الحاجة إلى فكر العروي والجابري في الدعوة إلى الحداثة

             
               الحاجة إلى فكر العروي والجابري في الدعوة إلى الحداثة
بقلمجيهان نجيب - باحثة من المغرب

تحتل مسألة التراث في الفكر العربي و الإسلامي مكانة هامة لما تقتضيه هذه المسألة الفكرية و المعرفية من أهمية في الفكر و العقل العربي و الإسلامي، و في الواقع الثقافي و القطري، و أخيرا في علاقتها بالآخر الحضاري، و خاصة أمام التحديات الجديدة على العالم العربي و الإسلامي من خلال ظاهرة العولمة و استتباعاتها الثقافية و الحضارية، و هوس المفكرين و المثقفين العرب بذلك.
يحتل بهذا الصدد المثقف والأستاذ عبد الله العروي داخل الثقافة العربية مكانة متميزة، اشتهر المفكر في مؤلفاته، بمفهوم القطيعة، وعندما يتحدث العروي عن  القطيعة فإننا غالباً ما نلمس في نبرة الرجل نوعا من الحسم غير أن الحاجة إليها لا تنبع عن إعجاب بالتراث الغربي  بقدر ما كانت  مطابقته لمفاهيم الحداثة أبرز مقدمات الدعوة إلى القطيعة.

يعترضنا سؤال عندما نتحدث عن مفهوم القطيعة داخل متن عبد الله العروي وهو:
 أي نوع من القطيعة يستهجنه الفكر العربي ، هل نحن في حاجة إلى قطيعة إبستمولوجية.
لا يكتفي العروي إلى تبرير الحاجة إلى القطيعة بل سرعان ما يطرح بديله التحديثي، أو ما يسميه العروي بالمتاح للبشرية جمعاء. و هذا ما يعني أن الرجل لم يكتفي بعملية الهدم و التقويض، و إنما تجاوز الأمر للبناء.

لم يصدر عبد الله العروي في موقفه عن فراغ و لا تحدث إلى العرب بغير لسانهم ، فقد كانت الحاجة إلى القطع مع العقل العربي التراثي نابعة مما يعيشه هذا العقل من تناقضات أو مفارقات بلغة العروي. تظهر في مطلقية هذا العقل" فالعقل هو ما يعقل العقل و يحده ، و ما يعقل العقل، و يؤسسه كعقل ، هو علم المطلق، الذي هو علم مطلق إنه  علم يتأسس على النص و لا يتجاوزه، وهو بذلك عقل لا تاريخي " يعجز عن عقل الزمان بمعنى التطور و التغير لا بمعنى الظهور بعد الكمون". أي أن  "مفارقة محمد عبده ناتجة عن الحصر الذي جعله ينفي الزمان، أي نفي الزمن في نظرته العامة التي بقيت وفية للذهنية الكلامية التقليدية "

إذا كان محمد عبده يمثل بصورة نموذجية ، وضع الاختيار السلفي بمواقفه من الغرب ، من العلم، و من الحداثة، أو ما يسميه الرجل بسؤال الهوية. و لحظة المفارقة في الفكر و الإيديولوجيا العربية، و هي لحظة يعيد خلالها الفكر العربي إعادة إنتاج الذهنية الكلامية، فإنه سرعان ما ينتقل إلى تصويب نظره إلى مجال العلوم العملية: العمران، الاقتصاد، الحرب كما تجسدت في الفكر الخلدوني، لينقب عن مظاهر المفارقة فيه كذلك.
إن دعوة العروي للقطيعة إذن نابعة من إيمانه بتهافت الدعوات السلفية و لا تاريخيتها ، إنها دعوة تعيش التاريخ بغير عدته تتأسس على ماضوية ترى في الماضي مستقبلا أو ما يطلق عليه الباحث بالماضي- المستقبل الذي هو خاصيتنا الأساسية و "الذي يغير دلالة الزمن المعتادة". لا يدعو العروي إلى القطيعة مع الفكر السلفي فقط، بل سرعان ما يعلن حرب القطيعة على كل فكر انتقائي لأنه فكر مشوه ينتج عنه " تداخل و تشابك و اهتزاز يعجب له كل من تعود على إعطاء التاريخ اتجاها واضحا ثابتا"

فماذا يعني العروي بالقطيعة ؟ لماذا القطع مع التراث ؟ أليست الدعوة إلى القطع التراث و الارتماء في أحضان التاريخ الكوني ( الغربي ) باعتباره المخرج الوحيد لأزمة العرب دعوة متهافتة خاصة ومع تنامي الدعوة إلى  الاختلاف من لدن الغرب نفسه؟ هل القطع مع التراث كافية لمنح كتابات العروي كل هذه الأهمية ؟ ما هو البديل الذي يقدمه العروي للتحديث؟ و لماذا هذا البديل دون غيره؟
·         موقف عبد الله العروي:
يعتبر العروي من بين أول المفكرين العرب الذين استدعوا مفهوم القطيعة  إن لم يكن أولهم  في تعاملنا مع ما خلفه أجدادنا و مع ما يعيش معنا منهم . إلى جانب القطيعة استعمل العروي مفاهيم الحسم، طي الصفحة، القطيعة المنهجية للدلالة على نفس الغرض و الوظيفة ، لقد أراد الرجل من خلال هذه المفاهيم الإعراض عن التراث و تجاوزه.

إن إشكالية العروي لا تكمن في التراث ذاته و إنما مع الكائنات التراثية كذلك أو ما يسميه العروي بأعداء الحداثة  ذلك الفريق الذي يدعو إلى رفض الحداثة باعتبارها لعنة ارتبطت بالاستعمار و الحرب.
إن دعوة العروي للقطيعة مع التراث لم تكن دعوة أدلوجية محضة بل إنها دعوة علمية استقى خلالها الرجل مفاهيم ومناهج و أدوات معرفية تمثلت بالخصوص في استعماله للمنهجين التكويني و التفكيكي للمقولات و الذهنيات التراثية سواء المعاصرة منها ممثلة في محمد عبده صاحب أكبر مفارقة عاشها و يعيشها العقل العربي مفارقة بين عقل المطلق و عقل الواقع ، بين عدته المعرفية وواقعه الاجتماعي. و العلامة ابن خلدون الذي رغم عمق و جدة أعماله و اكتشافاته في زمنه لا يرقى إلى الإنتاج العلمي  الحديث سواء في مجال الحرب، السياسة، الاقتصاد، الاجتماع...

·         موقف محمد عابد الجابري: 
تبرز محاولة (نقد العقل العربي) بأجزائه الثلاثة، عند د. الجابري، كمشروع نقديّ يلبيّ حاجة راهنة هي إعادة النظر في "الذات" بعامة، وفي التراث بخاصة وقد أراد الجابري لكتابه (الخطاب العربي المعاصر) أن يكون بمثابة تمهيد لمشروعه: مشروع نقد العقل العربي، فانصرف إلى تحليل الخطاب النهضويّ العربيّ الحديث والمعاصر، من أجل إبراز ضعفه وتشخيص عيوبه استجلاء لصورته، وليس من أجل إعادة بنائه. و فيه يشخّص إشكاليّة مشروع النهضة من قبل ومشروع الثورة فيما بعد بغياب نقد العقل فيهما. وكأنه لا يرى فيما أنتجه مشروع "تنوير" عربيّ أوّل ومشروع "تثوير" عربيّ تالٍ إلا غياب "النقد"، وما حضور النقد، بمستوياته المختلفة، إن لم يكن حضوراً مضمراً أو معلناً لنقد العقل؟
وهل المواد التي يشتغل عليها كتاب الخطاب العربي إلا تلك المواد النقديّة التي اشتغل عليها مشروع خطاب "النهضة" من قبل، ومشروع خطاب "الثورة" فيما بعد؟

يتوقّف د. الجابري عند أشكال من الخطاب، هي الخطاب النهضوي والخطاب السياسيّ والخطاب القوميّ والخطاب الفلسفيّ، ويجد في قضيّة الأصالة والمعاصرة صلب إشكالية الخطاب العربي الحديث والمعاصر.
و ما يهمّه من النماذج التي يعرضها هو العقل الذي يتحدّث فيها لا بوصفه عقل شخصٍ أو فئة أو جيل، بل بوصفه "العقل العربي" الذي أنتج الخطاب موضوع دراسته. ويجد أن منطق الليبرالي الذي تستهويه المبادئ الأوروبية لا يختلف عن منطلق السلفي، أمّا المنطق التوفيقي فيحاول أن يجمع بين أحسن ما في النموذج العربي الإسلامي وأحسن ما في النموذج الأوروبي... و الخطاب النهضوي، برأيه، خطاب توفيقيّ، متناقض، محكوم بسلفٍ، خطاب وعي مستلب... أما الخطاب القوميّ فهو خطابٌ في الممكنات الذهنيّة، ما ورائي... والفكر العربي  لم يكن يعبّر عن متطلبّات الواقع بل عن واقع آخر يعيشه العرب في الحلم، فهو خطاب وجدان، لا خطاب عقّل، وإن نجح في بثّ ونشر الشعور القوميّ، وقد أخفق الخطاب السياسيّ العربي، على مدى قرن من الزمن، في تحقيق أيّ تقدّم في قضيّة العلاقة بين الدين والدولة... الخ. و لا ينجو الخطاب الفلسفيّ، عنده من تهمة الإخفاق أيضاً، فهو خطاب يتجاهل، القطاع العقلاني في التراث، ويستنجد بما فيه من قطاع لا عقلانيّ، كما يرتبط بأكثر الجوانب لا عقلانية في الفكر الأوروبي المعاصر...

و سيستنتج أخيراً: أن العقل العربي عقل فقهيّ ويتّسم بغياب العلاقة أو ما يكفي من العلاقة بين الفكر والواقع، وهو عاجز عن تقديم الإمكانيّات النظرية المطابقة لتغيير الواقع... الخ!...
الفرضيّة التي يدافع عنها د. الجابري في الخطاب العربي المعاصر هي فرضيّة إخفاق مشروع النهضة من قبل، وإخفاق مشروع الثورة فيما بعد، وسيدافع كتابه (نقد العقل العربي)، بأجزائه الثلاثة، عن فرضيّة استقالة العقل العربي!...

ينظر في مقدمّته كتابه (تكوين العقل العربي)، إلى نقد العقل كجزء أساسي وأوليّ من كلّ مشروع للنهضة، ويتساءل عن إمكانيّة بناء نهضةٍ بعقلٍ غير ناهض، عقلٍ لم يقحم بمراجعةٍ شاملةٍ لآلياته ومفاهيمه وتصوّراته ورؤاه، ويصرّح بأن مشروعه هادفٌ لا يمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرّر من كلّ ما هو ميت أو متخشّب في كياننا العقليّ وإرثنا الثقافي... ويقرّ في موضع آخر من نهاية كتابه أن أيّ تحليل للفكر العربيّ الإسلاميّ، سواء أكان من منظور بنيويّ أم من منظور تاريخانيّ، سيظلّ ناقصاً، وستكون نتائجه مضلّلة إذا لم يأخذ في حسابه دور السياسة في توجيه هذا الفكر وتحديد مساره ومنعرجاته...

و أخيرا ما يتقاطع في المقابل مع عبد الله العروي بالنسبة لمحمد عابد الجابري و هو مفهوم القطيعة الابستيمولوجية، حيث لا يستقيم النظر في مفهوم القطيعة عند الأستاذ محمد عابد الجابري دون الإحاطة بفهمه لمعنى التراث ، إن التراث في نظر الأستاذ الجابري "ليس إنتاجاً تاريخيا و حسب...، بل هو أيضا عطاء ذاتي إنساني لشخصيات دخلت التاريخ " و كل عطاء من هذا النوع إلا و يتضمن في ذاته مضمونين أول مهم و هو الجانب المعرفي ، وثاني أهم يتجسد في مضمونه الإيديولوجي . يحتوي الأول الجهاز التفكيري (مفاهيم، تصورات، منطلقات ، منهج ... ) و يمثل الآخر الوظيفة الأيديولوجية (السياسية، الاجتماعية...).

هل تعني القطيعة مع التراث القطيعة معه ككل موحد ؟ أم تعني القطع مع إحدى عناصره فحسب ؟
 إذا كان الأمر كذلك ما هو العنصر الذي يجب القطع معه هل المحمول الأيدلوجي أم المضمون المعرفي؟ .

إن الفصل الذي يقترحه الأستاذ الجابري ليس فصلاً منهجيا فحسب لتسهيل عملية قراءة هذا الفكر بقدر ما ينبع عن واقع الفكر الفلسفي في الإسلام المهتجس لنفس الإشكالية "التوفيق بين  العقل و النقل"، و هو فصل ضروري يضيف الباحث يمكننا من استبصار ما " تزخر به الفلسفة الإسلامية (التراث) من تنوع و حركة، غير أن الجابري حينما يدعونا إلى القطيعة مع التراث فإنه لا يعني بذلك مجموع ما خلفه أجدادنا لأن القول بذلك طرح فاسد خاطئ لا تاريخي ، يفهم القطيعة بمعناها الدارج، و هذا لا يعني أن تراثنا خير كله ، كما لا يعني أنه الشر بعينه أو أساس الإحباط الذي نعيشه و نتخبط فيه . إننا في حاجة إلى قطيعة إبستمولوجية تتناول الفعل العقلي، والفعل العقلي نشاط يتم بطريقة ما و بواسطة أدوات والمفاهيم، إن الرجل يهتجس القطيعة مع المضمون المعرفي للتراث. 

      تحتل مسألة التراث في الفكر العربي و الإسلامي مكانة هامة لما تقتضيه هذه المسألة الفكرية و المعرفية من أهمية في الفكر و العقل العربي و الإسلامي، و في الواقع الثقافي و القطري، و أخيرا في علاقتها بالآخر الحضاري، و خاصة أمام التحديات الجديدة على العالم العربي و الإسلامي من خلال ظاهرة العولمة و استتباعاتها الثقافية و الحضارية، و هوس المفكرين و المثقفين العرب بذلك.

يحتل بهذا الصدد المثقف والأستاذ عبد الله العروي داخل الثقافة العربية مكانة متميزة، اشتهر المفكر في مؤلفاته، بمفهوم القطيعة، وعندما يتحدث العروي عن  القطيعة فإننا غالباً ما نلمس في نبرة الرجل نوعا من الحسم غير أن الحاجة إليها لا تنبع عن إعجاب بالتراث الغربي  بقدر ما كانت  مطابقته لمفاهيم الحداثة أبرز مقدمات الدعوة إلى القطيعة.

يعترضنا سؤال عندما نتحدث عن مفهوم القطيعة داخل متن عبد الله العروي وهو:
 أي نوع من القطيعة يستهجنه الفكر العربي ، هل نحن في حاجة إلى قطيعة إبستمولوجية.
لا يكتفي العروي إلى تبرير الحاجة إلى القطيعة بل سرعان ما يطرح بديله التحديثي، أو ما يسميه العروي بالمتاح للبشرية جمعاء. و هذا ما يعني أن الرجل لم يكتفي بعملية الهدم و التقويض، و إنما تجاوز الأمر للبناء.

لم يصدر عبد الله العروي في موقفه عن فراغ و لا تحدث إلى العرب بغير لسانهم ، فقد كانت الحاجة إلى القطع مع العقل العربي التراثي نابعة مما يعيشه هذا العقل من تناقضات أو مفارقات بلغة العروي. تظهر في مطلقية هذا العقل" فالعقل هو ما يعقل العقل و يحده ، و ما يعقل العقل، و يؤسسه كعقل ، هو علم المطلق، الذي هو علم مطلق إنه  علم يتأسس على النص و لا يتجاوزه، وهو بذلك عقل لا تاريخي " يعجز عن عقل الزمان بمعنى التطور و التغير لا بمعنى الظهور بعد الكمون". أي أن  "مفارقة محمد عبده ناتجة عن الحصر الذي جعله ينفي الزمان، أي نفي الزمن في نظرته العامة التي بقيت وفية للذهنية الكلامية التقليدية "

إذا كان محمد عبده يمثل بصورة نموذجية ، وضع الاختيار السلفي بمواقفه من الغرب ، من العلم، و من الحداثة، أو ما يسميه الرجل بسؤال الهوية. ولحظة المفارقة في الفكر و الإيديولوجيا العربية، و هي لحظة يعيد خلالها الفكر العربي إعادة إنتاج الذهنية الكلامية، فإنه سرعان ما ينتقل إلى تصويب نظره إلى مجال العلوم العملية: العمران، الاقتصاد، الحرب كما تجسدت في الفكر الخلدوني، لينقب عن مظاهر المفارقة فيه كذلك.

إن دعوة العروي للقطيعة إذن نابعة من إيمانه بتهافت الدعوات السلفية و لا تاريخيتها ، إنها دعوة تعيش التاريخ بغير عدته تتأسس على ماضوية ترى في الماضي مستقبلا أو ما يطلق عليه الباحث بالماضي- المستقبل الذي هو خاصيتنا الأساسية و "الذي يغير دلالة الزمن المعتادة". لا يدعو العروي إلى القطيعة مع الفكر السلفي فقط، بل سرعان ما يعلن حرب القطيعة على كل فكر انتقائي لأنه فكر مشوه ينتج عنه " تداخل و تشابك و اهتزاز يعجب له كل من تعود على إعطاء التاريخ اتجاها واضحا ثابتا"

     

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة