ما بعد العولمة

" ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه " للدكتور/ مصطفى النشار، دراسة تحليلية للكتاب


جميل أبو العباس زكير بكري
مدرس مساعد، كلية الآداب، جامعة المنيا
rayanabbass@mu.edu.eg

مقدمة:
         لم يكن كتاب "ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه" للفيلسوف الإنسان الأستاذ الدكتور "مصطفى النشار" وثبة عبثية في عالم الخيال المفارق للواقع المعيش، وإنما جاء كحلقة ضمن نسق فلسفي متكامل، يتميز بالاتساق والمنطقية والشمولية بدءًا من العولمة، إلى ضد العولمة، ثم إلى ما بعد العولمة، انتهاءً بالحديث عن مستقبل التفاعل الحضاري، الذي يُعد ذروة سنام العالم الراهن.
        فليس بدعًا أن يقف الدكتور "النشار" من العالم والحضارة الغربية موقف المنتقد، لا موقف المعتقد؛ وذلك لأنه لم يلهث وراء سراب إدعاء سيطرة الحضارة الغربية الخادع وعظمتها المزعومة، كما فعل الكثيرون من المتغرِّبين الذين انسلخوا من هويتهم، وعروبتهم، واتخذوا من الغرب إلهًا يسبحون بحمده ليل نهار، وكأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. كما أن فيلسوفنا لم يكن كالكثيرين من فلاسفة الغرب المتعصبين الذين قالوا بنهاية التاريخ عند حضارتهم والذي منهم، على سبيل المثال لا الحصر، الفيلسوف الألماني "جورج هيجل" الذي تتمثل نهاية التاريخ عنده في المجتمع الليبرالي، ومن بعده "كارل ماركس" حيث تتمثل نهاية التاريخ عنده في المجتمع الشيوعي الذي تذوب فيه الفروق الطبقية، انتهاءً بـ "فرنسيس فوكوياما" الذي قال في كتابه "نهاية التاريخ ونهاية البشر":( إن التاريخ سوف يصل إلى نهايته حينما تصل البشرية إلى النظام الاجتماعي الذي يشبع الحاجات -المادية- الأساسية للبشر... وأن هذا النظام يتمثل في النظام الديمقراطي الليبرالي) ([1]). وهو يعني به الديمقراطية الأمريكية. وإنما كان النشار فيلسوفًا موضوعيًا إلى حد كبير؛ تناول الحضارات المختلفة بداية من الحضارة المصرية القديمة، وما عاصرها من الحضارات الأخرى، حتى الحضارة الغربية المعاصرة بالعرض، والتحليل، والنقد، مبينًا لكل حضارة ما لها وما عليها في ضوء الحيادية الصادقة، وإن كانت الطبيعة البشرية تميل، في أغلب الأحيان، إلى المُناخ الذي ترعرعت فيه، وبالتالي للحضارة التي نشأت تحت وطئتها ومن هنا كان اعتزاز فيلسوفنا بحضارته الإسلامية والعربية.

         وإذا كان فيلسوفنا تحدث عن ما بعد العولمة، وإن كان هذا إذعانًا منه بنهاية العولمة إلا أن النهاية -بحسب ما يقول علي حرب- ليست إيذانًا بتأييد اللحظة والراهن أو وصول ذي النهاية، أيًا تكن، إلى اكتماله وتمامه، وليست نهاية الأفول والانهيار أو الزوال والاندثار، بل تعبير عن انقلاب وجودي وفتح كوني يخضع العالم فيه لتحولات تنقلب معها القيم والمفاهيم، وتتغير المشروعيات والمهمات بقدر ما تتجدد القوى والوسائل والمؤسسات([2]).
         ولئن كان الحديث عن المستقبل يَعُدُّهُ بعض المفكرين ضربًا من ضروب الرجم بالغيب، إلا أننا نستطيع أن نؤكد بشكل حازم أن رؤية فيلسوفنا ذات دلالة إيديولوجية ناصعة لأنها لم تتسم بطابع التكهن والخرافة، وإنما بُنيت على أسس منطقية بدأت بمقدمات منتهية بنتائج تلزم عنها بالضرورة. وكيف أن كل هذا لا يمكنه أن يحيد أو أن يتعارض مع المشيئة الإلهية المنظمة للكون وما يحدث فيه. ولم لا والدكتور "النشار" واحدًا من أكثر الفلاسفة المؤمنين المتمسكين بإسلامهم وهذه السمة كثيرًا ما نجدها في كتاباته المتعددة.
تحليل الكتاب:
         في معرض تناولنا لكتاب فيلسوفنا " ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه  "موضع الدراسة والتحليل وهو يمثل حلقة ضمن سلسلة كتب لفيلسوفنا، والتي تناولت قضية العولمة منذ بزوغها، وحتى موتها ونهايتها وما بعدها، والتي بدأت بكتاب "ضد العولمة" الطبعة الأولى عام 1999م عن دار قباء بالقاهرة، والذي تم طباعته للمرة الثانية عام 2001م عن الدار نفسها، ثم كتاب "في فلسفة الثقافة"، الطبعة الأولى عام 1999م عن دار قباء، وكتاب "بين قرنين معًا إلى الألفية السابعة"، الطبعة الأولى عام 2000م الصادر عن الدار ذاتها، وانتهاءً بالكتاب الذي بين أيدينا والذي كانت طبعته الأولى عام 2003م عن دار قباء أيضًا والذي جاء في (300) ثلاث مائة صفحة.
وقد تسنى لهذا الكتاب أن يمتلك عوامل الإبهار والإذهال، إذ ترك في نفس القارئ انتظارًا مسربلًا بالدهشة والذهول، وعطشًا مُضنيًا لمعرفة ما سيحدث للعالم. وقد جاءت صفحاته تلتف وتتلوى كمتاهات مسكونة بالضباب، فتسرقنا من لحظتنا الراهنة لتجعلنا نسبح في عالم الخيال بحثًا عن عالم أفضل.
 وقد بدأ فيلسوفنا كتابه الرائع بالنداء، ثم التصدير، والمقدمة، ثم قسَّمه إلى ثلاثة أجزاء رئيسة؛ حيث يتناول في القسم الأول ما بعد العولمة ومستقبل التفاعل الحضاري، بينما يتناول في القسم الثاني قراءات جزئية لمستقبل التفاعلات الحضارية، في حين جاء القسم الثالث والأخير بعنوان: نحن والمستقبل: موقفنا منه وآليات مشاركتنا فيه.
التصدير:
         وقد جاء في التصدير توضيحه للمهمة الرئيسة للفلسفة والفيلسوف، والذي أكد أنها قراءة المستقبل، ومحاولة تحديد معالمه من خلال القراءة الواعية لأبعاد الحاضر، والاستفادة من دروس الماضي([3]). وإن كان قد وضح فيلسوفنا أن البعض قد حصر مهام الفلسفة في ثلاث: التبرير والتفسير والتغيير، إلا أنه قد فنَّد كل هذه المهام وأكد أن وظيفة الفلسفة هي قراءة المستقبل كما ذكرت آنفًا. وإن كنت أرى في هذا الإطار أن فيلسوفنا قد أضاف مهمة ثالثة للفلسفة كان قد تغافل عنها الدكتور/ نصار عبد الله حين جعلها تنحصر بين التبرير والتغيير على مدار تاريخها الطويل فحسب([4])، ألا وهي مهمة التفسير وإن كان الدكتور/ النشار قد رفضهم جميعًا، إلا أنني أرى من وجهة نظري أنه لا مانع من أن يكون الفيلسوف مفسرًا ومبررًا للوضع الراهن من ناحية، أو مفسرًا ومحاولًا تغييره من ناحية أخرى، مع تقديمه لقراءة مستقبلية له في الآن ذاته وفي كل من الحالتين.
  وعلى هذا نستطيع القول: إذا كان الفيلسوف يُهاجم باعتباره يعيش في برجٍ من عاجٍ، ولا يعي طبيعة العالم الحقيقي، ويُتهم بأنه يعيش في وادٍ والعالم في وادٍ آخر، إلا أن الدكتور/ النشار قد أثبت بالفعل أنه يعيش ظروف عصره، ومجتمعه، بل وعالمه، وذلك من خلال قراءته للمستقبل والتنبؤ بما سيجري فيه من أحداث وتغيرات معتمدًا في ذلك على القراءة الواعية والمتعمقة لأبعاد الحاضر، بالإضافة إلى القراءة الفاحصة لما حدث في الماضي، وإدراك العلل الجوهرية التي قادت أحداثه، وصنعت التقدم فيه في مختلف المجالات. ومن هنا نستطيع أن نخلع ما يقوله "ميلاد زكي" على فيلسوفنا إذ يقول:" الفيلسوف هو دائمًا ابن العصر، وقد يأتي بالجديد وقد يناقض العصر، ولكنه مع ذلك وعلى أي الأحوال يظل ابن العصر. لذلك فإن دراسة الفيلسوف تقتضي دراسة العصر الذي عاش فيه"([5]).
ليس بدعًا أن يصطدم فكر الفيلسوف بمشاعر مجتمعه بل وعالمه، وذلك لأنه يرقي بفكره إلى ما وراء الواقع المعيش بحثًا عن عالم أفضل من خلال قرائته المستقبلية الناجعة مما يودي به، في نهاية المطاف، إلى نبذه واستهجانه. ولكن الطريف في الأمر، أنه بعد حين من الدهر تتحقق نبوءة الفيلسوف ورؤيته المستقبلية لأحداث العالم، ويثبت صدق ما قاله، وبالتالي تصدق قراءته للمستقبل، وبهذا يكون ما قدمه الدكتور النشار عن "ما بعد العولمة" قد تحقق منه البعض وفي انتظارنا لتحقيق البعض الآخر. كما وضح فيلسوفنا كيف كانت بداية اهتمامه بالمستقبل والحديث عنه والتي عزاها إلى مقالاته الأولى في جريدة الأهرام اليومية، وما لبث أن تحولت فكرته عن المستقبل إلى الكتاب الذي بين أيدينا. وقد أكد أن هدف هذا الكتاب هو إعطاءنا دافعًا إيجابيًا لمواصلة قراءة المستقبل والتعامل معه بقيم جديدة تتوافق مع العصر بقدر ما تحافظ على الهوية. تتحاور مع الآخر من منطلق الثقة بالنفس وبناء عوامل الذاتية، فلا حوار دون امتلاك القوة المكافئة لقوة من نتحاور معه. وهذه القوة تتمثل في امتلاك عوامل القوة الذاتية اقتصاديًا، وعلميًا، وتكنولوجيًا، وعسكريًا، وسياسيًا([6]).
المقدمة:
         أما بالنسبة لمقدمة الكتاب؛ فقد جاءت بعنوان من "ضد العولمة"، إلى "ما بعد العولمة"، وفيها يعرض الدكتور/ النشار للتساؤلات التي تمثل الإشكالية العامة للكتاب، وما تحويه من إشكاليات أخرى فرعية ناجمة عنها. وقد جاءت هذه التساؤلات في صيغة قضايا؛ القضية الأولى: وفيها يتساءل عن  ماهية الصورة العامة للأحداث القادمة؟ وما هي الملامح الأساسية لصُناع هذه الأحداث؟ وهل سيستمر اللاعبون الأساسيون على سيرك الحياة المعاصرة للعالم هُم هُم؟ أم أنهم سيتغيرون بعدما طال الزمن باستبدادهم وآن أوان زوال هيبتهم وسلطتهم ؟! أما القضية الثانية: فهي محاولة للتدليل على الرؤية الفلسفية العامة للمستقبل؛ وهى أن المستقبل سيشهد انهيار الطاغوت ( الغرب وأمريكا) داخليًا وخارجيًا، وسيشهد صعود قوى أخرى أكثر اعتدالًا، وأكثر مراعاةً لمصالح بقية الشعوب، وأكثر مراعاةً لتطبيق معايير العدالة على كافة الشعوب. وقد جاء هذا التدليل من خلال تقديم قراءات جزئية لصورة المستقبل بالنسبة للعلم، وبالنسبة لأقطاب العصر القادم وخاصة في آسيا، وبالنسبة لمستقبل الإسلام باعتبار أنه من الممكن أن يكون بديلاً يوتوبيًا للمستقبل إن لم يكن القريب فالبعيد. وفي إطار ذلك يتساءل فيلسوفنا ماذا نحن فاعلون إزاء هذه القراءة للمستقبل بشقيها العام والجزئي؟ ثم يُجيب بأننا أصبحنا أسرى ثنائية فجة لا تؤدى مطلقا إلى أي تقدم بل تؤدى إلى التشرذم!!([7])
         ولم يكتفِ فيلسوفنا بهذه القضايا في مقدمته، وإنما أكد على رفضه للعولمة؛ من منطلق أننا نرفض أن تصبح ذريعةً للهيمنة على شعوب العالم، وفرض قيم ثقافية، وتقدمية ناقصة، ومشوهة على شعوب وحضارات هي في ذاتها أعرق وأكثر قدرة على النهوض، وعلاج تشوهات، وسد نقائص الحضارة الغربية المعاصرة، وخاصة الصورة الأمريكية منها، كما أكد فيلسوفنا أننا نمتلك إستراتيجية خاصة للثقافة ولمعنى التنمية والتقدم، كما أننا نستطيع-إذا شئنا وأردنا بحق- أن نشارك في صنع الحياة الأفضل لأنفسنا وللآخرين([8]).
القسم الأول: ما بعد العولمة ومستقبل التفاعل الحضاري:
(1)                    انهيار العولمة:
         وفي هذا القسم يتنبأ الدكتور/ النشار بأن عصر العولمة أوشك على الانتهاء، وأن الحديث عن نظام عالمي واحد تقوده الحضارة الغربية ممثلة في أمريكا وأوروبا، وتهيمن عليه الأولى بقوتها العسكرية، والاقتصادية، وبامتلاكها معظم آليات الهيمنة الثقافية والمعلوماتية أصبح حديثًا مشوبًا بالنظرة أحادية الجانب، التي أصبحت محل شك الكثير من المفكرين والمحللين، وبالتالي باتت العولمة تحمل عوامل فنائها بين طياتها، لذا ينبغي الحديث في المستقبل عن "ما بعد العولمة" وليس عن "العولمة" ([9]).
         وقد قدم فيلسوفنا في هذا الجانب أدلته على انهيار العولمة، بعد أن قدم تعريفه للعولمة بأنها محاولة لجعل العالم يتزين بزي موحد من الناحية الاقتصادية، والثقافية، والمعلوماتية، والسياسية، من خلال الدولة الأكثر قوة والمتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال ما يُعرف بـ" أمركة العالم".
         ومن بين أدلته على انهيار العولمة الأمريكية عدة عوامل من بينها؛ أولًا_ أن هذه العولمة مفروضة بالقوة الغاشمة والتي بسببها ستحاول العديد من الدول الانفكاك عنها. هذا بالإضافة إلى أن أمريكا قائدة العولمة لا يعنيها إلا مصالحها الآنية من خلال فرض تحقيق هذه المصالح بالقوة، كما أنها غير صالحة للقيادة من الناحية الأخلاقية، وذلك لتبنيها مبدأ ازدواجية المعايير.
 ثانيًا_ أن طبيعة القوة المسيطرة "الولايات المتحدة الأمريكية" قامت على أكتاف المهاجرين؛ الذين جاءوا من كل صوب وحدب، مع اختلاف ثقافاتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، ودياناتهم، والذي يؤدي بالضرورة إلى عدم الولاء الكامل لأمريكا كالولاء لأوطانهم الحقيقية. كما وضح فيلسوفنا بالأدلة ماهية الصورة الحقيقية لسيد العالم المدعو أمريكا من الداخل، وماهية معالم الشخصية الأمريكية وهي تتمثل في الانهيار الكامل لأمريكا من الداخل واستدل في ذلك بأقوال بعض المشاهير الذين تنبئوا بهذا الانهيار، وكيف أن العقيدة الأمريكية، والثقافة الأمريكية تعانيان أزمة حقيقية قد تكون سببًا في أفول القرن الأمريكي، بالرغم من أن العالم يعيش الآن ما يسمى باللحظة الأمريكية([10]).
ثالثًا_ وفيه يؤكد الدكتور/ النشار أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي تفاوتت التنبؤات حول من يقود التحدي الحضاري المناوئ للحضارة الغربية والهيمنة والأمريكية، ولكن الكثير من المفكرين، والمؤرخين، والفلاسفة، يرون أن التحدي الأعظم سيكون من نصيب آسيا بقيادة الصين، وخاصة إذا ما تم التفاهم المشترك بين الصين واليابان. كما يوضح كيف أن "توينبي"، و "هنتنجتون"، و "فوللر"، وغيرهم يرشحون الحضارة الإسلامية أو الإسلام للتنافس مع الصين وآسيا على هذا التحدي للحضارة الغربية، إلا أن الدكتور/ النشار يؤكد أن هذا التحدي لم يحدث من قبل الإسلام والمسلمون في العالم في المستقبل القريب([11]).
 ولا أدرى على أي أساس أقام الدكتور/ النشار زعمه هذا، وإن كان قد استدل بكلام "فوللر" بأن مصالح الدول الإسلامية الخاصة متباينة بما يكفى للحيلولة دون قيام جبهة مشتركة. وإن كان هذا القول صحيحًا في وقتنا الراهن إلا أن الفرقة والتشرذم لن يدوما، بل سيأتي اليوم الذي ستتحد فيه القوى الإسلامية المختلفة، وستتجمع تحت لواء واحد، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة.
رابعًا_ ومن أدلة انهيار العولمة أيضًا كما يؤكد فيلسوفنا، نقض العولمة وضرورة الانتقال إلى ما بعد العولمة، وفيها يوضح كيف أن العولمة قوة تعتمل داخلها عوامل انهيارها وبذور سقوطها من عليائها وذروة مجدها. وكيف أننا نعيش في عصر لا نقول عصر العولمة، بل عصر خرافة العولمة. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تكاد تهيمن بالفعل على معظم الآليات والاتفاقيات وتناور بها لغرض ما تسميه بـ"النظام العالمي الجديد" أو بـ "العولمة الكوكبية"، إلا أن هذه الهيمنة ذاتها هي أول وأهم المؤشرات على انهيار هذه العولمة وفسادها. وأن ما يحدث في العالم اقتصاديا وثقافيا إنما يشير إلى عكس النغمة السائدة الظاهرة عن العولمة. وقد أكد الدكتور/ النشار صدق كلامه هذا بما أثبتته الكثير من الدراسات أن الاقتصاد العالمي الراهن أقل تكاملًا مما كان عليه النظام الاقتصادي ما قبل العولمي. ومن الناحية السياسية، فإنه لا يوجد حتى الآن ما ندعوه نظام الحكم الأمثل بشكل مطلق،لأن الديمقراطية الأمريكية لا تراعى إلا مصالحها الخاصة بغض النظر عن أي شيء آخر.
وعلى هذا فرغم كل عوامل وآليات التقارب الثقافي المعاصرة، ورغم هيمنة الثقافة الغربية في اللحظة التاريخية الحاضرة، فإن الثقافات القومية ستظل قائمة وستظل تستنهض هِمم أبنائها لمواجهة غزو الثقافة الغربية وهيمنتها وذلك لسببين([12]):
(أ) لأن الثقافة الغريبة المراد عولمتها هي ثقافة ذات بعد واحد، ويعانى أصحابها ودعاتها ذاتهم من هذا النقص، فضلًا عن أنها ثقافة عنصرية متعالية علي غيرها من الثقافات بإدعاء أنها الأكثر إنسانية وتقدمًا .
(ب) الثقافات الأخرى ثقافات ذات بُعد حضاري عريق أكثر توازنًا في تلبية مطالب الإنسان من الثقافة الغريبة، فضلًا عن اعتزاز أصحابها بهوياتهم الثقافية، وقدرتهم علي تجديدها، وتغذيتها بعناصر ثقافية جديدة، مع الحفاظ علي جوهر الثقافة القومية.
(2) مستقبل التفاعل الحضاري فيما بعد العولمة:
أما عن مستقبل التفاعل الحضاري فيذهب الدكتور/ النشار إلى أنه بعد الانتهاء من الحديث عن انهيار عصر العولمة، وتفكك عناصره؛ الاقتصادية، والثقافية، والمعرفية بدأت القيادات والشعوب تسلم باستحالة تحقق الثقافة العالمية الواحدة والسوق العالمية الواحدة....الخ، وبدا في الأفق الاتفاق علي نقض كل ذلك، والعودة إلي الجذور؛ القومية، والأممية، والحضارية المختلفة. وفي إطار ذلك يتساءل فيلسوفنا إذا سلمنا بذلك فماذا عساها أن تكون صورة المستقبل؟ ويجيب عن هذا التساؤل بقوله: إن قراءة صورة المستقبل لا تخرج عن ثلاثة احتمالات:([13]
الأول_ احتمال نشوب صراع يأخذ صورة الصدام المُسلح مثل: الصدام بين الصين والولايات المتحدة .
الثاني_ احتمال يري أصحابه أن الحوار السلمي كفيل بإزالة أسباب الصراع التصادمي (مثل حوار روجيه جارودي) .
الثالث_ احتمال مزيج من الاحتمالين السابقين؛ حيث أن الصراع التصادمي والحوار المترتب عليه يمكن أن تحدث من خلالهما تفاعلات تؤدى إلى بروز قوى جديدة لا يهيمن عليها قطب عالمي واحد أو قطبين بل تتعدد فيه الأقطاب.
فبالنسبة للاحتمال لأول يري الدكتور/النشار أن الغرب لن يتنازل عن عصبيته، وكبريائه، وهيمنته، وهذا يحيلنا إلى الاحتمال الثاني فلم يعد هناك بديل إلا الحوار الذي يغذيِّه تكافؤ القوى المتحاورة عن طريق امتلاك كل قوة لعناصر تفوق تمكنها من فرض رأيها علي الآخر، أو علي الأقل، تمكنها من أن يستمع إليها الآخر الغربي، ويقدر العواقب السلبية المترتبة علي محاولته فرض هيمنته وتحكمه. وهذا ما نراه البديل الأكثر واقعية والأكثر احتمالًا في مستقبل التفاعل الحضاري، وخاصة بعد انهيار خطاب العولمة. وبالنسبة للاحتمال الثاني أيضًا، نجد فيلسوفنا يتفق مع "روجيه جارودي" في التأكيد بأن المستقبل الأفضل للجميع لن يكون إلا بتغيير جذري لعلاقات الشمال مع الجنوب، مع وضع نهاية لسيادة الغرب لتبعية الجنوب ([14]).
أما عن الاحتمال الثالث فيؤكد الدكتور/ النشار أننا نعيش عالمًا يسوده صور جزئية للصراع، وإن كانت بتدبير محكم من القوة والسيطرة، كما نعيش حالة من الدعوة للحوار وهي أيضًا تسير وفقًا لما يحقق مصلحة هذه القوة المسيطرة نفسها (وهذا ما سماه بالحالة السكونية الظاهرة ) ([15]) وهنا يتفق فيلسوفنا مع ما ذهب إليه الدكتور/ وهبة طلعت أبو العلا (رحمه الله) في كتابه "الوجود المقلوب" – على الرغم من اختلافهما في بعض الجوانب- حين ذهب إلى أن الواقع لم يعد من صنع أيدينا، وليس أمامنا من خيار سوى أن نوجد فيه بكيفية ما، وأن نؤدي أدوارًا رُسمت لنا سلفًا، والويل كل الويل لمن يخرج عن هذا الإطار المحدد والمحسوب سلفًا، والذي يهدف دومًا إلى خدمة أهداف أو غايات- تكون في العادة خفية أكثر من كونها علنية- معينة، وهو (الواقع) لم يعد يقبل منا أي تغيير جوهري أو أصيل، لكونه يسير الآن بمنطق التغير المحسوب الذي يجعل كل تغير أصيل في الظاهر، تغيرًا زائفًا في الباطن، أعني، تغيرًا محسوبًا ولخدمة غايات معينة، وتبعًا لهذا أصابه الهم بل وحتى اليأس من إمكانية تحقيق أي وجود جوهري أو حقيقي على الإطلاق([16]).
على الرغم من ذلك إلا أن الدكتور/ النشار يرى أن هذه القوة الغاشمة إلى زوال إن عاجلًا أو آجلًا، وإن كنت أرى أنه ربما لا يتم زوالها بشكل كلي، بل تسمح بتشكيل النظام العالمي بشكل متعدد القطبية بدلًا من أحادي القطبية، في حين يؤكد "أبو العلا" أن العالم تم إحكام سيطرته من قبل أمريكا أو ما يسميهم "حراس العالم" فقد تمكنت أمريكا، على حد زعمه، من السيطرة على العالم بعد أن تحول هذا الحلم إلى حقيقة على أيديها، وذلك لأنها أصبحت تمتلك كل زمام القوة والسيطرة. وقد دفع هذا "أبو العلا" إلى التأكيد على أن انفراد أمريكا وحدها بحكم هذا الكوكب يُعد في اعتقاده ضربًا من ضروب العناية والخير لهذا العالم([17]).
 وإن كنت اختلف مع أستاذي "أبو العلا" في هذه الرؤية فلم تكن أمريكا بعد سيطرتها على حكم العالم مصدر خير له، كما يزعم "أبو العلا"، وإنما دفعتها هذه الهيمنة إلى حب التملك، والسيطرة التي باءت بالدمار والخراب على كثير من دول العالم. ولم تصبح هذه الهيمنة خافية على أحد، بل سار الأمر على مرأى ومسمع كل العالم؛ من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، كان أخرها ما حدث للعراق من ظلم، وطغيان، ونهب لأموال، وخيرات هذا البلد بحجة "الكذبة النبيلة" في تصور أمريكا وهى القضاء على النووي الموجود في هذا البلد، على حد زعمها، هذا ناهيك عن الاعتداءات الصارخة في كثير من الدول التي تحدث سرًا وعلانية، وإن كانت الاعتداءات التي تحدث في الخفاء أشد خطرًا وأكثر شرًا من تلك التي تحدث على مرأى ومسمع الجميع، ومن بين هذه الاعتداءات الخفية محاولة طمس معالم كل فكر أو معتقد يخالف فكر ومعتقد العالم الغربي عمومًا، والأمريكي خصوصًا، أو ما يمكنني أن أطلق عليه "الغزو الفكري" تحت ستار العولمة وجعل العالم كله يعيش وكأنه في قرية صغيرة تسير على خُطى النهج الأمريكي الذي يمتلك القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية.....وغيرها، على الرغم من كل هذا إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تُصرح بكل ما ذكرت لأنها تحاول أن توهم العالم بأنها الوحيدة في العالم التي ترتدي لباس التسامح، والعدل، والمساواة، بين الدول وإن كان هذا في العلن فقط!! ([18]).
(3) الشرق الآسيوي يقود دورة حضارية جديدة:
أولًا- الرؤى التنبؤية حول مستقبل آسيا:
  وفي الحديث عن دور الشرق الآسيوي نجد الدكتور/ النشار يؤكد أن الكثير من: الفلاسفة، والمحللين السياسيين، والاقتصاديين، أكدوا أن الصين وشرق آسيا هي القوة المرشحة لقيادة الوعي أو علي الأقل الاشتراك في قيادة عملية صياغة نظام عالمي جديد أكثر عدلًا، وأكثر وإدراكًا لأهمية التعددية الثقافية، ولأهمية الحفاظ علي الهويات المختلفة([19])، وهذا أمر ليس ببعيد.
ثانيًا- رؤيتنا الدورية للمستقبل:
وهنا يؤكد فيلسوفنا أنه يؤمن بدورانية التاريخ علي أساس لولبي؛ فلا التاريخ الإنساني يسير في تقدمه باطراد كما يقول دعاة نظرية التقدم، ولا هو عبارة عن حضارات تمثل دوائر مغلقة علي نفسها كما يفسره "إشبنجلر" معتبرًا أن كل حضارة أشبه بالكائن العضوي الذي يمثل وحدة مستقلة منفردة. إنما التاريخ في نظرنا دورات حضارية وكل دورة تأخذ من سابقتها لتسلم راية التطور والتقدم إلى أخرى يقودها أناس أو أمة فتية أدركت حاجة العصر ولبتها وقدمت أطروحتها الجديدة التي أقتنع بها الناس وقبلوها أو أدركوا أنه لا سبيل إلي الخروج من المأزق الذي يعيشونه والذي شكلته بلوغ الحضارة السابقة قمة ذروتها، إلا بالركون إلى هذه المبادئ الحضارية الجديدة([20]).
ثم يؤكد أننا في الواقع المعاصر، أشبه ما نكون في لحظة التحول من دورة حضارية بلغت ذروتها مع هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية الآن، وهذه الدورة في سبيلها إلي الزوال لأن بها الآن عوامل انهيارها فضلًا عن أن القوى الصاعدة في الشرق الآسيوي تتهيأ لريادة دورة حضارية جديدة([21]).
(4) موقعنا في التفاعل الحضاري لما "بعد العولمة":
أما عن دورنا نحن كعرب ومسلمين في آلية المشاركة في التفاعل الحضاري يذهب فيلسوفنا إلى أنه لا مناص لنا بالمشاركة في التفاعل الحضاري ومستقبله إلا بتحقيق عدة عوامل متشابكة وينبغي أن نعمل فيها معًا بشكل متوازنٍ وهي([22]):
    (أ)البناء الذاتي لعناصر القوة اقتصاديًا وعلمياً وفكريًا واجتماعيًا وتكنولوجيًا.
   (ب) التعامل بحذر مع آليات الهيمنة الأمريكية الغربية علي الواقع المعاصر، حتى لا تنجح   قواها الغاشمة في إجهاض مشروعنا التنموي.
(جـ) سيكتشف الغرب أن الإسلام هو الدين الأفضل، وأنه برئ من كل إدعاءات العنف والإرهاب. وهذه رؤية متفائلة لمستقبل الإسلام كدين في العالم أجمع.
(د) البدء في إجراء حوار حضاري حقيقي مع بلاد الشرق الآسيوي.
 وهنا نتساءل من المنوط به تحقيق هذه المشاركة وهذا التفاعل في العالم العربي والإسلامي هل هم الحكام أم الشعوب؟ وما هي الآلية التي ينبغي التعامل بها في هذا الإطار؟ يجيب فيلسوفنا بأنه:
"ينبغي علي زعامات العالمين العربي والإسلامي الآن واجب الإنصات إلي صوت شعوبهم، وإلي صوت العقل والحكمة، وتغليب المصلحة العربية الإسلامية علي مصالحهم الشخصية"([23]).
إذا كان الدكتور/ النشار يؤكد على مدى أهمية دور الشعوب في هذا الجانب إلا أن الواقع العملي يشير إلى أن الكثير من الحكام العرب لا يسمعون إلا ما يرضيهم -وإن شئت فقل ما يرضي الطاغوت الأمريكي- بعد أن فقدنا حريتنا وهويتنا وسرنا تبعًا، بل وأذلاء لأمريكا وذلك لاستعبادها لنا؛ بسبب معونتها وتمويلها لنا من خلال صندوق النقد الدولي. ولكن لم يوضح فيلسوفنا ماذا ينبغي على الشعوب أن تفعل إذا رفض الحكام الإنصات لصوت العقل والحكمة وغَّلبوا مصالحهم الشخصية على المصلحة العربية والإسلامية؟!!.
القسم الثاني: قراءات جزئية لمستقبل التفاعلات الحضارية:
أولا : التقدم العلمي التكنولوجي يحدد صورة المستقبل :
هنا يتساءل فيلسوفنا عن حالة المستقبل في القرن الواحد والعشرين وكيف سيكون؟ وعلي أي حال ستكون حياة البشر خلال هذا القرن الجديد ؟
ويؤكد أن التقدم التكنولوجي هو المؤثر الأكبر في تحديد تلك الصورة للمستقبل القريب أو البعيد للبشر كما كان صاحب التأثير الأعظم علي البشر طوال القرون الثلاثة الماضية، ويؤكد أن العلماء هم الأقدر علي تصور صورة المستقبل في ظل هذا النوع من التقدم.
وإن كنت أرى أن هذه نظرة تفاؤلية لصورة التقدم، وربما يحدث بهذا التقدم حرب عالمية تدمر الأخضر واليابس، كما طرح العديد من الأسئلة التي يجب علي العلماء أن يجيبوا عنها وهي ما تتعلق بمصير البشرية. وقد استند إلي أدلة علماء ومفكرين لمستقبل التكنولوجيا والتقدم العلمي مثل: رؤية "ميتسشيو كاكو". ولكن هذا لا يجعلنا نتغافل عن أن التقدم العلمي له شق إيجابي إذا ما تم استخدامه بشكل صحيح في خدمة البشرية، وشق سلبي إذا ما تم إساءة استخدامه وخاصة في الحروب.
ثانيا : هل يكون القرن الحادي والعشرون قرن آسيا؟
 إن قراءة الدكتور/ النشار المتعمقة لكتابات العديد من: فلاسفة، ومفكري، وعلماء الغرب واستشهاده بآرائهم في مواطن كثيرة، إنما تنم عن سعة ثقافة، وفكر فيلسوفنا، ومدى اطلاعه على الحضارتين الغربية والشرقية، والتي من خلالها استطاع التأكيد أن المنافسة الحضارية ستكون منحصرة بين الغرب من جهة والإسلام وآسيا من جهة أخري.
كما أكد أستاذنا أن آسيا وخاصة قوتيها العظمتين الصين واليابان الأكثر تأهلًا وقدرة، وهم الأقرب إذا ما اتحدت مصالحهما وتجاوزا خلافاتهما المصطنعة، هي الأقرب للسيادة في المستقبل القريب الذي لن يتعدى منتصف القرن الحادي والعشرين. ولكن ينبغي أن نضع في الاعتبار جهود بعض الدول الأوربية كـ"تركيا" وتأثيرها العالمي في مستقبل التفاعل الحضاري.
      ثالثاً، هل يكون الإسلام هو البديل اليوتوبي للمستقبل؟
           وهنا يوضح كيف حلم الفلاسفة والمفكرون بمدينة فاضلة أو بدولة عالمية يحكمها قانون إلهي واحد وقد عدد لذلك نماذج تاريخية كثيرة على مدار التاريخ البشري بداية من "اخناتون"، ثم "كونفوشيوس"، ثم "أفلاطون"، ثم توالت أحلام البشر في مدن فاضلة، ودول مثالية تخلو من نوازع الشر ويتحقق للجميع في ظلها الرفاهية والعدل. ولن ينسى التاريخ عظمة الدولة الإسلامية التي أسسها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والتي بنيت على أسس مثالة عظيمة، وتم تطبيقها على أرض الواقع فسادت دولة الإسلام شرقًا وغربًا. ثم خرج علينا فلاسفة الغرب بيوتوبيات عديدة كان آخرها اليوتوبيا الماركسية. وأخيرًا، ظهرت موجة نهاية اليوتوبيات.
         وبعد ذلك يتحدث عن أمريكا وعولمتها التي تريد من خلالها السيطرة على العالم اقتصاديًا وثقافيًا، وأخلاقيًا، ويوضح مدى تلاشي هذه العولمة واضمحلالها.
ثم يطرح تساؤله؛ هل يكون هو البديل اليوتوبى للمستقبل؟ ثم يوضح حقيقة أن ثمة كتابات غربية عديدة ترشح "الإسلام " ليكون هو يوتوبيا المستقبل باعتباره ديانة عالمية داعية لكل القيم الإنسانية العليا، فضلًا عن كونه أكثر الأديان القائمة توازنًا في دعوته إلى المزج بين مطالب الروح ومطالب الجسد، وبين دور الفرد ودور المجتمع، وبين الاقتصاد الحر، وتشجيع الاستثمار الخاص، وبين التكامل الاجتماعي، وتوجيه رأس المال لخدمة أهداف المجتمع قبل خدمة مصالح الأفراد الذين يمتلكونه...الخ([24]).
وربما يكون "أرنولد توينبي" أول فلاسفة التاريخ الغربيين الذين تنبئوا بأن المنافس الأكبر للحضارة الغربية حال انهيارها حضارتان أسيويتان هما: الحضارة الهندوكية وبوذية الماهايانا، والحضارة الإسلامية وتوقع أن هذه الحضارات تملك من المقومات ما يمكنها من السيطرة على العالم بوسائل تتعدى تصورات الغربيين!! ([25]).
 ويرى الدكتور/ النشار في علاقة الإسلام بالغرب أمرين أولهما_ أن حقيقة صدام سياسي أو صراع عسكري مع الغرب لن يكون في المستقبل القريب وثانيهما_ أن القلق الغربي من "الإسلام" إنما يأتي من المؤسسات الأمنية، والمراكز البحثية الإستراتيجية، ومن قبل مفكرين لا يزنون الأمور بميزان العقل والإيمان، إنما بميزان الخوف على المصالح الذاتية وانتصارًا لدعاوى عنصرية صهيونية في المقام الأول. ثم يؤكد أن انتشار الإسلام بين الغربيين إنما سيأتي من شوقهم إلى تلك النزعة اليوتوبية التي افتقدوها في ظل حضارة مادية أنهكتهم بالتركيز على الإشباع المادي الغرائزي([26]).
 وعلى هذا سيكون الإسلام-من وجهة نظر فيلسوفنا- هو البديل اليوتوبي الأكبر والأعظم لكل الباحثين عن "يوتوبى" حقيقية يحتمون بها من تعسف الحضارة الغربية، وظلم أنصارها، وعقم المبادئ التي تقوم عليها، خاصة وأن "الإسلام" هو الدين الوحيد الذي يجمع بين الجسد والروح والعلم والعمل، كما أنه يتيح لمعتنقيه الحرية الفكرية والعقدية.
رابعاً، الغربيون وصناعة المستقبل:
  وهنا عرض الدكتور/ النشار لرأيين من الفلاسفة الذين قدموا رؤى عن الغرب وصناعته للمستقبل؛ أحدهما_ قال بنهاية التاريخ عند الحضارة الغربية الرأسمالية والولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا ومن أنصاره "فوكوياما"، و "هنتنجتون"، وقد فنَّد فيلسوفنا هذا الرأي وأكد أننا لسنا بصدد نهاية للتاريخ، بل بصدد نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة تتشكل الآن في رحم الأحداث المتصارعة على الساحة العالمية. أما الرأي الأخر، فهو رأي "روجيه جارودي" الذي قرأ المستقبل العالمي قراءة إيجابية- من وجهة نظر الدكتور/ النشار- تتسم بتحليل عقلاني وموضوعي للأحداث، كما قدم "جارودي" مشروعاً يكاد يكون متكاملًا لصناعة المستقبل([27]).
 وإن كان أستاذنا قد انحاز بشكل كبير لرؤية "جارودي" والتي كانت صائبة في العديد من جوانبها، إلا أنني أرى أن النظرة الغربية للمستقبل لا تخرج عن ثلاثة آراء مختلفة؛ أحدهم، ذاك الرأي المتطرف إلى أقصى اليمين والذي يؤكد نهاية التاريخ عند الحضارة الغربية المعاصرة، وكأنها قد امتلكت زمام العالم في يدها وأنها صاحبة الريادة والسيادة وبالتالي السيطرة، وثانيهم، الرأي المتطرف إلى أقصى اليسار والذي يذهب إلى انحدار وسقوط الحضارة الغربية بل ونهايتها دون مقدمات مسبقة بل ويحدد تاريخ سقوطها. أما الرأي الثالث والأخير، فيعمل على الجمع بين الرأيين السابقين؛ بمعنى انهيار الحضارة الغربية ولكن ليس بشكل كلي فبدلًا من خروجها من سباق النظام العالمي وسيطرتها من خلال القطبية الأحادية، ستشارك معها أقطاب أخرى متعددة في حكم العالم والسيطرة عليه وبالتالي ينزوي حكم الانفراد بالعالم، حتى تأتي نهاية العالم المتمثلة في قيادة الإسلام للعالم ومن ثم علامات القيامة الكبرى.
القسم الثالث: نحن والمستقبل موقفنا منه وآليات مشاركتنا فيه:
           أولاً: نحو صنع المستقبل:
         وفي هذا القسم يشير فيلسوفنا إلى عبق الماضي، الذي نستمد منه الحاضر والذي بالضرورة نستشرف منه إلى المستقبل، وكيف أن أجدادنا وأسلافنا فهموا دينهم فعلموا، وعملوا، وحققوا مجدًا وحضارة سخروا البيئة بعواملها المختلفة لخدمتها.
         ثم يتساءل فيلسوفنا عن كيفية صنع المستقبل؟ ويؤكد أن ذلك لن يكون إلا بأمرين لا ثالث لهما هما: العلم والعمل، أو النظرية والتطبيق واللذان بهما صنع الرواد والمتقدمون ريادتهم وتقدمهم. ثم يذهب إلى أن الحضارة الغربية رأت أنه لا سبيل لها بالتقدم العلمي المادي وحده، فمدت يد العون للحضارات الروحية-الأخلاقية- وخاصة الشرقية من خلال ما عرف بالعولمة أو حوار الحضارات. ثم يشد من أزر مجتمعاتنا لكي تعمل على الاهتمام بالتقدم العلمي لأنه المنوط به تحقيق مستقبل حضاري متميز([28]).
         ثانياً: ثقافتنا المصرية بين الثقافتين: العربية والمتوسطية:
  وهنا يتناول الدكتور/ النشار قضية الثقافة المصرية وعلاقتها بالثقافتين: العربية والمتوسطية فيتبرأ من مواقف كلا الجانبين: الداعين للحوار الحضاري أو الداعين إلى الصراع والصدام موضحًا بأنه على حياد تام وأن هذه المواقف بمثابة "وضوح زائف" لأن فكرهم مبنى على رؤى مسبقة كلها تصب في مصلحة الحضارة الغربية عمومًا وفي مصلحة الزعامة الأمريكية المفروضة على العالم فرضًا تضمنه هيمنتها الوقتية على العالم سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا. وقد شبه الحضارة بالكائن الحي الذي يتغذى على كل العناصر الغذائية لينمو ويتطور، وبقد ما تنجح الحضارة في الاستفادة من كل العناصر الإيجابية في الحضارات الأخرى سواءً السابقة عليها أو المعاصرة لها، بقدر ما تستطيع أن تتصدر الريادة بين الحضارات المختلفة.
وهذا يتفق وقول "المسيري"، الذي أتفق معه تمامًا، فيما ذهب إليه من أن المشروع الحضاري العربي والإسلامي دخل طريقًا مسدودًا من البداية، حين عرًَف هدفه بأنه "اللحاق بالغرب". فهذا الشعار كان يعني أن يصبح "الآخر" هو الغاية وأن نصبح نحن الوسيلة فنتحول إلى بشر من الدرجة الثالثة في معظم الأحوال ومن الدرجة الثانية في أحسنها (لأن من يصل إلى الدرجة الأولى ينضم "إليهم" بطبيعة الحال). وفي محاولة تحقيق هدف اللحاق هذا كان علينا أن نُسكت إبداعنا، ونُسقط قيمنا، ونمحو ذاتيتنا، ورؤانا بحلوها ومرها، لنتقبل ذاتيتهم ورؤاهم بحلوها ومرها. وتحت شعار الموضوعية أصبحت مهمتنا نقل كل ما يأتي إلينا من الغرب، وبخاصة "آخر صيحة"، ابتداءً بالمدارس الفلسفية وانتهاءً بالسيارات والأزياء، وبذلك سقطنا في شكل من أشكال السلفية الغربية التقدمية ووقعنا ضحية إمبريالية المقولات، أي أن نتبنى مقولات الآخر التحليلية ثم نراكم المعرفة، وننظر للعالم، بل ولأنفسنا، من خلالها([29]).
ثم يوضح فيلسوفنا كيف أنه لا حوار إلا بتكافؤ الفئتان المتحاورتان؛ علميًا وثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وأنه لا معنى للحوار بين الأقوى والأضعف، فالغرب الذي يظن أنه الأقوى وبالتالي عليه أن يملي هو شروط الحوار ينظر لنفسه نظرة استعلاء وتكبر، في حين أن الحضارة المصرية التي صدرت القيم الروحية والمادية للحضارات جميعها لم تتعالى على غيرها، بل تقبلت الآخر وتعايشت معه رغم اختلاف ثقافته، وديانته، وعاداته وتقاليده، فمصر دائمًا وأبدًا بمثابة الأم التي تحن على أبنائها، وبهذا فهي قادرة على قيادة الحوار الحضاري بين الأمم جميعها.
    ثالثاً: في التحديث السياسي:
(أ‌)   السلطة التشريعية أم السلطات:
      وفي هذا الإطار يوضح الدكتور/ النشار كيف أن السلطة التشريعية هي السيد الحق للدولة، ويؤكد على ضرورة الفصل بين السلطات ويميز بين الدولة والحكومة. ثم يؤكد أن الأدوار قد اختلطت بين دور الحكومة ودور مجلس الشعب!!! وينادي فيلسوفنا بضرورة أن يكون دور نواب مجلس الشعب دورًا إبداعيًا، وليس دورًا تقليديًا، بحيث يكون هدفه الأساس خدمة مصر والمواطنين في كافة الأصعدة.
(ب‌)                        إطلاق "الحريات" و "طاقات الشباب":
     يؤكد فيلسوفنا على ضرورة إطلاق الحريات على كافة الأصعدة، وخاصة السياسي والاجتماعي، وذلك حتى يبدع الشباب ويخرج طاقاته المكبوتة، وكيف أن المستقبل مرهون بشرطين لازمين هما: كفل كل الحريات للمواطنين، واستثمار طاقات الشباب المبدع وتوظيفها لخدمة نفسها ومجتمعها.
رابعاً: في تحديث التعليم:
(أ‌)   ولكم في الحوار حياة:
الحوار المثمر النافع هو حياة للشعوب، كما يؤكد فيلسوفنا، وبالتالي فإن المجتمعات المتقدمة والمتفوقة حضاريًا هي تلك التي يؤمن أفرادها بأهمية الحوار وتعدد الآراء كأساس إيجابي بناء يصل الجميع بموجبه إلى التماس أفضل الطرق للنهضة في كافة مجالات الحياة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية. كما أكد على أن يكون لكل منا رأي قائم على المعرفة العلمية السليمة، وأنه لا مانع من تعدد الآراء بشكل يعمل على الثراء والوحدة وليس التشرذم والفرقة. ثم استدل بأمثلة من تراثنا من الفلاسفة الذين أجادوا فن الحوار كالغزالي وابن رشد وغيرهما.
(ب‌)                       التفكير العلمي أساس التقدم:
وهنا يجسد فيلسوفنا الواقع المصري؛ بكل همومه العلمية وتخلفه عن ركب الحضارات التي ازدهرت علميًا حتى غزت الفضاء، ويؤكد على ضرورة أن يسري التفكير العلمي بين جميع أفراد المجتمع سريان الدم في الجسد في كل مجالات الحياة المختلفة.
خامساً: في تحديث القيم الأخلاقية والدينية:
(أ‌)   تحديث الخطاب الديني.. ملاحظات مهمة:
وفي هذا الجانب يحثنا الدكتور/ النشار، وأنا أتفق معه في ذلك، على ضرورة الاهتمام بالخطاب الديني المعتدل كما كان على عهد الإمام  جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده وهما أصحاب فكر تنويري معتدل. إلا أن التغيرات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية الأخيرة التي حدثت بمصر جعلت دعوات الخطاب الديني تتضاءل من عدة أوجه منها، على سبيل المثال لا الحصر، القيود التي فرضتها السلطة التشريعية على مشيخة الأزهر، بالإضافة إلى تبني الكثير من السياسيين للشيوعية وتهميش دور الدعوة الإسلامية([30]).
وقد وضح كيف أن إهمال الخطاب الديني المعتدل أدى إلى بزوغ فجر التطرف لدى بعض المسلمين، ووضح أنه لا بد من مواجهة هذا التطرف، لا بالعنف، بل بالفكر والحوار الديني المتميز. كما أكد فيلسوفنا على عدم فصل الدين عن الدولة لأنه يرى في ذلك مخالفة للشريعة الإسلامية.
وبعد هذا نبهنا فيلسوفنا لحقيقتين؛ أولاهما، وجوب تطوير الخطاب الديني المعتدل الذي يحث على الفضيلة، ويدعو إلى نبذ العنف والتطرف وخاصة من خلال الإعلام المصري والعربي ككل. والأخرى، أن يرتكز هذا التجديد على الإعداد الجيد من قبل المسئولين عنه وذلك بموافقة ما يقولوا مع الكتاب والسنة وما يتواكب مع التحديث السياسي مع تحديث نظمنا التعليمية ككل([31])
(ب‌)                        الأمانة والصدق من قيم الحداثة والتقدم:
وهنا يضع الدكتور/ النشار، وأتفق معه تمامًا، يده على جرح مجتمعاتنا التي كساها الفساد الأخلاقي في كثير من جوانبها، محاولًا تشريح المجتمع بمبضعه، وهذه جرأة يُحسد عليها، حتى يعالجه من أسقامه التي كادت أن تقتله. ويشير إلى أن المجتمعات الغربية ما تقدمت إلا بإخلاصها وتفانيها في عملها وهي تحمل قيم الصدق والأمانة التي كادت أن تندثر في مجتمعاتنا.
 وقد وضح أن ضياع الأمم بضياع أخلاقها ورفعتها بتمسكها بها، كما أن الأمانة والصدق من القيم الدينية العظيمة حيث يمثلان جناحا التقوى والإخلاص لدى المؤمن([32]).
(ج) أداء الواجب والولاء للوطن:
وفي هذا الجانب يؤكد فيلسوفنا على ضرورة نبذ التفكير التقليدي، وأن يحل محله التفكير الإبداعي الذي يتسم بأفكار جديدة ومتطورة من أجل خدمة الوطن كلْ في وظيفته وفي عمله. كما يحثنا الدكتور/ النشار على أن نتفانى في خدمة وطننا ضاربين بالمصلحة الشخصية عرض الحائط من أجل تحقيق مستقبل أفضل. ومن ثم فلا ضير من أن نؤدي واجبنا بشجاعة مهما أودت بنا النتائج في نهاية الأمر طالما أننا نخلص لوطننا.

وأخيراً، أستطيع أن أؤكد، وبلا مجاملة، أن فيلسوفنا الدكتور/ النشار قد اتسم بعقلية فلسفية فريدة جاءت على غير عادة الكثير من الفلاسفة الذين انتابت كتاباتهم الغموض أحيانًا وعدم الشجاعة في أحيانٍ أخرى إلا ما ندر، وقد اتضحت هذه العقلية التي آلت على نفسها مهمة تبسيط الفلسفة للعوام قبل الخواص في العديد من كتاباته وبشكل خاص في كتابه الذي بين أيدينا حيث تميز هذا الكتاب بسهولة ألفاظه وجزالة عباراته ووضوح معانيه وتسلسل أفكاره، كما لم يكن كتابًا أكاديميًا صرف، وإنما تسهل على الإنسان المثقف والعادي قراءته وفهمه.


([1]) انظر: فرانسيس فوكوياما: نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر، ط1، 1993م، ص 8.
([2]) انظر: علي حرب: حديث النهايات: فتوحات العولمة ومأزق الهوية، بيروت، المركز الثقافي العربي، ط1، 2000م، ص 12.   
([3]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، القاهرة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2003م، ص 9.
([4]) انظر: نصار عبد الله: الفلسفة السياسية بين وظيفة التبرير ووظيفة التغيير، فى مقدمة كتاب: أعلام الفلسفة السياسية المعاصرة. تحرير: انطوني دي كرسبني وكينيث مينوج، ترجمة: نصار عبد الله، مكتبة الأسرة، الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية، 1987م، ص5.
([5]) ميلاد زكى غالي (وآخرون): مشكلات فلسفية، الإسكندرية، منشأة المعارف، 1999، ص5.
([6]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص17.
([7]) انظر: المرجع نفسه، ص ص28:23.
([8]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه،  ص 33.
([9]) انظر: المرجع نفسه، ص 38.
([10]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص ص 58:51.
([11]) انظر: المرجع نفسه، ص ص 65:64.
([12]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص 98.
([13]) انظر: المرجع نفسه، ص ص 99: 100.
([14]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص ص 118:113.
([15]) انظر: المرجع نفسه، ص 121.
([16]) وهبة طلعت أبو العلا: الوجود المقلوب، رؤية فلسفية معاصرة، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1997،  ص14.
([17]) وهبة طلعت أبو العلا: الوجود المقلوب، رؤية فلسفية معاصرة، ص20.
([18]) انظر: جميل أبو العباس زكير: فلسفة السياسة عند ليو شتراوس، رسالة ماجستير (غير منشورة) إشراف: الأستاذ الدكتور/ محمد أحمد السيد، كلية الآداب، جامعة المنيا، 2014 ص ص 176:175.
([19]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص 122.
([20]) انظر: المرجع السابق، ص ص 132:131.
([21]) انظر: المرجع السابق، ص 132.
([22]) انظر: المرجع السابق، ص ص 144:141.
([23]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص 122.
([24]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص 203.
([25]) انظر: المرجع السابق.
([26]) انظر: المرجع السابق، ص ص 208:207.
([27]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص 212.
([28]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص ص 232:225.
([29]) عبد الوهاب المسيري: الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ، رؤية حضارية جديدة، تقديم، محمد حسنين هيكل، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الثالثة، 2001، ص،17. 
([30]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص 272.
([31]) انظر: المرجع السابق، ص ص 276:275.
([32]) انظر: مصطفى النشار: ما بعد العولمة قراءة في مستقبل التفاعل الحضاري وموقعنا منه، ص 272. 

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة