الفلسفة و الأسطورة

الفلسفة و الأسطورة





بقلم الدكتور عماد الدين إبراهيم عبد الرازق. أكاديمي مصري





ممالاشك فيه أن العلاقة بين الأسطورة و الفلسفة متداخلة و هي علاقة متشابكة لا يستطيع أحد أن ينكرها وأن يغفل أهمية تلك العلاقة. بعض الفلاسفة يروا أن الأسطورة هي المقدمة الطبيعية و الأساسية لظهور التفكير الفلسفي. بمعني أن التفكير الفلسفي انبثق عن التفكير الأسطوري. و هذا واضح و جلي في بلاد اليونان. حيث سبق التفكير الأسطوري ظهور التفكير الفلسفي. فالتفكير الأسطوري كان يدور حول الآلهة و صراعاتها علي جبل الاولمب. و بعض الفلاسفة و المفكرين يرون أن الأسطورة عامل مشترك في الفكر الإنساني، لان بداية هذا الفكر كانت مثل الطفل الرضيع الذي يحبو أولا ثم يمشي علي قدميه ثم يشب عن الطوق حتى و صل هذا الفكر إلي ما نحن عليه الآن. و يجب أن نشير إلي أن الأسطورة و الفلسفة علي اتصال دائم و مباشر ، و لقد تطورت الأسطورة علي مر التاريخ و مع ذلك ظلت تحظي باهتمام الفكر البشري بداية من عصر الصيد و هي المرحلة التي سبقت العصر الحجري حيث تبدو الصلة و العلاقة بين الأسطورة و الفلسفة غامضة لان عقيدة الإنسان في تلك المرحلة انصبت علي الاهتمام بموارد حياته و في مقدماتها الحيوانات. و في مقدماتها الحيوانات، وفي العصر الحجري ظهرت التمائم التي يعتقد أنها تجلب الرزق. و إذا أردنا أن نعرف الأسطورة لغة فهي الأحاديث المنمقة أو المزخرفة التي لانتظام لها، فهي مشتقة من السطر من الشئ بمعني الصف من الكتاب و الشجر و النخل و نحوها. كما أنها في اليونانية مأخوذة من (Mutho) وتعني حكاية تقليدية عن الآلهة و الأبطال. هذه الحكاية تتحدث عن الآلهة و أعمالهم و نشأتهم ، وهي من اجل هذا المعني اتخذت قديمًا من اجل تفسير كل الظواهر الغير مألوفة. و الأسطورة تحكي قصصا مقدسة تبرز ظواهر الطبيعة مثلا أو نشوء الكون أو خلق الإنسان و غير ذلك من الموضوعات التي تتناولها الفلسفة. إذا موضوعات الأسطورة تعتبر أيضا مادة خصبة للفلسفة لكن التناول مختلف ، الأسطورة تعتمد علي الخيال و الأشياء الغير مألوفة ، و الفلسفة تعتمد علي العقل و المنطق في تناول الموضوعات. و لا يستطيع احد أن ينكر هذا التداخل بين الأسطورة و الفلسفة. و من أهم الأساطير في بلاد الرافدين أسطورة جلجامش التي تحكي عن موضوع الخلود ، كذلك قصة الطوفان التي جاء ذكرها في القران و التوراة. و للأسطورة أنواع متعددة منها الأسطورة التاريخية ، و الأسطورة الدينية و الأسطورة التفسيرية. و إذا كانت الأسطورة تصدر عن حالة عاطفية تتخطي العقل لتنتج صورا ذهنية مباشرة تعكس تلك العلاقة بين الذات الموضوع ، فان الفلسفة تنظر للموضوعات برؤية عقلية.  و يجب أن نشير إلي حقيقة هامة و هي أن ظهور الفلسفة في بلاد اليونان إعلانا عن إحداث قطيعة في التفكير الأسطوري و الانتقال من الخطاب الشفوي الأسطوري إلي الخطاب الفلسفي الذي يعتمد علي الاستدلال العقلي.ورغم هذا إلا أن الأسطورة و ظيفتها في تاريخ الفكر البشري هذه الوظيفة لا نستطيع أن نغفلها أو نغض الطرف عنها ، وفي مقدمة هذه الوظائف تفسير الظواهر الطبيعية و الاجتماعية و الثقافية في مجتمع ما خاصة المجتمعات البدائية. و للتفكير الأسطوري سمات تختلف تماما عن التفكير الفلسفي. التفكير الأسطوري له خاصية القبول المطلق لفكره معينة و بالتالي الرفض المطلق للأفكار الاخري، و هذا عكس التفكير الفلسفي الذي يقبل الرأي الآخر و يغترف به. كذلك التفكير الأسطوري لاعقلاني أما التفكير الفلسفي فهو عقلاني. و خلاصة القول أن الأسطورة و الفلسفة بينهما و وشائج قربي و يعتبر بعض المفكرين أن الفلسفة قد اكتشفت في الأسطورة البناء الوجودي والصورة الأصلية التي تعبر عن ارتباط الإنسان بالواقع و الحياة . و لقد اعتبر فلاسفة اليونان أن الأسطورة هي الحقيقة في صورتها الرمزية و علي الفلاسفة أن يرفعوا الحجاب عن هذه الحقيقة الرمزية ، فكان الأسطورة تخفي الحقيقة و تأتي الفلسفة لإظهارها.

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبرس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

العين الثالثة

محمد الفقيهي

لاجـــــئــــوا"الأورو"...! و"الرحماء الجدد"

وأخيرا نزل العطف والحنان من كبد السماء دفعة واحدة على كثير من زعماء أروبا العجوز، ففتحوا أذرعهم لمعانقة أبناء الشام والرافدين بحجة هروبهم من المتطرفين والغلاة والطواغيت
محمد الفقيهي

وخزة قلم

محمد بعدي

تنبيه بنكيران إلى الفرق بين الإِنْسَان و الحِيوَان

لم يعد رئيس الحكومة المغربية مثيرا فقط للجدل، بل أصبح مثيرا للملل، و لم يعد خطابه {كما يقول حواريوه} يعبر عن علامات فطنة، و إنما صار خطابا منتجا للفتنة...
محمد بعدي

منبر الاحد

 يوسف عشي

فن "الحكرة" بالمغرب

ي زمن التشدق بالديمقراطية والقيم "المستنسخة" للحداثة الغريبة، عفوا "الغربية"، نشهد مشهدا تقشعر له الأبدان ويشيب لمرآه الولدان.. نشهد مشهدا بشعا في أفق كنا ولا زلنا نتمناه مشرقا..
يوسف عشي