فهو لا يزال قراءة وتأويلا لفكر آخر. هو إما التراث العربي الإسلامي (هذا لم يكن قراءة لتاريخه الخاص). وإما الفكر الأوروبي الحداثي، إن تحديث الذهنيات ومجالات الحياة عند العروي من شأنه أن يردم الهوة بين الشرق والغرب نظرا لأن التمايز بينهما قائم عند بعض المفكرين على اعتبارات جيوبيئية فضلا عن التمايزات الفكرية والسياسية، الدينية والاقتصادية. فالشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان على النحو الذي كان "كيبلنغ" يبشر به([44]). فمثلا الإسلام كمجتمع وثقافة وعقيدة (دوغما) تعترضه صعوبات؛ فعندما يحاول فهم واقعة ما، سواء كانت حاضرة أم غائبة، فإنه يبحث لها عن جواب في الدوغما. لماذا تمت سستمة النحو العربي بسرعة؟ تم ذلك لتسهيل دراسة القرآن. لماذا لم يتطور الفن التشكيلي؟ لأن القرآن يحظره... ([45])
         2-طه عبد الرحمن والحداثات الممكنة:
يدعو الأستاذ طه عبد الرحمن إلى التعامل مع التراث كحقيقة تاريخية لا يمكن الانفصال عنها ولا تقسيمها، وينكر على غيره إخراج المتلقي العربي من التعلق بالتراث الذي صنعته أمته إلى التعلق بتراث من صنع أمة سواها([46]). بالإضافة إلى ذلك فإن إقحام الآليات الابستمولوجية كالقطيعة والبنية واللامعقول في التراث لا بد أن ينعكس عليه بما لا يوافق بنيته في كليتها؛ «فيكون إنزالها على التراث من غير ممارسة أشد أساليب النقد عليها سببا في التصرف فيه بغير أحكامه اللازمة له، فيؤدي هذا التصرف إلى إخراج التراث على صورته»([47]).
وإذا كان الجابري يرى في ابن رشد نموذج العقلانية المتنورة التي قطعت مع أساليب الشرق الغنوصية، فإن طه عبد الرحمن يرى في فيلسوف قرطبة أبرز مثال عن التقليد في الفلسفة، فما عرف بالشارح الأكبر، ليس في حقيقة الأمر سوى مقلد أكبر (لم يكن يشرح أرسطو إنما الشراح)، والفسلفة ليست من التقليد في شيء، لأنها إبداع للمفاهيم حسب ما تعلمه طه عبد الرحمن من درس "جيل دولوز" (فلسفة الاختلاف)، على النقيض من ذلك فإن المبدع الحقيقي في الثقافة العربية الإسلامية هو الإمام الغزالي الذي جابه منطلقات الفلاسفة (الفرابي، ابن سينا) بالآلة المنطقية الأرسطية.
إيمانا منه بتكوثر العقل، فإن طه عبد الرحمن يرى في الأصل النظري للحداثة الغربية إطارا مرجعيا يصلح لعدة تطبيقات ممكنة غير التطبيق الغربي لهذا الأصل النظري (منطق العوالم الممكنة) ([48]) في مجاله التداولي الخاص.
إذا كان المشهد الثقافي المغربي يزخر بهذه الطينة من المفكرين، فإن سبل الحوار بينهم لم تكن على الدوام ممكنة، نظرا لاختلاف مقدماتهم النظرية ومناهجهم البحثية، فمثلا يقول المفكر عبد الله العروي في مذكراته: «يتحسر المرء وهو يقرأ كتاب طه عبد الرحمن حول تجديد تقييم التراث، إذ يتحقق أن مرّ السنين لا يزيد المثقفين العرب إلا تقهقرا، رغم ما يطالعونه من مؤلفات أجنية وما يتلقفونه من أفكار ينعتونها بالمستوردة، لا يزيدهم الإطلاع إلا انكفاءا وانغلاقا »([49]).

خاتــمة:
«الكتاب الذي لا يتضمن نقيضه، يعتبر كتابا ناقصا »
بورخيس، مأخوذ عن عبد الفتاح كيليطو، لسان آدم.

"...بماذا ينطق التراث، كل تراث؟ إنه ينطق بإقامة الإلهي في قلوب البشر وعقولهم. وقد اختضنت الميتافيزيقا هذه الإقامة منذ نشأة الفكر فالميتافيزيقا هي بمعنى ما، سماء التراث الروحية"
       عبد الكبير الخطيبي (النقد المزدوج)

ختاما نشير إلى أن إشكالية حضور الأنا والآخر في متن الجابري (نستثني من هذا المتن إقدام الراحل على الخوض في تفسير القرآن حسب ترتيب أسباب النـزول!) تعكس بقوة مدارسته لثنائية التراث والحداثة في الفكر العربي المعاصر، ولا نجد الجابري يخرج عن السياق العام لهذه الأزمة الفكرية التي تتخبط فيها الثقافة العربية الإسلامية لاسيما بعد الهزة العنيفة التي أحدثها الاستعمار الغربي في نفوس العرب والمسلمين.


لائحة المراجع
*      الجابري محمد عابد
·         تكوين العقل العربي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت-لبنان- الطبعة   الأولى 1984.
·         نحن والتراث، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة 4.
·         التراث والحداثة، المركز الثقافي العربي بيروت، البيضاء. الطبعة الأولى. 1991
·         بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، يناير 1986.
·         العقل السياسي العربي المركز الثقافي العربي، 1990
·         سلسلة مواقف الأعداد:
o       الكتاب الخامس عشر، الطبعة الأولى مايو، 2003.
o       الكتب الحادي والأربعون، الطبعة الأولى، يوليوز 2005.
o       الكتاب الثالث والخمسون، الطبعة الأولى، يوليوز، 2006.
o       الكتاب الخامس والستون، الطبعة الأولى، يوليوز 2007.
o       الكتاب السابع والستون، الطبعة الأولى يوليوز، 2007
·         مجلة فكر ونقد   
*      العروي عبد الله:
·         Islam et modernité, centre culturel arabe 2ème édition 2001.
·         خواطر الصباح، يوميات 1982-1999، المركز الثقافي العربي، بيروت 2005.


*      عبد الرحمن طه:
·         في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الثالثة 2007.
·         روح الحداثة، المركز الثقافي العربي، البيضاء، الطبعة الأولى، 2006.
·         حوارات من أجل المستقبل، منشورات الزمن، الطبعة الثانية، 2008.

*      عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، منشورات عكاظ، الرباط، فبراير 2000 (ص 29).

*      عبد الفتاح كيليطو:
·         الحكاية والتأويل، دراسات في السرد العربي، دار النشر توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1999 (ص 7).
·         لسان آدم، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 2001 (ص 66).
*      عبد الرزاق الداوي، حوار الفلسفة والعلم والأخلاق في مطالع الألفية الثالثة، شركة النشر وتوزيع المدارس، البيضاء، ط 1، 2004.
*      يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية 
*      مجلة فكر ونقد، السنة الأولى، العدد 2، 1997، دار النشر المغربية، الدار البيضاء
*      عالم المعرفة، عدد 165، شتنبر 1992، "الفلسفة المعاصرة في أوربا" بوشنسكي، ترجمة عزت قرني.
*      محمد وقيدي، فلسفة المعرفة عند باشلار، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثانية 1984.
*      مجلة عالم الفكر، العدد 04، المجلد 36 أبريل-يونيو 2008.
*      Emile Durkheim, sociologie et philosophie, PUF mais 2004.
*      Lena Soler, introduction à l’épistémologie, édition ellipses 2000.



[1] - محمد عابد الجابري: التراث والحداثة... المركز الثقافي العربي بيروت، البيضاء. الطبعة الأولى. 1991، ص 18.
[2] - المرجع نفسه، ص: 15-16.
[3] - نفس المرجع، ص: 24.
[4] - محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي، المركز الثقافي العربي، 1990، ص: 8.
[5] - محمد عابد الجابري، سلسلة مواقف، إضاءات وشهادات، الكتاب الخامس عشر، الطبعة الأولى، مايو 2003، دار النشر المغربية، ص: 19.
[6] - فكر ونقد، السنة الأولى، العدد 2، أكتوبر 1997، دار النشر المغربية، البيضاء، ص 08.
[7] - سورة آل عمران، الآية 19.
[8] - فكر ونقد، السنة الأولى، العدد 2، 1997، دار النشر المغربية، الدار البيضاء، ص: 10.
[9] - المرجع نفسه، ص: 16.
[10] - الوجود والعدم، ص: 459، نقلا عن مجلة فكر ونقد، العدد 2، ص: 17.
[11] - عابد الجابري، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، طبعة 4، 1985، ص: 51.
[12] - نشير هنا إلى أن الجابري قد ألف كتابا هو: مدخل إلى فلسفة العلوم صدرت منه الطبعة الأولى عن دار النشر المغربية 1976.
[13] - عابد الجابري، سلسلة مواقف، العدد 41، دار النشر المغربية، الطبعة الأولى، يوليوز  2005، ص: 78.
[14] - عابد الجابري، سلسلة مواقف، العدد 15، ص 13.
[15] - عابد الجابري، سلسلة مواقف، العدد 21، ص: 37.
[16] - نحن والتراث، ص 16-17.
[17] - نحن والتراث، ص: 20-21.
[18] - نشير إلى أن الجابري قد ألف في هذا الصدد كتاب بعنوان "المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية،محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، حيث يوضح فيه أن سبب نكبتهما هو مواقفهما الفكرية (السياسية) المناضلة وانخراطها في مشاريع نظرية سببت إحراجا للسلطة السياسية القائمة، لكن هذا "التهويل" سيكون محط انتقادات عدة (نومئ هنا إلى محمد المصباحي وعبد المجيد الصغير).
[19] - عابد الجابري، سلسلة مواقف عدد 65، ص: 71.
[20] - نحن والتراث، ص: 49.
[21] - عابد الجابري، سلسلة مواقف، عدد 65، ص: 56-57.
[22] - يستلهم الجابري هنا ما أسماه القطيعة الإبستمولوجية من غاستون باشلار، ويقول بأن ابن رشد قد وظفها (دون أن يشعر)عندما ضرب صفحا عن الفلسفة المشرقية خاصة السينوية منها.
[23] - عابد الجابري، سلسلة مواقف، عدد 41، ص: 79.
[24] -  يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، ص:
[25] -سلسلة مواقف، عدد 41، ص: 81.
[26] - عابد الجابري- تكوين العقل العربي (ص17-18)، دار الطليعةـ الطبعة الأولى، ماي 1984، بيروت (لكن هذا القول فيه نظر إذ يذهب أحد كبار الإبستيمولوجيا المعاصرين وهو ألكسندر كويري في كتابه "دراسات غاليلية" بأن انقلابات العلم ثلاثة هي: فيزياء /فلك أرسطو، ثم الفيزياء الحدثية مع غاليلي، وأخيرا النظرية الكوانطية والنسبية مع بلانك / إنشتاين)
[27] -المرجع نفسه، ص: 26
[28] -نفسه، ص 29.
[29] -عابد الجابري، مواقف، عدد 65، ص: 45.
[30] - عابد الجابري، مواقف 65، ص: 45.
[31] - نفسه، ص: 69.
[32] - عابد الجابري، مواقف عدد 72، ص: 19.
[33] - المرجع نفسه، ص: 11.
[34] - نفسه، ص36-37.
[35] - محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، ص: 104.
[36] - Lena Soler, introduction à l’épistémologie, édition ellipses 200 p 14-15.
[37] -  سلسلة عالم المعرفة، عدد 165، شتنبر 1992، "الفلسفة المعاصرة في أوروبا" بوشينسكي، ترجمة عزت قرني، ص: 232.
[38] - محمد وقيدي، فلسفة المعرفة عند بشلار،دار الطليعة بيروت ، ط 2، 1984، ص: 107.
[39] - عبد الرزاق الدواي، حوار الفلسفة والعلم والأخلاق في مطالع الألفية الثالثة، شركة النشر والتوزيع، المدارس، الطبعة الأولى 2004، البيضاء، ص: 148.
* - يتعلق الامر بملاحظات (بسيطة ) سجلناها عند قراءتنا لنصوص الجابري، وهي لا ترقى إلى مرتبة النقد ولا ينبغي أن تكون انتقادات إنها ملاحظات وكفى
[40] - مواقف، عدد 65، ص: 56.
[41] - عبد الله العروي، مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1981، ص: 162.
[42] - المرجع نفسه، ص: 116.
[43] -Abdallah LALAROUI : Isalam et modernité centre culturel Arabe ; 2ème édition 2001, p 172
[44] - طيب تيزيني: مفهوم التراث العالمي، مدخل باتجاه التأسيس، مجلة عالم الفكر، العدد 04، المجلد 36، أبريل-يونيو 2008، ص: 11. 
[45] -Ibidem.P171.
[46] - طه عبد الرحمن، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، المركز الثقافي العربي، بيروت، الطبعة الثالثة 2007، ص: 19.
[47] - طه عبد الرحمن، حوارات من أجل المستقبل، منشورات الزمن، الطبعة الثانية 2008، الكتاب 13، ص: 27.
[48] - طه عبد الرحمن، روح الحداثة، ص:
[49] - عبد الله العروي، خواطر الصباح، يوميات 1982-1999، المركز الثقافي العربي، بيروت 2005، ص: 222.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)