السعادة

السعادة
مقدمة
تعتبر السعادة غاية من الغايات الإنسانية السامية، و تتحدد فلسفيا باعتبارها حالة إرضاء و إشباع و ارتياح تام للذات... لذلك فهي حلم و طموح إنساني يغدي المشاعر و يعطي للحياة معنى... و يطرح موضوع السعادة عددا من الإشكالات المتعلقة خصوصا بدلالات السعادة و تمثلاتها من جهة، و من جهة ثانية سبل تحقيقها ثم علاقتها بالواجب..
المحور الأول: تمثلات السعادة
الإشكال: هل للسعادة دلالة واحدة أم تختلف معايير تمثلها؟
موقف الفارابي: إن جوهر السعادة عند الفارابي يرتبط بأسمى فعل يمارسه الإنسان و هو التأمل الفلسفي العقلي، و السعادة عنده فضيلة. و الفلسفة سبيل لتحقيق السعادة و تحصيلها.. هكذا تكون السعادة خيرا مطلقا مطلوبا لذاته ما دامت مرتبطة باللذة العقلية، و ليس وسيلة لغاية أخرى. إنه موقف يمجد النفس و العقل و يحتقر الجسد.
موقف كانط: يعتقد كانط أن هناك صعوبة في تحديد مفهوم السعادة لأن تمثله يختلف من شخص لآخر، و لأنه مرتبط بالتجربة الحسية من جهة أخرى، في حين يسعى الإنسان إلى تكوين مفهوم مطلق عنه. إن هذه المفارقة تجعل السعادة مجرد مثل أعلى للخيال و ليس مفهوما عقليا يمكن التحقق منه. فإذا كانت شروط تحقيق السعادة تتمثل في الثروة و الصحة و الحياة... فهي حالات متغيرة و لا يمكن اعتمادا عليها تحديد تمثل للسعادة، لذلك يبدو مفهوم السعادة غير قابل للتعريف.
المحور الثاني: البحث عن السعادة
الإشكال: هل يمكن بلوغ السعادة؟ و ما هي سبل تحصيلها و تحققها؟
موقف روسو: يعتقد روسو أن السعي وراء السعادة هو سعي وراء الشقاء، ذلك أن الإنسان ترك السعادة وراءه في مرحلة الطبيعة التي كانت بسيطة و تخلى عنها الإنسان و هو يسعى إلى حياة الكمالات التي ليس لها نهاية و التي لا قدرة له على تحقيقها جميعها. إن السعادة تتطلب تحقيق معادلة التكافؤ بين الرغبات و القدرات، و هذه المعادلة لم تكن ممكنة سوى في حالة الطبيعة حيث كانت الرغبات بسيطة و مقدور عليها، أما في حالة المدنية فقد صارت الرغبات كبيرة و كثيرة تتجاوز ما لديه من قدرات.
موقف فرويد: يعتقد فرويد أن السعادة غاية كل الناس، و ما يدفعهم إلى الطموح إلى السعادة هو مبدأ اللذة الذي يحدد هدف الحياة النفسية ذاتها، إلا أن طبيعة الإنسان ذاته تقف دون وصوله إلى السعادة، و في مقابل ذلك يبدو الشقاء مهددا للإنسان في كل وقت. إن الألم حسب فرويد يتهدد الإنسان من جهات ثلاث: من الجسم بالذات الغارق في الهم و الألم، و من العالم الخارجي الذي تتوفر له قوى عتية لا يمكن قهرها و لا تعرف الرحمة... و من الغير أيضا و الذي يكون ألمه أشد وقعا علينا من أي ألم آخر كما يعتقد فرويد.
المحور الثالث: السعادة و الواجب
الإشكال: ما علاقة السعادة بالواجب؟ و هل السعادة واجب نحو الذات أم واجب نحو الغير؟
موقف ألان: يعتقد أن السعادة واجب نحو الغير و رغبة في إسعاده، إلا أن ذلك لا يتم دون الالتزام أولا بإسعاد الذات، إذ من واجب الإنسان أولا أن يسعد ذاته و هو أمر قابل للتحقق إذا كانت هنالك رغبة و إرادة. إن الإنسان لا يستطيع إسعاد غيره، ما لم يسعد ذاته أولا. و يعتقد ألان أن عدم القدرة على رؤية الآخرين سعداء هو السبب في ما تعرفه الإنسانية من حروب و مآسي... لهذا يجب على كل واحد منا أن يطلب السعادة بقوة ويصنعها بنفسه كالطفل الصغير الذي يحول كل شيء إلى مصدر متعة وسعادة.
موقف راسل: يرى الفيلسوف الانجليزي راسل أن التصور العامي للسعادة والذي يحصرها في الاستمتاع بملذات سخيفة يؤدي إلى سعادة مزيفة مؤقتة تمثل هروبا من مشاكل الواقع الأليم. تقابل هذه السعادة سعادة أصيلة وحقيقية تتجسد في الانفتاح على الغير والاهتمام به من خلال تخصيص الوقت والجهد لكل ما يبعث السرور في نفسه دون رغبة في السيطرة عليه أو إخضاعه أو حتى الحصول على ثنائه وإعجابه. يرى هذا الفيلسوف أيضا أن الذات ينبغي عليها التودد إلى الغير وإسعاده خارج إطار الواجب الذي يجعل إقبال الذات نتاج إكراه وإلزام ما يؤدي إلى النفور وبالتالي حصول العداء في العلاقات الإنسانية. يقوم موقف راسل Russel، إذن، على أن السعادة تحصل بعيدا عن فكرة الواجب، لكنها لا تتحقق إلا بالحضور مع الغير ومحاولة إدخال السرور والفرح على حياته.
خاتمة:
مهما اختلفت تمثلاتنا حول السعادة و سواء ربطناها بالجسد أو الروح أو العقل... تبقى قيمة سامية و غاية ننشدها باستمرار، و نظل في بحث دائم عنها.. أما علاقتها بالواجب فليست بالضرورة متعارضة، إذ لا تعارض بين إسعاد الذات و إسعاد الغير، بل يمكن أن يكون أحدهما شرطا للآخر شرط تجاوز النزعة الأنانية و النزعة الغيرية المتطرفة...


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)