تطور الفلسفة السياسية : من صولون حتى ابن خلدون

قراءة في كتاب
‘‘تطور الفلسفة السياسية : من صولون حتى ابن خلدون’’



إعداد
د/ علي محمد عليان عبد الرازق الخطيب*






الكاتب :   ‘‘أ.د/ مصطفى النشار’’
العنوان : ‘‘تطور الفلسفة السياسية : من صولون حتى ابن خلدون’’
تاريخ النشر :  2005 
الناشر: الدار المصرية السعودية – القاهرة
عدد الصفحات :232
إن كتاب ‘‘تطور الفلسفة السياسية : من صولون حتى ابن خلدون’’ هو للأستاذ الدكتور / مصطفى النشار، الذي يعد واحدا ًمن أهم المفكرين والفلاسفة المعاصرين، والحائز على العديد من الجوائز.وهو يعمل حالياً أستاذاً للفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وله العديد من المؤلفات من أبرزها على سبيل المثال لا الحصر : ‘‘فلاسفة أيقظوا العالم’’، ‘‘رواد التجديد في الفلسفة المصرية المعاصرة في القرن العشرين’’،‘‘ ما بعد العولمة’’،...............إلخ
يقع كتاب ‘‘تطور الفلسفة السياسية : من صولون حتى ابن خلدون’’ في 232صفحة. تتميز كتابته بتبسيط بليغ للب الفلسفة السياسية . ولقد عرض أستاذنا في التصدير لعدة حقائق علــــــــــــــــى قدر كبير من الأهمية تتمثل الحقيقة الأولى في أن كتابــــــــــــــه يهتم بـــــــــــــــالشرح والتحليل
*مدرس الفلسفة الحديثة والمعاصرة كلية الآداب جامعة المنيا


لأهم مرحلتين بنيت عليهما الأفكار السياسية في العصر الحديث أولهما المرحلة اليونانية وثانيهما مرحلة العصور الوسطى مسيحية وإسلامية، وذلك راجع إلى اعتقاده الراسخ بأن ما طرح من مذاهب وأفكار سياسية في هاتين المرحلتين تبلور الوعي البشري بمعنى فلسفة السياسة وبأهم النظريات السياسية التي لا تزال الأساس التي تبنى عليه معظم النظريات السياسية الحديثة والمعاصرة. كما إنه  انتهى إلى أن اهتمام هاتين المرحلتين كان منصبا على التوحيد التام بين الأخلاق والسياسية
وتكمن الحقيقة الثانية في إقراره العلني بأن الفكر السياسي الحديث – وخصوصاً الغربي- قد رفض التوحيد بين الأخلاق والسياسة الذي نادي به أنصار المرحلتين سالفتي الذكر. و إيضاحا ًلذلك فلقد رأى أن ‘‘مكيافيللي’’ المفكر الايطالي الشهير نادي بضرورة الفصل بين الأخلاق والسياسة، وأرجع المؤلف إصرار‘‘مكيافيللي’’ على هذا الانفصال بين الأخلاق والسياسة إلى أسباب قد تكون سياسية واجتماعية بل ودينية، غير أنه اهتدى إلى القول بأن شيوع مبدأ الغاية " تبرر الوسيلة "، وحكم الشعوب على رجل السياسة حكما ًموضوعيا ًمن خلال النظر إلي أعماله وقراراته ونتائجها بعيدا عن الحكم على شخصه وأخلاقه هما من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى حدوث الانفصال بين الأخلاق والسياسة .
وتتمثل الحقيقة الثالثة في تفضيله للرجل السياسي الذي يكون شخصاً فاضلاً مؤمناً بالإضافة إلى كونه رجل سياسة ودولة ناجحاً . أما الحقيقة الرابعة والأخيرة والمهمة من وجهة نظري فتتمثل في إيمان أستاذنا بأن كلا منا مدعو لأن يكون مشاركاً مع هؤلاء الفلاسفة الذين عرض لهم بالرأي والحجة خلال عمله الذي بين أيدينا، ظنا ًمنه أن ما عرضوه من نظريات وآراء ما هي إلا مجرد حافز لنا على أن نواصل الحوار من أجل مستقبل سياسي أفضل لمجتمعاتنا المعاصرة.
ينقسم الكتاب إلى فصل تمهيدي بعنوان ‘‘التعريف بالفلسفة السياسية’’ ، بالإضافة إلى ثلاثة أبواب ، وهى تحمل تبعا العناوين التالية: ‘‘الفكر السياسي اليوناني’’ ، ‘‘الفكر السياسي الغربي في العصرين الروماني والوسيط’’ ،‘‘والفكر السياسي الإسلامي’’. هذا معناه أن أستاذنا قبل أن يخوض في الموضوعات الرئيسة للفلسفة السياسية اهتم في المقام الأول بالتمهيد لها. حيث نجده في الفصل التمهيدي يطرح عدة موضوعات رئيسة منها : الموضوع الأول وهو  سؤاله عن ماهية الفلسفة السياسية ؟، فنجده يجيب قائلا : إن .الفلسفة السياسية هي فرع من فروع الفلسفة وتهتم بدراسة كيفية تحقيق أكبر قدر من الحكمة والعدالة في المجتمعات السياسية، فالفلسفة السياسية من وجهة نظره هي علم القوة وكيفية تنظيمها داخل المجتمعات. ولكنه وجه انتباهنا إلى ضرورة التفرقة بينها وبين علم السياسة، لذلك نجده يطالب بضرورة إقامة الفروق الدقيقة بين الفلسفة السياسية وبين علم السياسة ، فيرى أن الفلسفة السياسية تتمتع بطابع معياري، وهذا معناه أنها تبحث فيما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين البشر – حكاماً  ومحكومين - داخل المجتمع السياسي من ناحية، وتبحث فيما ينبغي أن تحكم هذه العلاقة من قوانين من ناحية أخرى. وفى حين يرى أن العلوم السياسية تركز على وصف ما هو كائن في هذه المجتمعات السياسية، كما تبحث في أشكال السلطة القائمة والبحث في أفضل أنواعه ومدى ملاءمة هذه الأنواع للظروف السياسية والاقتصادية والبيئية التي يعيشها البشر في مجتمع بعينه. علاوة على ذلك فقد نظر إلى الفلسفة السياسية على أنها الفلسفة التي تحاول الارتقاء بالقيم السياسية في المجتمعات الإنسانية، وتحاول بما لديها الارتباط بفلسفة الأخلاق. كما أنها ظهرت نتيجة لظروف سياسية واقتصادية واجتماعية معينة عانى منها المجتمع، فقد جاءت لتلبى هذه الحاجة فتشخص الأمراض الموجودة على الساحة السياسية وتقدم لها الحلول الملائمة .
ويتمثل الموضوع الثاني الذي انشغل به أستاذنا في سؤاله عن كيفية نشأة الفلسفة السياسية وظهورها؟. فنجده يجيب على ذلك قائلاً: إن تاريخ الفكر السياسي تاريخ قديم قدم تاريخ الإنسان نفسه.  وهذا معناه  أنه منذ ظهور الحضارات الشرقية  الكبرى خاصة الحضارة المصرية القديمة قد ظهرت الأنظمة السياسية التي تحمل في طياتها فكراً سياسياً متماسكاً. ومعناه أيضا أنه يعتقد اعتقاداً راسخاً بالتأثير الشرقي على اليونانيين في كافة إبداعاتهم حتى في تكوينهم للمدينة وفى شكل المجتمع السياسي، و في الوقت نفسه لا ينكر أن كلمة سياسة Politic مشتقة من الكلمة اليونانية Polis  التي تعنى المدينة .
أما الباب الأول  والذي بعنوان ‘‘الفكر السياسي اليوناني’’ فيسأل من خلاله أستاذنا عن أهم النظريات التي ظهرت عن مفهوم الدولة والحكم وأفضل الحكومات؟ وما هي العلاقة المثلى من سلطات الدولة؟ ومتى ظهرت الديمقراطية وكيف نشأت؟ وهل نجح الفلاسفة القدامى في الوصول إلى فهم دقيق للعلاقة بين السياسة والاقتصاد كما نجحوا في الوصول إلى الربط بين الأخلاق والسياسة ؟ لذلك نجده يقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول وهى تحمل تباعاً العناوين التالية :  ‘‘ الفكر السياسي السابق على أفلاطون’’، ‘‘الفلسفة السياسية عند أفلاطون’’ ،‘‘ الفلسفة السياسية عند أرسطو’’ . و نلاحظ أنه يلقى الضوء في الفصل الأول على ثلاثة موضوعات رئيسة  منها ما يلي:   أولا ‘‘صولون’’ وبداية النظام الحزبي الديمقراطي الأثيني . حيث يرى أن صولون من وجهة نظره يمثل أهمية خاصة في الفلسفة السياسية السابقة على أفلاطون إذ إنه بإصلاحاته القانونية التي قدمها لأثينا يعد بداية مرحلة جديدة في تاريخ أثينا السياسي من ناحية ، كما يعد ذا نظرة تقدمية لم يرق إليها الفكر اليوناني حتى في أعظم مراحل ازدهاره أيام أفلاطون وأرسطو من ناحية أخرى.
كما يحتل صولون مكانة كبيرة من وجهة نظر أستاذنا لأنه وضع حجر الأساس للديمقراطية اليونانية، وأحدث إصلاحات اجتماعية وسياسية قضت على نظام الحكم الارستقراطي، وأعطى للطبقة الشعبية دورها في نظام الحكم وتيسير شئون الدولة .كما أنشأ صولون المحاكم الشعبية التي كانت تختار من بين عامة المواطنين ، وشرع عدة تشريعات من أبرزها إلغاء نظام الرق ونادي بالمساواة بين المواطنين .  ولم يتوقف أستاذنا عند هذا الحد في وصفه لـــــــ صولون فنجده يري على الرغم من مناداة صولون بالمساواة بين عامة المواطنين إلا أن أفلاطون وأرسطو قد أكدا على نظام الرق بل اعتبروه نظاماً طبيعياً، وهذا إن دل على شيء من وجهه نظر أستاذنا فإنما يدل على عظمة صولون وقدرته على إدراك ضرورة المساواة بين المواطنين منذ ذلك الوقت وقبل الميلاد بستة قرون.
وعلى الرغم من ذلك فقد رأى أستاذنا  أن بعض طبقات الشعب المتطلعة إلى المشاركة في الحكم ، قد نظرت إلى إصلاحات صولون على أنها غير كافية ، فسعت هذه الطبقات –لأول مرة- إلى تكوين الأحزاب السياسية المنظمة وتصارعت على الوصول إلى الحكم،  ومن أبرز هذه الأحزاب: حزب السهل ، حزب البحر ، وحزب الجبل . ولقد نتج عن ذلك ظهور فلسفة سياسية جديدة أكدت على ضرورة أن يأخذ الفرد دوره في المجال السياسي بناء على قدرته الخطابية وتعلمه لسائر وسائل التأثير على جماهير الناس واكتساب الأغلبية من الأصوات فى المجالس الشعبية، وقد عبر عن هذا كله الفلاسفة السوفسطائيون.
لذا نجد أستاذنا يهتم ثانيا بموضوع ‘‘ فلسفة السوفسطائيين السياسية’’، ولقد نشأ السوفسطائيين من وجهة نظره تلبيه لحاجات الناس وتعريفهم بالوسائل التي لا غنى عنها للنجاح في الحياة العامة . واهتمت فلسفة السوفسطائيين بعدة محاور مهمة منها: 1- التأكيد على الفردية، فكان من أهم مبادئها جعل الفرد نقطة البداية في الفلسفة السياسية 2- محاربة نظام الرق ، فكان شغلها الشاغل هو رفض نظام الرق والإقرار بالمساواة التامة بين سائر البشر 3- تفرقتها بين القانون الطبيعي وبين القانون الوضعي لاعتقادها بأن هناك بعض البشر قد يحدثون نوعا من الخلط بينهما .وعلى أية حال فإن فلسفة السوفسطائيين من وجهة نظر أستاذنا  يمكن إجمالها في أن نظريات السوفسطائيين السياسية تمثل عصر التنوير خصوصا في الفكر اليوناني ، ظناً منه أنها حولت تاريخ الفلسفة بالاشتراك مع سقراط – الذي سوف يأتي ذكره عبر الصفحات القادمة – من البحث في الطبيعة إلى البحث في الإنسان ومشكلاته. كما أنها فضلت البحث في مخترعات الإنسان ومكتشفاته.
أما الموضوع الثالث والأخير فيتمثل في حديث أستاذنا عن ‘‘فلسفة سقراط السياسية’’ ،  ويعد سقراط من وجهة نظره واحداً من أولئك الذين حولوا الاتجاهات الفكرية المتناثرة إلى فلسفة محدودة المعالم ، كما أرجع إليه الفضل في كل التطورات  التي تمخضت عنها هذه الفلسفة، ظناً منه أنه يمتلك شخصية نفاذة قد أثرت في أقوام عديدة، كما يمتلك آراء قد اشتقت منها أفكار واستخلصت منها نتائج مهمة.
والغريب من ذلك نجده يقول عنه: إنه لم يكن له آراء سياسية واضحة، إلا أن حياته نفسها تعد سلسلة من المواقف السياسية التي كان أغلبها ضد الديمقراطية ، و نستطيع أن نستشف ما ‘‘لسقراط’’ من فكر سياسي أثر بعد ذلك على أفلاطون وأرسطو. غير أن ما يهمنا هنا هو إقراره بحقيقة اختلاف سقراط مع سياسية الديمقراطية السائدة في عصره، تلك الديمقراطية التي كانت تفسح مجالاً لحرية الأفراد في الحديث عن كل شيء حتى أصبح في مقدور المواطن الأثيني مناقشة أدق الموضوعات الدقيقة منها على سيبل المثال لا الحصر: السياسة، الأخلاق والعقائد. وبطبيعة الحال فإن صراع سقراط المرير مع الديمقراطية التي كانت سائدة في عصره قد جنت عليه، حيث انتهى صراعه معها بموته.
ويتناول أستاذنا في الفصل الثاني ‘‘فلسفة السياسة عند أفلاطون’’نظرا لأنه اعتبره أول الفلاسفة المهتمين بالسياسة، كما اعتقد في أن لديه وحدة علم ووحدة منهج. بجانب أنه يمتلك الدعائم النظرية الأولي لعلم السياسة، و رغم ذلك نراه في موضع آخر يكشف لنا عن حقيقة هي أن الباحث في فلسفة أفلاطون السياسية قد يجد صعوبة في تصنيفها، و قد أرجع ذلك إلى تغيير آراء أفلاطون من محاورة لأخرى .ومع ذلك فقد نظر أستاذنا إلى هذه الصعوبة على أنها تمثل متعة للفكر وترويضاً له، بل جعله أكثر مرونة.
وكان من الطبيعي أن يبدأ أستاذنا بتحليل نظرية أفلاطون السياسية، إلا إننا نجده يعرج قليلاً على المواقف المهمة من حياته، حتى يجيب لنا عن التساؤل الذي مؤداه: لماذا كتب أفلاطون في السياسة؟ فقد وجد أستاذنا أن هناك أسباباً رئيسة جعلته يهتم بالسياسة منها إنشاؤه للأكاديمية، وذهابه لسيرا قوسة بدعوة من حاكمها ‘‘ديونسيوس’’ ، التي اعتقد من خلالها أنه يستطيع تنفيذ سائر أفكاره السياسية، إلا  أنه لم يتمكن من تحقيق ذلك، نظراً  لإلقاء القبض على حاكم سيرا قوسة وترحيله كعبد. و رغم ذلك نجد أن أستاذنا الدكتور النشار يرى أن فشل أفلاطون في تحقيق هدفه لم يكن فشلاً كلياً، حيث استطاع أفلاطون تحقيق بعض النجاحات، فاستطاع بالفعل إقناع ‘‘ديون الشاب’’ بتفكيره وفلسفته السياسية.
وعلى أية حال فلقد شرع أستاذنا في تناول فلسفة أفلاطون السياسية فوجدها تنطوي على جانبين الأول:  مثالي والثاني:  واقعي،  وبدأ المؤلف بالجانب الأول فوجده ينطوي على عدة موضوعات رئيسة: أولا ‘‘تصور أفلاطون للمدينة  المثالية  في الجمهورية ’’  حيث لاحظ أن ما يشغل  بال أفلاطون هو تعريفه للعدالة ،وتحقيقا لذلك فقد استعرض أفلاطون تعريفات الفلاسفة السابقين عليه ، ولكنه اهتدى إلى تعريفها على أساس فكرة الوظيفة ، لاعتقاده بأن الدولة إنما تنشأ أساسا من عجز الفرد عن الاكتفاء بذاته وحاجته إلى أشياء لا حصر لها ، و لكي يلبى الفرد حاجاته يتوجب  عليه أن يتحد مع غيره كي يكونوا مجتمعاً يقوم كل واحد منهم بالوظيفة التي تخصه على الوجه الأمثل بحسب مؤهلاته ومواهبه الطبيعية  .
إن ما انتهى إليه أفلاطون جعله مجبراً على مناقشة موضوع ‘‘تقسيم العمل والنظام الطبقي’’، حيث اعتقد أن الدولة المثالية تقوم على مبدأ تقسيم العمل بين أفرادها وطبقاتها. و قد قسم أفلاطون الأفراد إلى ثلاث طبقات هي: طبقة المنتجين، الجند ، والحكام. وهدف من ذلك أن تؤدى كل طبقة وظيفتها متحلية بإحدى الفضائل الأخلاقية. ولكي يقوم بتخريج هذه الطبقات وجعلهم متمتعين بالفضائل الأخلاقية ، شرع أفلاطون في مناقشة موضوعه المتعلق ‘‘بنظرية التربية في الدولة المثالية’’، حيث قدم لنا  أفلاطون نظرية متكاملة في التربية والتعليم اعتبرها ‘‘جان جاك روسو’’ من أعظم ما كتب في فلسفة التربية من وجهة نظر أستاذنا النشار.
وقد لاحظ أستاذنا أن حديث أفلاطون عن التربية قد فتح الباب على مصراعيه لتناول نظرية الشيوعية أو بالأخص ‘‘شيوعية النساء والملكية’’، وتقوم هذه النظرية على إيمان أفلاطون بالمساواة بين الجنسين، وأن يقوما بكل شيء سوياً، وأن يتعلم النساء عين ما يتعلمه الرجال. ولكي يؤكد أفلاطون على هذه النظرية نجده يقدم عدة مبررات ، غير أن أستاذنا وصفها بأنها غير دقيقة، كما أوجدت نوعاً من التنافس والصراع بين الآباء والأمهات، كما أنها سوف تلغى قيام الأسرة داخل الدولة .
وعلى أية حال فإن قوام الدولة المثالية  هي الطبقات الثلاث طبقا لأفلاطون، ويعد النظام التعليمي / التربوي الأساس  للدولة المثالية، وينتج عن ذلك خروج طبقة أطلق عليها أفلاطون ‘‘حكومة الفلاسفة’’ وهى التي تدرب على الحكم وتتولى الوظائف المهمة بالدولة، لذا اهتم أفلاطون بمناقشة ‘‘نظريته في حكومة الفلاسفة’’، ورأى أنه من الضروري أن يتولى هؤلاء الفلاسفة الحكم وأن يتناوبوه فيما بينهم.
وهذا معناه أن أستاذنا يؤمن بإقرار أفلاطون بوجود نوعين  من الحكومات هما: الفاسدة و الصالحة. وتعد حكومة الفلاسفة سالفة الذكر من الحكومات الصالحة أما الحكومة التيموقراطية أو الارستقراطية الحربية، الأوليجارشية، الديمقراطية، وحكومة الطغيان من الحكومات الفاسدة ،لأنها لا تحقق المثل الأعلى أو النموذج الأمثل للعدالة في الدولة.
ومن الطبيعي أن يحدث تحول لفكر أفلاطون السياسي فينتقل من مرحلة المثالية إلى الواقعية، لذا وجدنا أستاذنا النشار يحدثنا عن الجانب الثاني من فكر أفلاطون السياسي والمتعلق‘‘بالسياسي والتأكيد على أهمية علم السياسة’’ فيقول: إن أفلاطون قد اعترف بهذا الانتقال بل اعتبره ضرورياً حتى تكتمل نظريته في السياسة .وعلى أية حال فقد بدأ أفلاطون هذا الجانب بحديثه عن موضوع مكانة السياسة ومن هو السياسي؟ وانتهى إلى أن السياسية تعد  فناً ، واعتبر علم السياسية علماً ملكياً يتضمن سائر العلوم الأخرى ، وأن السياسي هو العارف بهذا العلم. ولم يقتصر أفلاطون على ذلك حيث ذهب إلى القول بأن السياسي المتخصص هو الذي يعترف بوجود أشكال عديدة للحكومات، لذا نجده يتحدث عن موضوع ‘‘أشكال الحكومات’’ ، وكالعادة قسم أفلاطون هذه الحكومات إلى صالحة وهى: الملكية ، الارستقراطية، القلة، حكومة الديمقراطية. وإلى حكومات فاسدة منها:  الطغيان ، الأوليجارلية ، والديمقراطية المتطرفة.
ثم شرع أفلاطون في وضع القوانين ليوضح الخطوات العملية لتحقيق المدينة الصالحة، لذا نجد أستاذنا النشار يتناول الموضوع الثاني من فكر أفلاطون السياسي وهو ‘‘ القوانين ونظرية الدولة المختلطة’’، ولم تكن الدولة المختلطة عنده مجرد توازن بين القوى السياسية ، بل أوجد  لها شروطاً قد تكون طبيعية أو مادية . والجديد هنا من وجهة نظر أستاذنا  أنه بدأ يتخلى عن الشيوعية التي سبق و أن  أقرها من قبل، إلا أنه  ظل متمسكا به كنظام مثالي.وقد أرجع أستاذنا  تخليه عنها إلى اعتقاده باتصاف الإنسان بالضعف.أما بالنسبة للنظام التعليمي فإنه لم يتغير كثيراً عما ذكره من ذي قبل.
هذه هي نظرية أفلاطون في السياسة كما قدمها أستاذنا ، غير أنه قام بتقييمها ووجه إليها بعض الانتقادات حيث رأي أن الكثير قد غالى في تحميل أفلاطون أخطاء لا تنطبق على حقائق الأشياء بيد أنه لا يتفق معهم – إلى حد ما- فيما انتهوا إليه. وهذا لا يعنى اتفاقه معهم على طول الخط ، حيث وجه إليه عدة انتقادات ، غير أنه انتهى إلى القول بأن هذه الانتقادات لا تقلل من شأنه وقدره، كما اعتقد بأن أفلاطون لو أمهله الزمن قليلاً لقدم لنا كتابات عديدة أكثر واقعية من ناحية، ورد بها على العديد من نقاده من ناحية أخرى.
وعلى أية حال فقد انتقل أستاذنا ثالثاً إلى الحديث عن ‘‘ فلسفة أرسطو السياسية’’ وعند قيامه بذلك لاحظ أن الحديث عن فلسفة أرسطو السياسية جعل الباحثين منقسمين إلى فريقين:  الأول يناصر أفلاطون ويعلى من قدره . والثاني  يناصر أرسطو ويعلى من قدره غير أن أستاذنا قد عبر عن وجهة نظره في ذلك قائلاً: إننا مهما قلنا عن أرسطو من مزايا-أو غيره- فإنه يعد في الحقيقة تلميذاً لأفلاطون، كما أن معظم أرائه السياسية مستمدة من فكر  أفلاطون وفلسفته.
ولقد تعمق أستاذنا في فحص وتحليل فلسفة أرسطو السياسية ، فوجده مهتما بها في كتابين رئيسيين : الأول كتاب ‘‘السياسة’’ والثاني‘‘النظم السياسية’’ الذي يتضمن مجموعة كبيرة من الدساتير ولذلك يُطلق عليه أحيانا ‘‘ كتاب الدساتير’’ . أما بخصوص كتابه المسمى بالسياسة فقد استهل بالتأكيد على ضرورة اعتبار الدولة أو المدينة مجتمعاً طبيعياً سابقاً منطقيا لسائر المجتمعات الأخرى كالأسرة  والقبيلة ، حيث تشمل سائر المجتمعات الأخرى من ناحية ، وتفي بحاجات المرء ومطالبه من ناحية أخرى وهذا ينم – كما يري أستاذنا- عن اعتناقه لحقيقة كون الإنسان حيواناً مدنياً، وأنه لو أراد العيش بمعزل عن الدولة أو المدينة فلا يعد إنساناً بأية حال من الأحوال.
ثم لاحظ أنه يفرق بين الدولة والحكومة ، فالدولة هي مجموع المواطنين أما الحكومة فهي الفئة التي تأمر وتنظم أمور الدولة وتتولى الإشراف على الوظائف العامة.إذا فالحكومة عنده نوعان كما حدثنا أفلاطون من ذي قبل ، منها الصالحة وهى الملكية ، الارستقراطية، والديمقراطية وهى التي تعمل لخير الأفراد وتحقيق سعادة المجموع ، ومنها الفاسدة وهى الطغيان، الأوليجاركية والديماجوجية وهى التي تعمل لمصلحة أفرادها فحسب وتدير مصالحها الخاصة على حساب مصلحة المجموع. وهنا نجد أستاذنا النشار يوجه انتباهنا إلى حقيقة مهمة و هي أننا لو تساءلنا عن أفضل الحكومات من وجهة نظر أرسطو، لوجدناه يؤكد على أن الحكومة الدستورية هي من أفضل الحكومات، وذلك لأنها وسط من الحكومة الارستقراطية والديمقراطية . ثم تساءل أرسطو عن كيفية تكوين الثروة كيفية توزيعها، و توصل إلى أن تكوين الثروة قد يكون من خلال الصيد والرعي والزراعة والحرب، أو من خلال طرق غير طبيعية أخرى مثل التجارة . وانتهى إلى أن الظلم الذي قد يقع على البعض بسبب توزيع الثروة قد يسهم بدور كبير في حدوث ثورة نظراً لشعور البعض بعدم المساواة . لذا فهو يري أنه في مقدورنا منع أية ثورة ، غير أنه اشترط ثلاثة شروط لتحقيق ذلك هي بث الدعابة في تربية النشء ، احترام القانون ، والعدالة  أو المساواة.وهنا نلاحظ أن آراء أرسطو السياسية تتطابق مع واقعنا السياسي الحديث والمعاصر فما حدث في ثورة 25يناير المجيدة كان نتيجة لغياب العدالة والمساواة وتفشى الظلم وقمع الحريات.
كما يري أستاذنا النشار أن كتاب أرسطو في السياسة قد تضمن فصولا رائعة و لاسيما التي حاول من خلالها التمييز بين السلطات الثلاث للدولة: أي السلطة التشريعية، التنفيذية والقضائية. وهنا نجد أستاذنا يرجع الفضل لأرسطو في أنه أول من وجه الأذهان إلى ضرورة الفصل بين السلطات الثلاث المعمول بها في أيامنا تلك . كما تحدث أرسطو عن مسألة الرق ،إذ  اعتبره نظاماً طبيعياً، غير أنه أوصى بعتق عبده ، ونصح البعض بالرفق في معاملة العبيد والعطف عليهم . وكذا  تضمن الكتاب فصولا ممتعة عن موقفه من الطغيان الذي كان معاديًا له و الذي اعتبره عنفا وظلما.
ثم تطرق أستاذنا إلي بيان وجهة نظر أرسطو في مسألة المدينة الفاضلة ، غير أنه قبل قيامه بذلك وجه انتباهنا لحقيقة مهمة هي أن الكثيرين من الباحثين قد يغفلون هذه المسألة وتأكيداً لذلك نجده يقول : لا نجد واحداً من المفكرين المهتمين بأرسطو قد عرضوا لهذه المسألة ، مع أنه اهتم بها اهتماماً كبيراً في كتابه السياسة سالف الذكر.ومع ذلك فقد لا حظ أستاذنا النشار أنه على الرغم من تأثر أرسطو بأستاذه أفلاطون في هذه المسألة إلا أن الصورة التي وضعها لهذه المسألة جاءت ناقصة تماماً و لم ترق بأية حال من الأحوال إلى الصورة التي انتهى إليها أستاذه أفلاطون من ذي قبل. وقد أرجع  أستاذنا النشار ذلك لأسباب عديدة منها : تعمد أرسطو عند حديثه عن المدينة الفاضلة أن يجمع بين أمور يتعذر الجمع بينها، وكذا جمع فيها بين أمور تخص الواقع تارة ، والخيال تارة أخرى. لذا استنتج أستاذنا من ذلك أن مدينة أرسطو التي تحدث عنها كانت شاحبة اللون – على حد قوله- وخالية من الذوق والجمال اللذين أضفاهما أفلاطون على مدينته المثالية من ذي قبل.
كما لاحظ أستاذنا أنه في ثنايا عرض أرسطو لفلسفة السياسة قد أشار إلى ظاهرة جديرة بالملاحظة هي موقفه من نفى العلماء . إذ كان معارضا تماما لهذه المواقف التي  قد يتخذها البعض تجاه العظماء من العلماء، كما وجده متأثراً في رأيه هذا بنظرية أستاذه أفلاطون في الحكم الأمثل أو الحاكم الفيلسوف.
وبعد أن عرض أستاذنا لنظرية أرسطو السياسية وجدناه يقيمها فذهب إلى استحالة إغفال حقه فيما توصل إليه من آراء جريئة ظلت موجودة حتى أيامنا تلك .كما وجده يقدم لنا نظريات صائبة. غير أنه  وجه إليه عدة انتقادات نشأت كلها -من  وجهه نظر أستاذنا – من مخالفته لمنطق مذهبه الذي يميل إلى الاستقراء والتحليل المبنى على الواقع الاجتماعي والسياسي من ناحية، ومما يمتلكه أرسطو من قدرة عقلية فذة تجعله لا يقع في مثل تلك السقطات أو الأخطاء من ناحية أخرى .
وبخصوص الباب الثاني المعنون ‘‘ بالفكر السياسي الغربي في العصر الروماني والوسيط’’ نجد أن أستاذنا النشار قد قسمه إلى فصلين يحملان تباعا العناوين التالية: الفكر السياسي في العصر الروماني،و الفكر السياسي المسيحي . ففي الفصل الأول نلاحظ أنه يلقي الضوء على حقيقة مهمة هي أن الكثير قد نظروا إلى الفترة التي تلت وفاة أرسطو وحتى ظهور الإسلام  علي أنها لم تشهد تطورا ملحوظاً ، إلا أنه رأي أنه كانت هناك كثير من التطورات السياسية في تلك الفترة سواء على الصعيد النظري أو التطبيقي/ العملي . ولم يتوقف أستاذنا النشار عند ذلك الحد حيث رأي أن هناك تطوراً هائلاً قد حدث ، فنحن لا نستطيع أن ننكر مثلا تكوين الإمبراطوريات الضخمة وما صاحبها من الدعوة إلى مبادئ فلسفية جديدة مثل : الأخوة العالمية ، ضرورة المشاركة السياسية بين الشعوب المختلطة، والعودة إلى فكرة القانون العلمي والاستفادة منه في تعظيم فكرة المواطنة العالمية.
 وتأكيداً لهذه الحقيقة التي تبناها أستاذنا النشار نجده يشير لنا في عجالة سريعة إلى أبرز معالم التطور في هذه الحقبة التي كثيرا ما يهملها الناظرون إلى المعالم الكبرى في تطور الفكر السياسي القديم. فنظر أولا:  إلى ‘‘أبيقور’’ فوجد أنه على الرغم من الطابع السلبي لفكره المتمثل في الانسحاب من الحياة الاجتماعية ومحاولة التخلص من ألم الجسم والنفس عبر الاكتفاء بحياة الصحبة والصداقة، إلا أنه لم يكن من أنصار تلك الحياة الانسحابية، أنه بإمكاننا الاستناد إلى أحد المبادئ الأخلاقية الأبيقورية لنكشف عن  البعد السياسي في تفكيره. ثم نظر ثانيا : إلى ‘‘الرواقيين’’ فوجد أنهم كانوا على وعى تام بتطور مفهوم الدولة منذ انهيار مفهوم دولة المدينة وبداية تأسيس ‘‘الإسكندر الأكبر’’ للامبرطورية المقدونية وحتى عصور الدولة الرومانية المتعددة في تطوراتها المختلفة حتى الثلث الأول من القرن السادس الميلادي . كما وجد أنهم طوروا مفهومهم للدولة والدور القانوني فيها. و قد لمح أستاذنا النشار هذا التطور في الفكر الرواقي الذي تطور عبر عصور المدرسة الرواقية الثلاثة، أعنى الرواقية القديمة، الوسطى والرواقية الحديثة. ومع ذلك قد اعترف بصعوبة تتبع كل ما حدث من تطور في الفكر الرواقي عموما ، وفى فكرهم السياسي خاصة، و قد أوضح لنا أن الصعوبة تكمن هنا فى صعوبة تتبع الخيط المشترك الذي اتفق الرواقيون عليه ولم يغيروا فيه كثيرا. هذا الخيط الذي نبع من جوهر فكرهم الفلسفي بدءاً من مؤسس الرواقية ‘‘زينون’’وحتى آخر زعمائهم الكبار ‘‘ماركوس أوريليوس،،.
وعلى الرغم من تأكيد أستاذنا على التطور الذي أحدثته الرواقية، إلا إنه نظر إلى آرائه السياسية فوجدها تتسم بالثورية والديناميكية وخصوصاً فيما يتصل بدعوتها إلى الأخوة العالمية وحكم العقل والقانون الطبيعي والرعوية العالمية . كما يري أن ثوريتها لا تقف عند عصرها فحسب بل تستمر حتى أيامنا تلك ،وتأكيداً لذلك نجده يقول : إن ما انتهى إليه قد أكد عليه بشكل أو بآخر ‘‘فؤاد شبل’’ في كتابه ‘‘الفكر السياسي’’
وأخيرا نظر أستاذنا إلى ‘‘سيشرون وفلسفته السياسية’’ فوجده من المنتمين إلى الفلسفة الرواقية والمؤمنين بها رغم تلمذته على يد  مدارس فلسفية وقانونية عديدة .كما اعتبره من أوائل الكتاب السياسيين لروما القائلين بالنزعة العالمية التي تهيمن عليها قضايا العمل والقوة.كما أن فلسفته السياسية قد تمركزت حول تطوير وتأكيد المبدأ الرواقي الشهير الداعي إلى العودة إلى القانون الطبيعي والالتزام به والتصرف وفقا له .أيضا أكد على عدم تعارض القانون الطبيعي مع القانون الوضعي بأية حال من الأحوال .
أما الفصل الثاني والمعنون ‘‘بالفكر السياسي المسيحي’’ فيهتم فيه أستاذنا النشار بإيضاح حقيقة مهمة هي أن ظهور الديانة المسيحية قد أثر على مجرى الأحداث السياسية في ربوع الإمبراطورية الرومانية في الشرق والغرب من ناحية، كما ساهم في ازدياد أنصار القائلين بالدعوة إلى المساواة بين البشر والأخوة العالمية والدعوة إلى الدولة العالمية التي يتساوى في ظلها الجميع من ناحية أخرى.
 إن ما يريد أن يقوله لنا أستاذنا هو أن ظهور المسيحية قد جعل مسألة العلاقة بين الدين والدولة مسألة ذات أهمية قصوى و أنها بحاجة دوما إلى حلول. كما أن القديس ‘‘أوغسطين’’ قد لعب دورا رئيسا في إيجاد حلول لهذه المسألة وخصوصا في كتابه الشهير‘‘مدينة الله’’.وذلك لأن القديس ‘‘أوغسطين’’ من وجهة نظره يعد البداية الحقيقة للفكر الفلسفي المسيحي رغم اصطباغ فكره بصبغة دينية واضحة تغلبت على منطق العقل في كثير من الأحيان.
 و نلاحظ أن هناك تطورات فكرية وسياسية عديدة قد حدثت في الفترة الفاصلة بين القديس ‘‘أوغسطين’’ وبين القديس ‘‘توما الأكويني’’، إلا أنها كانت بطيئة إلى حد ما .ومن أبرزها ذلك الصراع الذي نشب بين السلطة الدينية ‘‘الكنيسة’’ والزمنية ‘‘ الدولة’’. كما ظهر على الصعيد التاريخي الديني الإسلامي وما حمله من تعاليم دينية تبشر بصورة أكثر اتصالاً بين الدولة والدين، وهى الصورة التي عبر عنها المثل الحي للدولة الإسلامية التي بدأت تتشكل على يد النبي محمد‘‘ص’’ في المدينة المنورة ، وتوسعت حتى أصبحت امبرطورية كبرى على يد الخلفاء الأمويين والعباسيين على حد سواء.
غير أن ما يشغل بال أستاذنا هنا في هذا المقام هو القديس ‘‘توما الأكوينى’’  حيث اعتبره من أعظم فلاسفة المسيحية ومن أشهر وألمع الأسماء التي تحتل مكانة فريدة في تاريخ الفكر السياسي. و رغم ذلك فقد وصفه بالتناقض و لاسيما عندما حاول ‘‘الأكوينى’’ – خلافاً لفكر  أرسطو- الجمع بين أنظمة الحكم الثلاثة الصالحة أعنى الملكية، الارستقراطية، الديمقراطية. و قد أرجع هذا التناقض إلى اتصاف مذهبه الفلسفي بالنقص من ناحية ، ومرونته ومحاولته التعبير عما كان يجرى في عصره من تحولات سياسية من ناحية أخرى .
أما الباب الثالث والأخير والمعنون ‘‘ بالفكر السياسي الإسلامي’’ فقد قسمه أستاذنا إلى ثلاثة فصول وهو يحمل تباعا ًالعناوين التالية: فلسفة الإسلام السياسية، الفارابي رائد الفكر السياسي  ، وفلسفة ابن خلدون السياسية. ويهدف أستاذنا من الفصل الأول التأكيد على حقيقتين:  الأولى هي أن للتراث السياسي الإسلامي تأثيراً كبيراً جدا على نظريات الدولة الحديثة . والثانية تتعلق بإيمانه الراسخ بأن فلسفة الإسلام في الحكم هي الأساس الذي يجب أن يقوم عليه الحكم  في الدولة المؤمنة بالإسلام دينا ًوبالشريعة منهجا ًللحكم ، حيث يرى أن هذا النظام هو أصلح النظم لواقعنا وظروفنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية. و علاوة على ذلك فإنه يجمع في طياته كل مميزات النظم السياسية العالمية المعاصرة على حد سواء.
وتأكيدا لهذا الزعم نجد أستاذنا يقول: إن الدارس لنظريات ‘‘الفارابي وابن خلدون’’ السياسية يجد أن هناك عدداً من النظريات التي توصلا إليها، هي نفس ما توصل إليه فلاسفة السياسة في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر.لذا وجدناه يعرض لنا في الفصل الثاني ‘‘للفارابي’’ ويعتبره رائدا ًللفكر السياسي الإسلامي، بل وقال عنه كما قال الدكتور‘‘محسن مهدي’’:  إنه أول فيلسوف يحاول إقامة التوافق بين الفلسفة السياسية الكلاسيكية القديمة وبين الإسلام كدين أوحى به إلى النبي محمد‘‘ص’’ متضمنا ًقانونا ًسماويا ًمقدسا.ً
وعند تقديم أستاذنا لفلسفة الفارابي السياسية وجده يهتم بالتأكيد على ضرورة الاجتماع البشرى واعتبار المدينة هي الخلية الأولى للمجتمعات الكاملة  ، وبضرورة تقديم نظرية للمدينة الفاضلة، تلك المدينة التي اشترط فيها عدة شروط كي تكون فاضلة منها: مطابقة النظام العضوي، التدرج في المراتب ، مطابقة النظام الكوني. وكذا بضرورة تقديم نظرية للحاكم الفيلسوف أو النبي ، تلك النظرية التي اعتمد في عرضها لنا على أفلاطون من ناحية و على الإسلام من ناحية أخرى.
وهذا معناه أن ‘‘الفارابي’’ – من وجهة نظره - قد أكد على ضرورة وجود المدينة الفاضلة وتأسيسها على الحرية. لذا فقد توصل إلى أنه لو تم تأسيسها على القهر والاستعباد فلا تكون فاضلة بل تصبح مضادة لها ، و قد قسم تلك المضادات إلى أنواع منها: المدينة الجاهلة، المدينة الفاسقة، المدينة المبدلة، المدينة الضالة.
وعلى أيه حال فإن ‘‘الفارابي’’ من وجهة نظر أستاذنا قد انشغل بالسياسة وجعلها شغله الشاغل لدرجة أنه لم يدع فرصة تمر عليه دون معالجة سياسية من مختلف نواحيها ، على الرغم من عدم اختلاطه برجال السياسة أو تقلده المناصب السياسية. كما تأثر بكل من ‘‘أفلاطون وأرسطو’’ في بعض الأفكار السياسية،  إلى جانب محافظته على شخصيته والإبقاء عليها. ومع ذلك فقد وجه إليه أستاذنا العديد من الانتقادات منها: إنه لم يحاول تحديد أشكال الحكومة كما فعل أفلاطون، كما لم يذكر لنا طريقة اختيار الرئيس ولا طريقة تثقيف أهل المدينة.....إلخ.
كما عرض أستاذنا في الفصل الثالث والأخير‘‘ فلسفة ابن خلدن السياسية’’ فاعتبره قمة من القمم في الفكر السياسي الإسلامي نظر لأنه المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع، علم التاريخ ، وفلسفة التاريخ  والواضع الحقيقي لعلم الاقتصاد السياسي وعلم النفس السياسي. كما وجد له العديد من الكتب التي تخدم المجال السياسي في عصره، غير أنه أقر بعدم وصولها إلينا كاملة ، اللهم إلا عدداً محدوداً منها: ‘‘العبر، ديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب، والعجم والبربر’’ .
ولقد قسم أستاذنا فلسفة ‘‘ابن خلدون’’ السياسية إلى ثلاثة أقسام رئيسة:الأول خلقي ويختص بتحديد العلاقة القائمة بين السلطان والرعية، الثاني عملي ويختص بتصرف الحكومة نحو الأفراد فيما يتعلق بالمسائل العامة ويكون جزءاً من التشريع، والثالث نظري ويختص بنظام الخلافة وضرورتها وأساسها من الدين والعقل.فابن خلدون من وجهة نظره قد استطاع أن يستخلص السياسة من الاعتبارات الدينية، كما استطاع أن يشرحها بطريقة أصح من الوجهة العملية. وتأكيدًا لذلك نجد أستاذنا يقول: لو جعل ‘‘ابن خلدون’’ السياسة موضوعاً نظرياً لكان شأنه أقل بكثير من أفلاطون وأرسطو، ولصارت الحكومة عنده شكلا ًواحداً وهو الشكل المتمثل في الحكومة المطلقة، ذلك الشكل الذي يختلف كثيرًا عن النظم اليونانية.
وعلى أية حال فقد ركز أستاذنا في فكر ‘‘ابن خلدون’’ السياسي على حقيقة  أن الاجتماع الإنساني ضروري ، وهذا معناه أن الإنسان عند ‘‘ابن خلدون’’ مدني بالطبع، وهذا دفعه إلى الاهتمام بالحديث عن نظرية شاملة ومختصة بالعمران البشري ونشأته، وإلى الحديث عن أثر الإقليم على الدولة والسكان، و كذا إلى الحديث عن أثر العصبية على كل من السكان وبناء الدولة.كما حاول ‘‘ابن خلدون’’ ربط الاقتصاد بنظريته السياسية، حيث اعتبر الاقتصاد عاملًا مهمًا وأساسيًا ومؤثرًا في الدولة وتطورها وانهيارها ، ومؤثرا أيضا في أخلاق الناس وعاداتهم ودياناتهم . ‘‘فابن خلدون’’ من وجهه نظر أستاذنا قد سبق أرسطو و لاسيما عند حديثه عن الاقتصاد السياسي ، بل واعتبره إماما لعلم الاقتصاد السياسي.
هكذا قدم أستاذنا عرضًا جيدًا لفلسفة‘‘ابن خلدون’’ السياسية ، غير أنه اعتقد أنه لم يقدم لنا ‘‘ابن خلدون’’ بالصورة  الحسنة التي ينبغي أن يكون عليها ‘‘ابن خلدون’’ ، حيث يرى أستاذنا بأن كل ما قدمه بخصوصه لم يف بحق ‘‘ابن خلدون’’ بأيه حال من الأحوال.كما يري أن هناك نظريات سياسية أخرى ‘‘لابن خلدون’’ لم يتمكن أستاذنا من عرضها. تمثلت هذه النظريات في نظرية ‘‘ابن خلدون ’’ في أفضل الحكومات أو الحكومات المثلى، وفى نظرية ‘‘ابن خلدون في السياسة التعليمية، تلك النظرية التي ينصح ابن خلدون باستخدامها كي يحصل العلم تحصيًلا جيدًا وسليمًا.
و رغم من ذلك لم يستطع أستاذنا إنكار بعض عيوبه ، إلا أنه اعتبرها زلات وهنات يمكن أن تغتفر له خصوصا إذا ما قيست بما قدمه للفكر البشرى من خدمات لا ينكرها إلا مكابر. لذا نراه يعترف بتأثير ‘‘ابن خلدون’’ على سائر المفكرين  الغربيين ، كما حثنا على إعادة النظر – مرة أخرى – في تراثه الفكري لما فيه من أصالة ومعاصرة.




تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة