في الأسس الفلسفية للفيزياء : الفلسفة التي تحكم الذرة


في الأسس الفلسفية للفيزياء :
الفلسفة التي تحكم الذرة
د بتول ناصر قاسم
مقدمة : المعرفة الدينية والفلسفية والعلمية خطوات متراتبة ومتكاملة الى المعرفة الكلية(*) :
 المعرفة الدينية هي المعرفة الإلهية الكلية المطلقة السابقة على المعرفة البشرية. والمعرفة العلمية هي المعرفة البشرية التي استطاعت اكتشاف القوانين الكلية المبثوثة في ثنايا الوجود. وتختلف هذه عن المعرفة الفلسفية في أن الفلسفة فروض مجردة قد تصدق وقد لاتصدق ولهذا قلنا إنها تمثل المعرفة الجزئية التي تعبر عن العقل الإنساني المحدود وتقف في مقابل المعرفة الكلية الإلهية التي يمثلها الدين . أما ما يصدق من المعرفة الفلسفية ويصدقه العلم والدين  فنعده من المعرفة العلمية كذلك ، فالمعرفة العلمية-التي نقصدها- هي المعرفة الملموسة الصادقة التي اقتربت من درجة اليقين ولم تتعرض للنقض بل تأكدت بالتعزيز حتى من العلوم الأخرى, لذا فإنها تمثل الانعكاس الصحيح عن المعرفة الكلية، وإذا وصلت إلى غاياتها الكاملة وتكشفت أمامها الحقائق كلها فإنها تمثل العقل الجزئي وقد اقترب من العقل الكلي الإلهي . ومع ان المعرفة الفلسفية قد يصدق عليها وعلى غيرها وصف المعرفة العلمية إلا اننا سنعبر في هذا المبحث عن المعرفة العلمية بالعلم الصرف دون غيره من العلوم الأخرى وذلك لكي نحافظ على التمييز بين هذه المعارف التي تمثل خطوات متراتبة الى الحقيقة ولكي نؤيد المعرفة الفلسفية التي طرحناها ( في المبحث السابق – فلسفة مرض السرطان - ) بالمعرفة العلمية ونرقى بها الى مستوى العلم ثم نؤيد الاثنتين بالمعرفة الدينية لكي نرقى بهما الى مستوى الكلية .  
لقد سعت الفلسفة الى اكتشاف القوانين الجوهرية الثابتة. وسعى العلم كذلك الى أن يضع يده على ما يفترض أنه المعرفة المطلقة أو القانون المطلق الذي تنتهي اليه كل فروع العلم والمعرفة. ومن المحاولات المشهورة في هذا السبيل محاولة آينشتين الذي كان تواقاً الى الوصول الى هذا القانون  على مدى عشرين عاماً تحت اسم نظرية (المجال الموحد) التي تسعى الى قانون عام يكون أساساً لكل قوانين الطبيعة ومصدراً لها تنساب منه بيسر دون عناء(1) ولقد فاته الوصول اليه، ودعا الى تعاون العلم والفلسفة(2). ويحاول علماء غيره أن يسيروا في السبيل نفسه ملتمسين الغاية نفسها وهم يتحدثون الآن عن (نظرية كل شيء) وغيرها من النظريات التي تحاول معرفة الشيء الموحد للأشياء كلها وهي الغاية التي يحاول العقل الإنساني في كل مجالاته التقدم إليها ، ونحن نحاول تلمس سعيه في هذه المجالات مع محاولة ربطه بما توصلنا اليه في المبحث السابق وكذلك ربطه بالحقيقة الدينية لكي نظاهر المعارف بعضها ببعض .
                 
سنعرض في هذا المبحث الحقيقة الدينية والعلمية اللتين تمثلان ـ كما قلنا ـ المعرفة الأخيرة والكاملة واللتين تظاهران النتائج الفلسفية التي انتهينا اليها في المبحث السابق .
لقد توصل بحثنا الى نتائج فلسفية عامة يؤكدها العلم والدين معا ولهذا يصدق عليها وصف المعرفة العلمية والكلية وسنحاول العودة اليها وإجمالها بما يأتي :ـ
1ـ إن التناقض يتخلل الوجود وإنه سبيل الى المعرفة وإنها تعتمد على وجود تناقض، وإن الفكر يعمد الى معرفة أحد النقيضين بالآخر، وبهذا فإن وجود أحدهما ضروري لمعرفة الآخر ولوجوده. وهما يرتبطان بذلك بعلاقة تناقض لا تفهم احدهما خارج هذه العلاقة. وبذلك يصبح جوهر عملية المعرفة هو هذه العلاقة . وهنا نفسر دور العقل في عملية المعرفة بأنه وسيلة لأقامة علاقة بين المتناقضات لكي تتم له معرفتها ولذا سميت هذه الوسيلة عقلاً، وقد وجدنا أن معنى العقل في اللغة الجمع، فالعقل أداة للجمع في علاقة، والمعرفة عقل وجمع وعلاقة..ولقد وجدنا في تراثنا القديم أن اصحابه وهـم يؤسسون لنظرية المعرفة أدركوا أن معرفة الأشياء وتمييزها إنما يكون بأضدادها، وبذلك قرروا مسألة وجود التناقض. والحق إن وجود التناقض ليس بحاجة الى التدليل عليه، فهل ينكر العقل الإنساني التناقض الذي يعج به عالمنا الذي نعيش فيه؟.. ولقد قررت الفلسفة ان التناقض يتخلل عالم الفكر والمادة، وحاولت منه الولوج الى باب الحقيقة المطلقة، وكان ذلك منذ نشأة الفلسفة واستمر معها في مسيرة الفكر الفلسفي. وقد أشرنا الى فلسفة هيجل خاصة إذ كانت أكثر عمقاً في بحث قضية التناقض واكثر تفصيلاً فيها، وإذ كان منهجها الجدلي الذي يدرس التناقض اقرب الى طبيعة منهجنا وطريقتنا في التناول وطرق باب الحقيقة. فنحن ـ اذن ـ نريد الوصول الى هذا القانون المطلق عن طريق التناقض، فقد وجدناه، كما وجده غيرنا، أكثر المبادئ تعبيراً عن حقائق الأشياء. ومن هنا، حاول أن يكتشف في الطبيعة القوانين الجدلية التي تحكمها(3).
لقد قدم الفكر الديني قضية الدين على أنها قضية التناقض بين الله والشيطان. واذا كان الله قد خلق الشيطان في الفكر الديني فإنه قد خلق التناقض، وهذا يعلمنا إياه الامام علي(ع) مما علمه إياه نبينا محمد(ص)، مما علمه إياه ربه، يقول:ـ"ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد. مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتها"(4). أي انه يقيم بينها علاقة، يلائم بينها في علاقة: "ولاءم بقدرته بين متضادها، ووصل اسباب قرائنها(5)." ويقول: "فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرها وحياتها بموتها، وحلوها بمرها."(6) ويقول ايضاً:ـ"قرن بسعتها عقابيل فاقتها وبسلامتها طوارق آفاتها، وبفرج أفراحها عصف اتراحها، وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرها، ووصل بالموت اسبابها"(7).
والمتناقضات لا معنى لها إلا ببعضها، أي انها لا معنى لها خـارج العلاقات التي تجمع بينها. وحقيقة كونك لا تفهم الشيء خارج ما هو علاقة تقرره الحقيقة الدينية، وهي تصديق لقوله تعالى "وعلم آدم الأسماء كلها"(8) فلأن آدم ـ وهو رمز لجنس الانسان ـ مخلوق من علاقات التناقض هذه تحددت من خلاله أسماء الأشياء كلها، والشيء لا يسمى او لا يعرف الا بالعلاقة، بالإنسان.. وكون الإنسان علاقة يذكره الامام علي(ع): "معجون بطينة الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية والأخلاط المتباينة"(9).
وهو علاقة بين عامل ذكري وعامل أنثوي وهما مختلفان في الجنس. ولقد أشار القرآن  الكريم الى هذا الأصل للإنسان:ـ"ألم يك نطفة  من  مني يمنى،  ثم كان علقة, فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى"(10) والنطفة هي أحد عاملي التناقض المكونة للأنسان، العامل الذكري. وليس معنى هذا أن الانسان يكونه العامل الذكري فقط، بل لأنه تعالى يقرر الأصل الأول للأنسان، أي ان العامل الذكري هو الأصل الأول لأنه يتصل بالأصل الأول، وهذا ما عرفناه فيما قررنا من حقائق. والآية تقرر أن العلقة هي المرحلة الثانية في أصل تكون الانسان، ولعلها مرحلة اتحاد العامل الذكري بالعامل الأنثوي ولهذا تقترن بها عملية خلق الانسان كما تشير الآية: "خلق الإنسان من علق"(11) ولعل كلمة العلق تعني معناها الذي تشير اليه اللفظة: العلاقة.. والانسان ليس علاقة في أصل تكونه المادي فقط، بل هو كذلك في أصله الروحي والأخلاقي: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها"(12) شرها وخيرها، جانبها الشيطاني وجانبها الإلهي.
وتقرر الحقيقة العلمية وجود التناقض ثم تدرس الأشياء من خلاله ـ وهو ما فعلته الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية ـ فهي تدرس الكون ومظاهره من خلال قضية التناقض التي تحكمه وتضع له قوانينه منها. فتضع النظرية النسبية أصولها من خلال علاقة التناقض بين ما هو نسبي وما هو مطلق فالأشياء والظواهر نسبية الى ما هي نسبية اليه(13). وتضع نظريات الفيزياء أصولها من خلال التناقض الذي يحكم كل ما في الكون ابتداءً من أصغر جزيئات الكون، ابتداءً من الذرة. فالبروتون ذو الشحنة الموجبة ينقضه الالكترون ذو الشحنة السالبة فيها. ويؤكد قانون انحفاظ الشحنة أنه "اذا ولد في التفاعل جسيم موجب الشحنة فينبغي أن يولد في الوقت نفسه جسيم سالب الشحنة. وحين تختفي الشحنة الموجبة تختفي معها الشحنة السالبة أيضاً. والمثال النموذجي لتفاعلات انحفاظ الشحنة هي تفاعلات انتاج واندثار الازواج، ففي الكون لا تزيد الشحنات الموجبة او السالبة"(14).. واذا كان التناقض يحكم مادة الكون فإن المادة لها مادة مضادة تناقضها فلقد "توصل الفيزيائيون بعد اكتشاف البوزترون الى نتيجة مفادها، أن كل جسيم اساسي ينبغي أن يكون له جسيم مضاد وهذا ما تبين بالفعل"(15). ويؤكد الفيزيائيون أن أحدهما يعدل الآخر في علاقة التناقض، فهو يعدله كتلة ويعدله عمراً(16). وينتهون الى أن "القاعدة العامة.. وجود جسيم مضاد لكل جسيم"(17) وإننا "ببحث المادة وحدها بمعزل عن المادة المضادة، نخل بتناظر العالم بشكل فاضح، وان هذا ليعادل مراقبة نصف العالم واهمال نصفه الآخر المساوي له"(18).
إن النقيضين يرتبطان بعلاقة التناقض، وأحدهما فيها غير قابل للفصل عن الآخر:ـ "توجد في كل مغنطيس كتلتان مغنطيسيتان غير قابلتين للفصل، ومن  إشارتين متعاكستين، وتتدافع الكتلتان المغنطيسيتان لمغنطيس اذا كانتا من إشارة واحدة وتتجاذبان إذا كانتا من إشارتين مختلفتين"(19). إن التناقض يستدعي هذا الارتباط الذي لا ينفصم بين النقيضين لأن احدهما لا معنى له الا بالآخر(أ). وكما يستدعي ارتباطاً او جذباً، فإنه يستدعي طرداً ونفياً لأن بينهما صراعاً يقتضيه التناقض كذلك. ومن هنا كانت العلاقة بينهما إيجابية وسلبية في الوقت نفسه: "وستكون العلاقة بينهما إيجابية الى جانب أنها سلبية سواء بسواء، خذ مثلاً: المحارب وعدوه، تجد أن العلاقة بينهما سلبية، ولكنها كذلك علاقة إيجابية، لأنه اذا لم يكن هناك من يحاربه فلا يمكن أن يكون محارباً، ومن ثم كانت العلاقة بين الواحد الذي يطرد، والواحد المطرود هي علاقة ايجابية كما أنها علاقة سلبية سواء بسواء"(20).
إن العلم يؤكد أن للحقيقة اطرافها الثلاثة: الشيء ونقيضه والعلاقة بينهما(ب).  
إن الجسيم الذي يمثل العلاقة بين النقيضين في الذرة هو النترون، وهو علاقة بين البروتون والالكترون:ـ "ان النترون يحمل شحنتين متساويتين ومتضادتين"(21) من الكهربية موجبة وسالبة، تعدل احداهما الأخرى ولذلك سمي نتروناً:ـ "كان النترون معتدلاً وفقاً لاسمه، ولكنه لم يكن منفرداً في اعتداله بين الجسيمات، أفليست الذرات كلها معتدلة؟ لهذا يمكن اعتبار النترون كأنه ذرة حقيقة، ولكنها في أبسط حالاتها"(22)، لأنهما الاثنين علاقة بين نقيضين، والنترون هو الجسيم الذي يمثل هذه العلاقة التي تمثلها الذرة. ولأنه كذلك لاوجود له خارج العلاقة، خارج الذرة، او خارج نواة الذرة حيث مكانه منها:ـ "فالنترون خارج النواة غير ثابت لأنه.. يتفكك مطلقاً الكترونا ونيترونا مضاد، الا انه حين يقع في النواة يصبح ثابتاً"(23).
واذا انطوت الذرة على علاقة تناقض أخرى غير التي بين البروتون والالكترون، هي بين البروتون والنترون، فإن نواة الذرة هي العلاقة التي تضم الجسيمين المتناقضين.
2ـ التناقض حالة وجود. وهو حالة حركة تقابل حالة أخرى هي حالة سكون او استقرار.. والسكون هو احد النقيضين خارج علاقته بالآخر.. وهو عدم لأنه لا معنى لأحد النقيضين خارج علاقته بالآخر، او لا وجود له الا بها. وهي وجود لأنها تناقض. واذا كان السكون لا يوجد الا بالحركة فهذا يعني أسبقية وجودها على وجوده إذ العلة سابقة على المعلول. واذا كانت الحركة تناقضاً (نقيضين)، وكان السكون بعد وجوده هو أحد هذين النقيضين، فإن اسبقية وجود الحركة على وجود السكون يعني أسبقية وجودها على وجود أحد طرفيها، أي أسبقيتها بأحد طرفيها وهذا يعني أسبقية الواحد على الاثنين ، أسبقية (الواحد) السابق على الحركة على الحركة (الاثنين) وهذا يعني أن هناك علاقة تناقض بين الواحد السابق على الحركة والحركة. وعندما يكون الواحد سابقا فإنه يكون سابقا على العلاقة فلا تناقض عندما كان سابقا متفردا في الوجود ، وتكون صورة الحركة _كما قلنا_بأحد طرفيها فقط وهذا الطرف يمثل الوجود السابق . الحركة إذن ليست سابقة بل أحد طرفيها الذي اصطلحنا على تسميته (أصل الحركة) وهذا يعني أن أحد النقيضين في علاقة (الحركة والسكون) وهو الحركة له صورتان وهما : (أصل الحركة) قبل وجود السكون أو العدم و(الحركة) بعد وجود السكون أو العدم . إن أسبقية اصل الحركة حيث أحد النقيضين قبل وجود الآخر على الحركة التي هي تناقض، يعني أسبقية الاستقرار على الحركة، وإن أحد النقيضين هو استقرار وحركة.. استقرار ثم حركة.
إن ارتباط الحركة بوجود النقيض الآخر، يعني أن وجودها ليس سابقاً على وجوده.. السابق على وجود هذا النقيض، أصل الحركة.. إن الحركة والنقيض الآخر المتأخر عن نقيضه احدهما مرتبط بوجود الآخر، فهو مرتبط بوجودها لأنه لامعنى له أو لا وجود له الا بعلاقة التناقض التي تربطه بنقيضه، وهي لا معنى لها الا به لأنه احد طرفيها. وهذا تأكيد لحقيقة ارتباط وجود الشيطان بوجود الانسان، فالشيطان لم يعرف ماهيته النقيضة لله الا بخلق الانسان، (العلاقة) التي بوساطتها عرف نسبته الى الله، تحددت صفته وحقت عيه تسمية الشيطان بعد أن كان إبليس، وهذا يستدعي منه صراعاً ضد الله، وكان أن أعلن حربه عليه:ـ "وإذ قال ربك للملائكة، إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، قال يا إبليس، مالك الا تكون مع الساجدين، قال، لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون، قال، فاخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك اللعنة الى يوم الدين، قال، رب فأنظرني الى يوم يبعثون، قال إنك من المنظرين، الى يوم الوقت المعلوم، قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، الا عبادك منهم المخلصين، قال هذا صراط علي مستقيم، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين، وان جهنم لموعدهم أجمعين"(24).
قلنا إن الحركة عندما تكون سابقة على وجود نقيضها السكون فهي (أصل الحركة) وهي بصورة نقيض واحد من النقيضين اللذين يكونان الحركة، وهذا استنتجنا منه أسبقية الواحد على الاثنين.. إن أسبقية الواحد  يعضده الفكر الديني الذي يذهب الى أسبقية وجود الله على وجود الشيطان.  ويسمي هيجل أحد النقيضين الذي هو سابق والذي يمثل الخطوة الأولى من خطوات الجدل لديه بأنه الوجود الخالص او الروح، وهذا نتفق به معه، ولكنه يصف هذا الوجود الخالص بأنه كالعدم او أنه والعدم سواء وهذا ما لم نتفق به معه. وهو يعد العلاقة بين المتناقضين الحقيقة العينية الأولى التي ينبثق عنها الشيء ونقيضه، والتي يتعين بها وجود الشيء ونقيضه. أما ما قبل هذه العلاقة او (الصيرورة) كما يسميها فلما لم يكن هنالك تعين، كان العدم المحض. فالوجود لدى هيجل هو الوجود المتعين الذي يشترط وجود كلا النقيضين. وإذا لم يكن هنالك وجود للتناقض فلا يكون غير العدم وهذا ما بيناه سابقا . ولذلك هو يصف الوجود السابق على وجود الصيرورة او العلاقة بكونه عدماً وتجريداً خالصاً او موتاً…
ولقد قلنا كما تقول فلسفة هيجل إن لا وجود لأحد النقيضين خارج علاقته بالآخر فكيف يتفق هذا وقولنا بعد ذلك بوجود (الوجود السابق) بلا وجود النقيض الآخر؟.. إن ما يبرر (وجود) هذا الوجود السابق مع (عدم) وجود النقيض الآخر، أن الوجود والعدم تناقض ولكن بلا تناقض وبلا علاقة أي بلا وجود متعين او ظاهر لهذا التناقض ولهذه العلاقة، لأن العدم  لم يوجد بعد ، أي لم يتخذ صفة الضد للوجود ولم يظهر ليظهر وجود  )الوجود السابق) . وقبل هذا الظهور كان هناك وجود خالص وعدم خالص والعدم الخالص لا يعني أن هناك نقيضا (موجودا) عندما كان هذا النقيض سابقا ومتفردا بالوجود وكل ما عداه كان عدما بما فيه وجود الشيطان والإنسان والوجود المادي للكون كله . بل إن هذا العدم يعزز( وجود) الوجود السابق وتفرده ووحدانيته ولا يعني وجود مشارك له. إن العدم الخالص يعني خلوا من الوجود، خلوا مما يمتلئ به الوجود، أي انه خلو يقابل امتلاءً يمثله الوجودالسابق وهذا يجيز لنا أن نقول عن هذا(الإمتلاء والخلو) إنه نوع من التناقض،  ولكن بلا تناقض . والتناقض حتى بعد إيجاده أو ظهوره لا يعدو أن يكون امتلاءً وخلواً. فالتناقض الذي بين الأبيض والأسود هو امتلاء وخلو ظاهر. وإن ما يمثل خلواً من الآخر يبقى بعد ظهوره أو وجوده يمثل (عدماً من وجود الآخر). وإن وجوده يعني ظهوره فقط، ظهور الخلو والفراغ. واذا كان العدم فراغاً او انتفاءً من الوجود فإن هذا لا يعني أنه ينفي الوجود السابق، إنه نفي لوجوده هو، لوجوده الظاهر. وعندما يوجد هذا النقيض المتأخر او يظهر يظهر التناقض، ويصبح الوجود السابق ظاهراً كذلك(في الحركة) بعد أن كان وجودا جوهريا كامنا. فالعدم ينفي الوجود الظاهر إذن، والعدم بهذا هو كمون الوجود، هو علة هذا الكمون.
إن عدم وجود أحد النقيضين ثم وجوده تعضده حقيقة عدم وجود الشيطان ثم وجوده. ولكنه يرد علينا بأن الشيطان لم يكن عدماً بل كان ملكاً هو إبليس ثم تحول الى شيطان متمرد على إرادة الله أي الى إتخاذ صفة نقيض لله. ونرد على هذا بأن إبليس لم يكن يتخذ صفة الضد لله تعالى فلم تكن صفته الشر التي هي صفة الشيطان والتي هي نقيضة لصفة الله. فالصفة النقيضة لصفة الله لم تكن موجودة، وإبليس يمثل هذه الصفة في حالة عدم وجودها . إبليس يمثل الشيطان في حالة عدم وجوده، في حالة كونه عدماً . ولا ننسى أن نقرر إن معنى إبليس في اللغة هو العدم , أي الشر معدوماً ثم كان وظهر بوجود الانسان(العلاقة) وأصبح شيطاناً وهذا يعني أن صفة الضد لله ليست مكافئة له لأنها توجد من خلال الأنسان الذي هو وجود جزئي لايضاهي وجود الله المطلق السابق . فالشر نسبي ومتناهي والخير الإلهي مطلق ولامتناهي . ونحتاج هنا الى أن نذكر بمعنى حالة العدم كما قررناها، وهي ما قرره القرآن الكريم . فلقد قررنا فيما مر من الكلام أن العدم خلو يقابل امتلاءً، وأنه خلو غير ظاهر، كامن، وأنه علة كمون الوجود. وهذا المعنى يقرره القرآن الكريم عن إبليس بأنه كائن مستتر أو كامن. فمعنى عدم وجوده هو عدم ظهوره أو استتاره او كمونه. ولهذا وصف القرآن الكريم إبليس بأنه من الجن "إبليس كان من الجن"(25) والأصل اللغوي يعرف الجن بأنه غير الموجود في الواقع، المستور او المختفي، فإبليس هو الشيطان مستوراً او مجنوناً، هو صفة الشر كامنة او غير ظاهرة..
إن أسبقية وجود أحد النقيضين على وجود النقيض الآخر وعلى وجود العلاقة التي تعني اثنين يعني أسبقية الواحد على الاثنين، أسبقية الواحد على المتعدد. وهذا يعضده الفكر الديني الذي يصف الله بأنه الواحد السابق على وجود الشيطان وعلى وجود العلاقة التي قلنا إنها تعني الانسان او المادة التي منها الانسان . وهو مصدر وجودهما، مصدر وجود الشيطان ومصدر وجود العلاقة: الإنسان. وكونه كذلك يعني أنه يسيطر على حركة العلاقة (إذ العلاقة حركة) وأن مسير الحركة سينتهي اليه:ـ"يا أيها الإنسان، إنك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه"(26) و"اليه ترجعون"(27).
قلنا إن الانسان علاقة بين عاملين مختلفين وهو في بنـاء جـسمه
علاقة بين عامل ذكري يأخذه من الأب، وعامل أنثوي يأخذه من الأم، فهو علاقة بين ذكر وأنثى. ولأن العلاقة مصدرها أحد النقيضين المكونين لها، فإن الإنسان مصدره أحد هذين العاملين، ونقصد به العامل الذكري. ولقد أكد الفكر الديني هذا في الآيات التي أوردناها في حديثنا عن أصل الانسان، حيث ترد هذه الآيات هذا الأصل الى النطفة وهي العامل الذكري مع أن الانسان يكونه العامل الأنثوي أيضاً. واذا كان الانسان الذي يكونه العامل الأنثوي أيضاً مصدره العامل الذكري فإن هذا يعني أن العامل الأنثوي مصدره العامل الذكري من حيث أنه مصدر للعلاقة، للانسان. ولقد أكد الفكر الديني هذا أيضاً فحواء خلقت من ضلع آدم، فهو مصدرها، وهي كانت كامنة فيه قبل أن توجد… إن العلم يرمز الى العامل الذكري برمز XY والى الأنثوي برمز XX  ويلاحظ أن العامل الذكري ينطوي على الأنثوي، وأنه علاقة بينه وبين العامل الأنثوي. ولقد قلنا إنه مصدر العلاقة(الإنسان) السابق على وجودها والسابق على وجود نقيضه (الأنثوي). و عندما كـان سابقاً فإنه يكون بأحد طرفيها العامل (Y) وهو بهذا ليس رجلاً، ليس انساناً، الرجل علاقة (XY) وبهذا فإننا نعني بأسبقية وجود الرجل او العامل الذكري أن له أصله السابق في الوجود وهو أحد الطرفين المكونين له، أما المرأة فليس لها أصل سابق في الوجود، وجودها يقترن بوجود العلاقة (الرجل) ووجود الرجل يقترن بوجودها لأنها أحد طرفيه.
هذا الذي قلناه سنقرره عن طريق علم الذرة..
إننا نفترض أن أحد النقيضين الذي هو سابق على النقيض الآخر  في كونه وجوداً، في كونه ينطوي على سر الوجود، هو البروتون. ولعله من طبيعته هذه سمي بروتوناً، وتعني الأول او الأصل..وعندما كان سابقاً لم يكن بطبيعته المادية، ولهذا قلنا إنه ينطوي على سر الوجود، فما كان سابقاً هو سر الوجود الذي فيه او جوهره. وكون البروتون سابقاً يعني أن نقيضه الالكترون لم يكن موجوداً، كان عدماً. ويقرر لنا العلم أن هناك حالة للالكترون يكون فيها عدماً فيتحدث لنا عن جسيم اسمه البوزترون وهو الكترون ذو طاقة وكتلة سالبتين (ت). وقد عبر عنه العالم الانكليزي المشهور ديراك بأنه (فراغ). والفراغ في المفهوم الفيزيائي البحت هو الخلاء "الذي لا تشغله الذرات ولا الالكترونات ولاالفوتونات ولا الجسيمات عامة"(28) أي انه خلو منها فهو عدم.. وقد عبروا عن البوزترون بأنه مادة مضادة، أي انها ضد المادة، والمادة وجود ووجود ظاهر.. وقبل أن يكتشف البوزترون جسيماً كان ديراك قد افترضه افتراضاً عندما أخذ على عاتقه محاولة إيجاد نظرية تركيب الالكترون. وقد اضطر الى البحث عن مخرج من الصعوبة التي نشأت مع نظريته الجديدة التي تفترض لكي تكون سليمة وصحيحة وجود الكترونات ذات طاقة وكتلة سالبتين. وقد سميت بعد ذلك الكترونات متعنتة او عنيدة، وسميت ايضاً بحر ديراك. فيمكن في افتراضه أن توجد الالكترونات في مستويات طاقة سالبة، وأن كل هذه الحالات او مستويات الطاقة السالبة الموجودة في العالم المحيط بنا مشغولة بالالكترونات. وحسب تحليله فإن كل ما حسبناه حتى الآن فراغاً ما هو الا مجموعة هائلة لا نهاية لها من الالكترونات التي توجد في مختلف الحالات الممكنة للطاقة السالبة(29).. إن البوزترون او الالكترون المتعنت والذي هو فراغ او عدم، هو الحالة الأولى للالكترون قبل أن يرتفع عن مستوى الطاقة السالبة ويظهر أي يصبح وجوداً او طاقة موجبة:ـ"إن أية كتلة ماء متذبذبة ومتغيرة باستمرار تحتوي في داخلها على فقاعة هوائية (فراغ) لا يوجد فيها ماء وتمثل الفقاعة تبعاً لرأي ديراك ثقباً في بحره الكبير من الالكترونات ذات الطاقة السالبة، وبالتالي فإن هذا الثقب لابد وأن يظهر ويسلك سلوكاً معاكساً للألكترون العنيد أي كجسيم تكون كتلته وشحنته موجبتين"(30). إن البوزترون الذي هو طاقة سالبة والذي يرتفع الى مستوى الطاقة الموجبة فيكون الكتروناً، هو ما يمثل العدم، فالعدم طاقة: طاقة سالبة قبل الظهور وموجبة بعد الظهور. واذا كنا نقول إن الوجود الظاهر أي الوجود المادي المحسوس يكون بإيجاد العدم، فإن العلم يؤكد أن وجود الألكترون أوالشحنة السالبة يصاحبها الشحنة الموجبة أو البروتون بما يمثل الذرة التي هي المادة .
ذكرنا أن البروتون هو هذا النقيض الذي يمثل الوجود السابق على وجود نقيضه (الإلكترون) في الذرة والذي يقابل أسبقية وجود (أصل الحركة) على وجود السكون في تدليلنا الفلسفي. وقلنا إنه عندما تكون الحركة سابقة على وجود نقيضها السكون والذي هو أحد طرفيها بعد وجوده فإنها تكون بأحد طرفيها، أي ان هذا النقيض الذي هو الحركة له صورتان: الأولى، عندما يمثله طرف واحد وقد سميناها (أصل الحركة). والثانية عندما يمثله طرفان وقد سميناها (الحركة).. فهل يقول علم الذرة إن هذا التدليل الفلسفي صحيح؟.. إنه يقول، إن الذرة التي هي أصغر جسيم يمثل المادة مكونة من شحنتين متضادتين: موجبة(بروتون) وسالبة(الكترون) أي إنها علاقة بينهما وهي تمثل حالة الحركة لأنها جسيم متحرك . وإذا كانت الحركة مسبوقة بأصل الحركة فإن ما يمثل أصل الحركة هو البروتون لأن منه يبدأ تكون الذرة وإليه ينتهي . يقول علم الذرة: إن البروتون يطلق البوزترون(31) (أي ينفي العدم او يوجده) فيتحول الى نترون(32)، أي الى "شحنتين متساويتين ومتضادتين"(33) من الكهربية موجبة وسالبة، أي انه يتحول الى علاقة بعد وجود الشحنة السالبة، بعد وجود الإلكترون نقيضه . وهو في الحالة النيوترونية يشبه الذرة لأن الذرة علاقة كما قلنا ، وإن وجود هذه الحالة يقترن بوجود الذرة ولا وجود لها خارجها . أي إن البروتون لايكون نترونا إلا في الذرة ، فالنترون يتفكك خارجها .
إن تحول البروتون الى نترون يعني أن هذا النقيض الذي افترضنا أنه سابق في كونه وجوداً له صورتان: قبل وجود الالكترون، وبعد وجوده، قبل العلاقة او الحركة( أصل الحركة)، والعلاقة او الحركة حيث ولادة النقيض الآخر، الالكترون.. إن البروتون والنترون حالتان لجسيم واحد: "يمكن اعتبار البروتون والنيوترون جسيماً واحداً يسمى النيوكلون، وللنيوكلون حالتان، الحالة البروتونية، والحالة النيوترونية"(34). إن الحالة البروتونية والحالة النيوترونية تنتابان ـ اذاً ـ هذا الجسيم الذي هو أحد النقيضين، وإن إحداهما(الحالة البروتونية) تنتابه قبل الأخرى كما نفترض. وإنها البداية التي يبدأ منها ذلك لأنها النهاية التي ينتهي اليها في حركته المتذبذبة بين الحالتين وذلك قبل أن تنتقل الذرة الى عنصر جديد أكبر من عنصر هذه الذرة بشحنة موجبة واحدة وهذا ما سنأتي عليه .
 إن الحالة النيوترونية مصدرها الحالة السابقة عليها: البروتون (الحركة او العلاقة مصدرها أحد النقيضين الذي هو سابق).. والبروتون بهذا مصدر لنقيضه الالكترون كذلك. ولأنه مصدر للحالة النيوترونية او النترون الذي هو حركة فمعنى هذا أنه يسيطر على حركته، وأنها ستؤول اليه في النهاية، حيث يطرد عنه الشحنة السالبة فيعود الى كونه بروتوناً..
إن أسبقية الحالة البروتونية(35) تعني أسبقية الواحد على الاثنين: الحالة النيوترنية.. واذا كانت هذه حركة لأنها تناقض او علاقة (وهذا ما سنقرره في ما يأتي) فإن أسبقية الحالة البروتونية تعني أسبقية الاستقرار حيث لا تناقض وحيث الشحنة الواحدة على الحركة التي هي تناقض. وأن أحد النقيضين ذا الحالتين (النيوكليون) هو استقرار وحركة، استقرار ثم حركة..
فسرنا كون أن الالكترون كان عدماً بأنه كان مادة مضادة، ولكن هناك حالة للبروتون يكون فيها بروتوناً مضاداً. وهذا يعني أن البروتون كالالكترون يكون مادة مضادة ثم يتحول الى مادة. فما معنى أنه يمثل الوجود والالكترون يمثل العدم؟.. ونقول لقد ذكرنا أن عدم وجود أحد النقيضين يؤثر في الآخر بأن يجعله كامناً او غير ظاهر او غير متعين، ولنقل غير مادي. فالظاهر هو المادي، وغير الظاهر هو غير المادي. والبروتون المضاد هو البروتون في حالة عدم ظهوره، أي عدم تحوله الى مادة بتأثير عدم وجود  الالكترون أي عدم ظهوره. إن عدم (ظهور) الالكترون يسبب عدم (ظهور) البروتون، ويكون الاثنان مادة مضادة. ونسأل ايضاً: كيف نميز بين كون هذا يمثل الوجود وذلك يمثل العدم مع أنهما الاثنين غير ظاهرين، مادة مضادة؟… إن الإجابة عن هذا سنذكرها. ولقد أكدنا أن الوجود لايعني فقط الوجود الظاهر أو المادي أو المتعين ،  فهذا يسبقه وجود جوهري كامن.  وقلنا إنه عندما كان الوجود كامناً قبل أن توجد المادة، فإنه كان هنالك تناقض أو نوع من التناقض ولكنه غير ظاهر، أي غير مقترن بالمادة إذ كان يقترن بالمادة المضادة ويمثل (النترون المضاد) هذا التناقض غير الظاهر او غير المادي، لأنه مادة مضادة.
3ـ إن التناقض او العلاقة حركة: قلنا، إن الذرة علاقة بين نقيضين، البروتون والالكترون(ث)، وإن أحد النقيضين (الالكترون) كان عدماً قبل أن يوجد لتوجد الذرة وهي كيان متحرك.. متحركة جسيماته.. إن هذا يعني أن التناقض حركة، والنقيضان هما، البروتون والالكترون. أما ما هي صورة الحركة فطبيعة التناقض تحددها بأنها صراع يسعى فيه أحد النقيضين الى القضاء على الآخر ودحره. فحركة المتناقضات في الذرة نقصد بها هذا الصراع الدائر بينها، فالحركة صراع. ولقد كنا قد قلنا، إن هذا النقيض السابق هو الذي يوجد نقيضه ويوجد علاقة التناقض. فالبروتون يوجد الالكترون فيتحول الى علاقة تناقض، الى حركة، الى صراع . أي ان أحد النقيضين يوجد نقيضه ليصارعه. ولما كان هو السابق، وهو الوجود وهو الذي يخلق نقيضه ويخلق العلاقة او الصراع فإن نتيجة الصراع ستؤول اليه، وانه هو الذي تكون له الغلبة بالقضاء على نقيضه الذي يمثل العدم (حتى بعد تعينه لأنه يمثل خلواً من الوجود) . ولكننا قلنا إنه لا يمكن لهذا النقيض أن يقضي على نقيضه دون أن يبقي على ما يشير الى هذه العلاقة لأن أحد النقيضين لا معنى له خارج علاقته بنقيضه. وتساءلنا عن كيفية ذلك، وأجبنا على التساؤل من خلال مناقشة حقيقة إيجاد هذا النقيض الذي كان عدماً فقلنا إنه اذا كان وجوده يوجد التناقض، فهذا يعني أنه يبقى يحتفظ بصفة العدم او (ضد الوجود) بعد وجوده. وهذا يعني أن وجوده هو وجود تعين او ظهور وليس وجوداً في الماهية أو الصفة كما هو الوجود الذي يمثله الوجود السابق. وهذا النقيض يمثله في الذرة الالكترون، فعندما يفارق الالكترون حالة كونه الكتروناً سالباً او فراغاً او عدماً، فإنه يبقى يحتفظ بحالة مناقضة البروتون فيحمل شحنة سالبة مضادة للشحنة الموجبة التي يحملها البروتون نقيضه…
إن الالكترون الذي يحتفظ بصفة (ضد الوجود) يقضى عليه، فعندما يرتفع عن حالة العدم (الطاقة السالبة) الى الوجود (الطاقة الموجبة) فإنه يختفي فوراً مقضياً عليه… عندما يرتفع الالكترون عن حالة كونه بوزتروناً او فراغاً الى حالة كونه الكتروناً عادياً فإن هذا الالكترون العادي يختفي فوراً مع الفراغ او البوزترون باعثاً طاقة. وعملية الاختفاء المتبادل للالكترون والفراغ هذه سميت بعملية اختفاء الالكترون او زواله، او بعملية التلاشي(36)(ج):ـ "فإن الالكترون العادي  المنطلق في الثقب يجب أن يختفي مع الأخير فوراً باعثاً كما واحداً من الطاقة، وعملية الاختفاء المتبادل للالكترون والثقب هذه والتي لها خصائص تشبه وقوع شحنة موجبة في "بحر" من الالكترونات ذات الطاقة السالبة قد سميت باختفاء او زوال الالكترون"(37).
إن وجود الالكترون يقضى عليه.. إن وجود أحد النقيضين يقضي عليه لأنه يناقض طبيعته فهو ضد الوجود كما قلنا؛ ووجوده يقضي عليه.. أي ان وجود التناقض يقضي على التناقض.. ونتساءل بعد هذا الشرح التساؤل نفسه الذي قادنا الى الشرح، فنقول: هل يعني هذا أن أحد النقيضين الذي هو النقيض السابق يظل ولا علاقة له بنقيضه، وقد قلنا إنه لابد له مما يشير الى علاقته بنقيضه؟..
ذكرنا أن وجود العدم معناه تحوله الى علاقة، ذلك أن وجوده يعتمد على وجود نقيضه، وانه كان عدماً لأنه خارج علاقته بالآخر، وهذا يعني أن وجوده وجود ظاهر لأنه يشترط وجود نقيضه. وأن وجوده يؤثر في وجود نقيضه فيجعله وجوداً ظاهراً. أي ان في وجوده يوجد مظهران متناقضان أحدهما يمثل العدم، يمثله الالكترون الذي يقضى عليه، والآخر يمثل الوجود تمثله الشحنة الموجبة التي تظهر بظهور الالكترون وهي البروتون(38). وهذا يقوله قانون انحفاظ الشحنة فوجود شحنة سالبة يعني وجود شحنة موجبة تعدلها في المقدار، والشحنة الموجبة تقضي على السالبة وتخلف وجودها. أي ان الالكترون يقضي عليه وجود يخلفه هو شحنة موجبة، هو بروتون..
بوجود العدم ـ إذن ـ يوجد مظهران: شحنة سالبة، هي العدم الذي يقضى عليه.. وشحنة موجبة هي الوجود الظاهر الذي يظل وجوداً باقياً.. العدم ينفى نقيضاً للوجود (الكترون) لأنه يمثل العدم مع أنه وجود، أي انه يحتفظ بصفة المناقضة للوجود الذي يمثله البروتون. ولذلك فإن وجوده وجود للتناقض، كما ان القضاء عليه قضاء على التناقض.. إن نفي العدم والقضاء على الالكترون يخلفه  وجود هو شحنة موجبة. فالشحنة السالبة تقضي عليها الشحنة الموجبة فيما قرره علم الذرة. فالبروتون يتحول الى نترون، أي يوجد فيه الشحنة السالبة، ثم تطرد الشحنة السالبة عن النترون ليعود الى كونه بروتوناً، الى كونه شحنة موجبة، أي ان الشحنة الموجبة تبقى بعد طرد الشحنة السالبة… تخلف الشحنة السالبة.. وقد يكون معنى هذا أن الطاقة التي يمثلها الالكترون او العدم يستفيد منها البروتون ليتجلى في المادة . إن الطاقة تتحول الى مادة، وهذا قاعدة علمية. إن العدم الذي هو طاقة يستنفد لكي تظهر الشحنة الموجبة التي تطرد السالبة. وسنعرف أن الشحنة الموجبة تطرد السالبة على مراحل او أجزاء، وان كل جزء يوجد ويطرد من الشحنة السالبة ـ وهو ما يسمى بميزون بي السالب ـ يقابله جزء يوجد ويبقى من الشحنة الموجبة ـ وهو ما يسمى بميزون بي الموجب(39). ولتكرار عملية نفي الشحنة السالبة، تتكرر عملية تحول البروتون الى نترون وتحول النترون الى بروتون في نواة الذرة حتى يتم طرد الشحنة السالبة كاملة عن النواة فتكتسب شحنة واحدة موجبة (بروتون) وتطرد عنها شحنة واحدة سالبة، وتنتقل الذرة الى ذرة عنصر جديد أكبر من العنصر السابق بشحنة موجبة واحدة(40) :ـ " فتفقد النواة تبعاً لذلك شحنة واحدة سالبة ونتيجة لهذا تكتسب شحنة واحدة موجبة"(41).
إن شحنة موجبة تنفي شحنة سالبة من وحدة العلاقة تصديق لقوله تعالى:ـ "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق"(42). وإن نفي الشحنة الموجبة للشحنة السالبة يؤكد ماقلناه من أن الوجود ناف والعدم منفي , فكل منهما يحمل شحنة تضاد الشحنة الأخرى ولكن البروتون هو الذي يبقى وهو الذي يخلف وجود الالكترون .
إن هذه الشحنة الموجبة التي تخلف الالكترون تكفل لنفسها أو لهذا النقيض الذي يمثل الوجود أن يبقى بعد القضاء على التناقض، فهي وجود ظاهر او متعين أي انه متخذ صفة الضد من نقيضه أي انه نفي لنقيضه فكل تعين سلب ، فهذه الشحنة الموجبة تشير الى العـدم لأنها نفي للعدم، هي سلب للعدم، وهذا ما يشير اليه، ما يبقي على علاقة هذا النقيض السابق بالآخر (العدم) فلا يبقى مجرداً مما يشير الى علاقته بالآخر.
إن نفي أحد النقيضين (الحركة) الذي يتضمن نقيضه لنقيضه، او تجاوزه إياه يعني في الوقت نفسه تجاوزاً لنفسه لأنه ينطوي عليه.. تجاوزاً لحالة كونه ينطوي عليه الى كونه خالصاً منه. وبهذا يتخذ الصراع مظهرين، الأول: صراعه ضد نقيضه، والثاني صراعه ضد نفسه. ولقد وقفنا على البروتون في الذرة وهو يسعى بعد تحوله الى نترون، الى تجاوز الالكترون نقيضه، ولأن النترون يتضمنه، فهو يتجاوز نفسه بتجاوزه لنقيضه، يتجاوز كونه نتروناً بتجاوزه الالكترون. ففي الذرة هنالك مظهران للصراع، وهنالك مظهران للتناقض. ولأن هنالك مظهرين للتناقض وجدنا جسيمين يمثلانهما في الذرة، هما، النترون، وهو علاقة تناقض بين البروتون والالكترون، ونواة الذرة وهي العلاقة بين البروتون والنترون..(ح).
إن كون التناقض او العلاقة صراعاً، تأكيد للحقيقة الدينية التي تذهب الى أن الانسان خلق في صراع "لقد خلقنا الانسان في كبد"(43) لأنه تناقض وعلاقة.. وهو صراع يبغي فصلاً لوحدة العلاقة، كما قلنا. وحقيقة أن الصراع يبغي فصلاً للعلاقة، تصديق للحقيقة الدينية التي تسمى يوم القيامة ـ وهو اليوم الذي يكون الصراع أو التحدي بين الله والشيطان قد بلغ غايته بانتصار الله واندحار الشيطان، او نفيه ـ يوم الفصل.
إن فصل أحد النقيضين(النترون) الذي يتضمن نقيضه (الألكترون) لنقيضه، يعني فصل الواحد الى اثنين، ويثبته ما يدور في الذرة.. إن البروتون يوجد الالكترون فيتحول الى شحنتين متناقضتين (نترون). ثم ينفصل النترون الى بروتون والكترون طارداً عنه الالكترون وراجعاً الى كونه بروتوناً.. إن هذا الفصل قضاء على العلاقة، النترون، او شطر لها. وان القضاء على النترون وهو العلاقة التي بين البروتون والالكترون، يعني القضاء على العلاقة التي بين البروتون والنترون وهي نواة الذرة، لأن النترون ينشطر ليعود الى كونه بروتوناً.. لتنتهي علاقة التناقض بينـه وبين البروتون بـأن يصبح بروتوناً وبذلك تنتهي ذرة هذا العنصر_ولنفترض أنه عنصر الهيدروجين_ وتنتقل الى ذرة عنصر جديد أكبر من السابق بشحنة موجبة واحدة وذلك لأن انشطار نواة هذا العنصر انتهاء له .
4ـ إن الصراع يرتبط بغاية هي انتصار أحد النقيضين على الآخر، نفيه له وقضاؤه على التناقض. وهو يبقى مستمراً طالما وجد تناقض مع الغاية التي يريد بلوغها هذا النقيض. حتى اذا ما بلغها وقف عندها. واذا انتفى التناقض، انتفت الحركة واستقرت، فقد قلنا إن التناقض حركة.. أي ان الحركة لها أجل مسمى تنتهي عنده. وهنا نستطيع أن نؤكد الحقيقة الدينية التي تقرر أن نتيجة الصراع بين الله والشيطان بانتصار الله واندحار الشيطان تعني استقراراً: "وان الآخرة هي دار القرار"(44).
أما في الذرة، فقد قلنا، إن ما يدور فيها صراع، وصراع غايته أن ينفي أحد النقيضين الذي هو أصل ووجود، عنه نقيضه الذي هو عدم.. ولقد وجدناه يمر بسلسلة من عمليات النفي او التجاوز، فالبروتون او الشحنة الموجبة تنفي الشحنة السالبة عبر عمليات عدة من النفي او التجاوز حتى تنفيها كلها بعد أن تنفيها على أجزاء. ولقد قلنا إن البروتون ينفي الشحنة السالبة او يقضي عليها بأن يوجدها(45)، فيتحول الى نترون ثم يطردها عن النترون ليعود الى كونه بروتوناً(خ). وهو في نفي كل جزء يكون قد تحول الى نترون ثم الى بروتون، حتى يتم له نفي نقيضه كله: "في النواة يتحول النيترون والبروتون، أحدهما الى الآخر باستمرار"(46). وفي أثناء كل تحول تحدث شحنة موجبة تعدل الشحنة السالبة التي تنفى، وإن الشحنات الموجبة تتراكم، وتتراكم السالبة. وهذا يعني أنه يحتفظ بالشحنات او الأجزاء المتجاوزة حتى اذا ما تم نفي الشحنة السالبة كلها، انفلتت كلها او انفلت الجسيم الممثل لها. أي ان علاقة التناقض الكلية بينهما لم تنته بعد، وهذا ما يبقي الذرة محتفظة بكيانها حتى تجاوز آخر جزء من الشحنة السالبة. فالشحنة السالبة تنفلت كاملة بنفي العلاقة العامة. ولقد قلنا، إنه يحتفظ بالشحنات الموجبة والشحنات السالبة المتجاوزة حتى انتهاء علاقة التناقض العامة بين الشحنات الموجبة كلها والسالبة كلها.. ولما كانت الشحنة الموجبة في هذه الذرة ـ ولنفترض أنها ذرة أول العناصر (الهيدروجين) ـ هي ليست كل الشحنة الموجبة التي تصارع كل الشحنة السالبة في مادة الكون، لذا فإن الشحنة الموجبة والشحنة السالبة اللتين انتهت بينهما علاقة التناقض او تم تجاوزها في ذرة أول العناصر، تحتفظ بهما ذرة ثاني العناصر التي هي أكبر من ذرة العنصر السابق لها بشحنة موجبة واحدة مقدارها بروتون واحد. واذا ما استطاعت الشحنة الموجبة في ذرة ثاني العناصر نفي الشحنة السالبة وانتهت بينهما علاقة التناقض، فإنه يحتفظ بالشحنتين الموجبتين والسالبتين اللتين تم تجاوز العلاقة بينهما في ذرة ثالث العناصر التي هي أكبر من ذرة العنصر الثاني بشحنة موجبة مقدارها بروتون واحد، وهكذا…
إن عناصر المادة كل منها تطور عن العنصر السابق من حيث أن كلاً منها أكبر من العنصر الذي يسبقه بشحنة موجبة واحدة مقدارها بروتون واحد.. أي ان كلا منها أضعاف لنفس هذه الوحدة الأساسية التي مقدارها بروتون واحد(د)، وهذا ما يسمى بوحدة المادة على هذا الأساس المذكور(47). أي ان أي عنصر من العناصر غير مقطوع عن العناصر السابقة، من حيث أن أي عنصر من هذه العناصر يحتوي ما سبقه منها.. إن أي عنصر من عناصر المادة تتراكم فيه الشحنات التي تم تجاوز العلاقة بينها مما كان يشكل ذرات العناصر السابقة.. وتستمر العناصر تتصاعد حتى تصل الى هذا العنصر الذي يحتوي على أكبر عدد من الشحنات الموجبة، العدد الكامل لها، حتى اذا ما نفت الشحنة الموجبة عدوتها السالبة وانتهت بينهما علاقة التناقض وانشطرت ذرة هذا العنصر، انشطرت بأنشطارها ذرات عناصر المادة كلها وصولاً الى ذرتنا الأولى، ذرة الهيدروجين التي وصفنا فيها الصراع بين الشحنة الموجبة والشحنة السالبة.
إن الحقيقة الدينية تؤكد بعض تفاصيل ما ذكرنا.. ففصل أحد النقيـضين
للآخر على مراحل وأجزاء تتراكم يؤكده النص القرآني: "ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون"(48).
5ـ إن الصراع تحكمه غاية هي البداية التي تحرك بها الصراع، وهي النهاية التي ينتهي اليها الصراع. والغاية هي انتصار أحد النقيضين الذي هو سابق، وانتصاره يعني نفيه للآخر، أي وجوده بغير وجود نقيضه. وهذا كان قبل وجود الصراع، أي قبل وجود النقيض الآخر ويكون بعد نهايته، بعد نفيه للآخر. أي ان أحد النقيضين هو الغاية التي يتوجه اليها الصراع من حيث أنه بداية ونهاية. أي ان انتصاره مقدر قبل تحققه. وهذا تأكيد لقوله تعالى: "إن الله بالغ امره"(49) لأنه "هو الأول والآخر"(50) الذي يبدئ الصراع واليه تنتهي نتيجته، لأنه يسيطر على الصراع: "إنه هو يبدئ ويعيد"(51) ولا يكون لنقيضه هذا "وما يبدئ الباطل وما يعيد"(52). فله البداية وله النهاية "وإن لنا للآخرة والأولى"(53). وعندما تكون البداية هي النهاية في الصراع، فمعنى هذا أنه يسلك في حركته سلوكاً دائرياً، فمن خصائص الحركة الدائرية، إن البداية فيها هي النهاية وبالعكس. ونحن نعرف أن أية نقطة على محيط الدائرة تصلح أن تكون بداية ونهاية للحركة عليه…
إن الصراع بين البروتون والالكترون تحكمه كذلك غاية انتصار البروتون. واذا كان انتصار البروتون مقدراً منذ البداية، لأنه الأصل او الوجود السابق، لأنه الذي يخلق الصراع وينهيه لصالحه، لأنه يسيطر على حركة الصراع، لأنه يسيطر على حركة الذرة، فمعنى هذا أن مسيرة الصراع وحركة عملية التجاوز او النفي ـ إذ لايتسنى له أن ينفي نقيضه بتجاوز واحد ـ ستتخذ شكلاً دائرياً حيث يبلغ في آخر نفي ما أراده اولاً. حيث تبلغ النهاية البداية.. ومسألة الدورة في حركة الذرة (حركة جسيماتها) ليست بحاجة الى تأكيدها، بل إن الكون كله تحكمه حركة دائرية ابتداءً من أصغر جزيئاته وحتى الأجرام والمجرات، كلها تجري في حركة دائرية ، وهو تصديق لقوله تعالى "وكل في فلك يسبحون"(54) إذ الفلك هو الحركة الدائرية.. واذا كان ذلك، فإن هذه الحركة لها نهاية كما أن لها بداية، واذا بلغت الحركة نهايتها انتهت. ولعلك تستطيع أن تقول لذلك، لم اتخذت المخلوقات من الذرات والأجرام السماوية شكلاً دائرياً.. لم اتخذ الكون كله شكلاً دائرياً: "إن الفضاء متحدب تحدباً إيجابياً، وانه متناهٍ، مغلق على نفسه."(55) وهذا ما افترضه آينشتين "لأننا إذا انطلقنا الى أية جهة كانت فإننا نصل الى النقطة التي انطلقنا منها أول الامر"(56). وافترض تحدب الزمن(57)، وهذا يعني أن له بداية ونهاية. والزمن هو الحركة، أي إن الزمن له نهاية هي نهاية الحركة او نهاية التناقض.
إن القوى التي تمسك الجسيمات في نواة الذرة ولا تسمح لها بالتبعثر، وهي في افتراضنا قوى التناقض "هي نفسها القوى التي تكفل للنواة في حالتها الطبيعية شكلاً كروياً ثابتاً"(58) لأن مسيرة حركة المتناقضات تتخذ شكلاً كروياً ثابتاً.
6-إن الفكر او الجوهر (الوجود الكامن) يتجـسم فـي الفعـل، (الوجـود
الظاهر). وإنه يستفيد من النقص الذي في الفعل لينتقل به الى الكمال الذي يمثله هو. أي ان الفكر يتناقض مع فعله، واذا كان التناقض صراعاً، فإن الصراع يبقى طالما وجد نقص، طالما وجد تناقض بين الفكر والفعل، بين المضمون والشكل. وإنهما متى ما تطابقا، انتهى التناقض وتوقف الصراع، لأن غاية الصراع أن يبلغ بالفعل الى كمال الفكر. والفكر يستفيد من فعله الذي هو بمنزلة خبرة تعينه على بلوغ الكمال ومرحلة متجاوزة الى الكمال. والفكر في تجاوزه المتواصل او في حركته الرافضة لا ينسى هذه المراحل التي يتجاوزها، إنما يحتفظ بها أجزاء من غايته الكلية…إن الفعل مصدره فكر،والشكل مصدره مضمون، فالفكر خالق للفعل و المضمون خالق للشكل، وبهذا فلا وجود للثاني من هذه الا بالأول منها..
والآن ليحدثنا العلم عن هذه الحقيقة:
عرفنا أن صورة الوجود قبل وجود العدم هي أحد النقيضين الذي سميناه (أصل الوجود) وقلنا إنه يمثل وجوداً كامناً لأن النقيض الآخر لم يوجد بعد، ليوجد الاختلاف والتناقض ويتميز النقيضان ويصبح الوجود ظاهراً. فأسبقية هذا النقيض تجعل وجوده كامناً فإذا تحول العدم الى وجود أظهر صفة الوجود السابق عليه وأصبح هذا الوجود السابق ظاهراً متميزاً.. لقد قلنا إن هذا النقيض السابق يمثله في الذرة البروتون، وقلنا إن البروتون يوجد العدم، يوجد الالكترون فتوجد العلاقة التي يمثلها النترون وتمثلها الذرة فالنترون والذرة علاقة بين البروتون والالكترون وهذا قلناه أيضاً.. ووجود الذرة يعني وجود المادة لأن المادة ذرات(59). وإن الذرة هي أصغر ما يمثل مادة الكون التي هي ملموس او واقع او شكل: "إن الذرات تلتصق ببعضها فتؤلف المادة"(60) إن الذرة هي مادة أي انها وجود محسوس او ظاهر واننا نفترض أن الوجود السابق عليها هو وجود كامن غير محسوس وهو ما عبرنا عنه بالجوهر او الفكر حيث أحد النقيضين (أصل الوجود) والآخر الذي كان عدماً.
إننا نعرف أن العدم (البوزترون) ـ وهو حالة نفترض أنها سابقة على وجود الذرة ووجود المادة  ـ هو مادة مضادة أي انه ليس بمادة  وليس وجوداً ظاهراً. وكذلك كان وجودا غير ظاهر(أصل الوجود) او (أصل الحركة) الذي افترضنا أنه يمثله جوهر هذا الجسيم الذي يمثل الشحنة الموجبة في الذرة وهو البروتون والذي نفترض أنه سابق ( أي جوهر البروتون ) على وجود الذرة، فهو أيضاً وجود غير ظاهر، غير مادي. ذلك أن كون النقيض الآخر(الالكترون) عدماً يؤثر فيه، فيجعله غير ظاهر او غير مادي. ولقد وجدنا للبروتون جسيما مضادا هو البروتون المضاد أي انه مادة مضادة، و اذا كان كل من البروتون والألكترون  مادة مضادة، فما الذي يجعلنا نصف أحدهما بأنه وجود والآخر عدم؟.. وهو ما اختلفنا فيه مع هيجل الذي وصف كلا النقيضين، قبل الانتقال الى الصيرورة او الوجود المتعين، بأنهما عدم، لأنهما غير متعينين، فالوجود عنده وجود متعين او ظاهر فقط كما ذكرنا.
ونقول: إن ما يدلل على كون أحدهما يرتبط بالوجود السابق (أي انه هو الذي يمثل الأصل، الامتلاء، والآخر خلو منه او انتفاء) ما يدلل على أنه مصدر لوجود نقيضه، ولوجود العلاقة، أنه الذي تنتهي اليه الحركة، وبهذا فإنه الذي تبدأ منه، وهذا ما يتصف به البروتون:
إننا نعرف أن للبروتون حالتين تقترنان بوجود الذرة وهي الحالـة
البروتونية والحالة النيوترونية. وقلنا إن البروتون والنترون يتحول أحدهما الى الآخر باستمرار في نواة الذرة، وإن هذا التحول حركة. وإن النترون يتفكك الى بروتون والكترون ويطرد الالكترون من النواة. أي ان النترون يعود الى كونه بروتوناً. واذا كان البروتون هو الحال التي تنتهي اليها حركة هذا التحول فإنه الحال التي بدأت منها.  أي ان البروتـون هو الحال السابقة على النترون وعلى الالكترون (الشحنة السالبة التي يتفكك اليها النترون).. ولما كان النترون ينتهي الى البروتون، ولما كانت النهاية هي البداية في الحركة الدائرية التي هي حركة جسيمات الذرة، فإن البروتون له البداية السابقة( ونقصد جوهره) في كونه وجوداً على وجود الذرة الظاهر.
ولكن قد يقال إن البروتون يكتسب شحنة سالبة ويتحول الى نترون أي ينتهي الى كونه نتروناً، وهذا قد يعني أسبقية النترون على البروتون، لأنه لما كان الحال التي ينتهي اليها فهو الحال التي يبدأ منها.. والحق إن مسألة أسبقية أحدهما على الآخر لم يبت بها مصدر علمي حسب ما أعرفه.. ونقول: إن تحول النترون والبروتون أحدهما الى الآخر في الذرة مستمر، ولكن آخر تحول تشهده نواة الذرة قبل أن تنتقل الى ذرة عنصر جديد ويتم تجاوزها من قبل العنصر الجديد، هو تحول النترون الى بروتون، وهذا يعني أسبقية البروتون. فعندما تتحول الذرة من ذرة عنصر ما الى ذرة عنصر جديد آخر، فإن نيوتروناً في النواة يتفكك الى بروتون والكترون، وإن الالكترون يطرد من النواة ويبقى البروتون لتكتسب النواة شحنة موجبة تنقلها الى كونها ذرة عنصر جديد أكبر من العنصر السابق بشحنة موجبة واحدة. أي ان آخر تحول في نواة الذرة، قبل أن تنتقل الى نواة عنصر جديد هو تحول النترون الى بروتون. فالبروتون هو الأول من حيث أنه الأخير. ثم إن الشحنة السالبة تقذف من النترون او من نواة الذرة (حيث النترون) ليبقى البروتون فقط في نواة الذرة. وهذا يعني أنه يبقى ما هو أصل ويقذف ما هو غير ذلك، يقذف الالكترون ويتجاوز وجود النترون لأنه يتعلق بوجود الالكترون.. إن البروتون هو الذي يبقى لأنه يمثل الوجود السابق على وجود نقيضه وعلى وجود العلاقة وهو مصدرهما. ولكنه كان جسيماً مضاداً، لأن كون نقيضه عدماً يجعل التناقض غير ظاهر أو غير مادي، أي يجعل البروتون مادة مضادة، وعندما يظهر التناقض يصبح بروتونا. وهذا الجسيم يمثل الوجود السابق على وجود المادة ، كما قلنا، والذي هو بدء الوجود ومصدره، وهو النهاية التي ينتهي اليها الصراع وتنتهي اليها عملية التجاوز من حيث أنه البداية التي انطلقت منها عملية التجاوز والصراع . إن تكون شحنة موجبة جديدة (بروتون)، هو الذي يجعل الذرة تنتقل الى ذرة عنصر آخر. وهذا يعني أن الشحنة الموجبة هي غاية عملية التحول او التجاوز والنفي. ونحن نعرف أن كمية الشحنة الموجبة في الذرة هي التي تحدد صفة العنصر او نوعه، وليس كمية النترونات، وان اكتساب شحنة موجبة إضافية هي التي تنقل العنصر الى عنصر آخر.
إن البروتون كان مادة مضادة ولكنه يتصل بالوجود الكامن أو الجوهر، ثم ان هذا الجوهر لكي يقضي على نقيضه العدم _الذي هو مادة مضادة كذلك او بوزترون ـ يحيله الى وجود، فيوجد التناقض أي يظهر ويتعين ويصبح مادياً.. إن وجود هذا النقيض الذي يوجد التناقض معناه أنه يبقى يحتفظ بصفة مناقضة الوجود بعد وجوده فيحمل شحنة سالبة مضادة للشحنة الموجبة التي يحملها البروتون الذي يمثل الوجود، فلقد قلنا إن الالكترون يمثل (ضد الوجود) وقلنا إن وجوده يعني تعينه وتميزه واتخاذه صفة الضد، والا فإن كونه ضداً للوجود يعني أنه مازال يمثل صفة العدم، فهو خلو من الوجود. أما صفة الوجود فيمثلها البروتون نقيضه الذي يظهر بظهوره.  ولقد ذكرنا سابقاً أن وجود الالكترون يعني وجود البروتون إذ ان الشحنة السالبة والشحنة الموجبة توجد أحداهما بوجود الأخرى وهذا ما ينص عليه قانون انحفاظ الشحنة..
إن البروتون هو وجود ظاهر، هو وجود مادي يعكس الوجود السابق عليه (الجوهر). أما الالكترون فهو وجود ظاهر أيضاً لكنه (ضد الوجود).. فهو يمثل حالة التناقض بين الشكل والجوهر، او الوجود السابق، فالشكل الذي يمثله الالكترون هو ضد للجوهر (الوجود السابق) الذي يوافقه البروتون نقيضه الذي يمثل الوجود او يعكس الوجود السابق.. إن البروتون يعني شكلاً يوافق مضمونه.. إن وجود البروتون والالكترون يعني وجود شكلين متناقضين(61). وإن وجود التناقض يعني وجود الصراع، فينفي البروتون الذي يمثل الوجود الالكترون الذي يمثل العدم من وحدة العلاقة التي تربطه به أي من النترون الذي يتفكك الى بروتون والكترون يطرد. أي ان نتيجة الصراع تؤول الى شكل أو مادة توافق مضمونها أو جوهرها..
إن البروتون ينفي الالكترون نقيضه او يتجاوزه وهو عندما يتجاوزه فإنه يتجاوز نفسه (مرتبطا بالالكترون) أي يتجاوز النترون لأن النترون هو البروتون في حالة ارتباطه بنقيضه . والنترون بالنسبة الى البروتون يمثل شكلاً يتناقض مع الجوهر او الوجود السابق (الذي يمثله البروتون) بما ينطوي عليه من العدم او الشحنة السالبة. وعندما يتجاوز البروتون النترون فإنه يتجاوز عدماً او شكلاً لا يظهر جوهره او مضمونه، يتجاوز تناقضاً بين الشكل والمضمون…
إن البروتون لا يتجاوز بتجاوزه للنترون البوزترون والالكترون فقط، فهو أيضاً كان مادة مضادة، بمعنى ان وجوده المادي غير موجود وانه بأيجاده لنقيضه الالكترون يتحول الى بروتون او نترون، أي الى مادة، أي انه يتجاوز كونه مادة مضادة ً، ينفي عن نفسه عدماً او مادة مضادة بمقدار كتلته، يهدم بروتوناً مضاداً لكي يبني بروتوناً.إن البروتون ينفي ما يعادل كتلته من الشحنة السالبة  ومن البروتون المضاد.
 ولقد قلنا إن البروتون ينفي الشحنة السالبة على مراحل لعل الرقم ـ7ـ(62) يمثل عددها. واذا قسمنا الرقم 1836 (وهو ما يمثل كتلة البروتون والبروتون المضاد) على الرقم ـ7ـ كان الناتج أكثر من 200 كتلة سالبة ، أي انه ينفي في كل مرة عدماً مقداره أكثر من 200 كتلة سالبة.. إن هذا المقدار اصطلحت عليه الفيزياء بالميزون السالب. ولذلك نجد أن البروتون عندما يتحول الى نترون فإنه يوجد او يظهر ميزوناً سالباً، وعندما ينفي هذا الميزون السالب عن النترون فإنه ينفيه بميزون موجب يعدل السالب في المقدار فيعود الى كونه بروتوناً. وهكذا حتى يتم نفي الشحنة السالبة (البروتون المضاد) التي تمثل كتلة بمقدار كتلة البروتون.. أي حتى يتم ايجاد كتلة مقدارها 1836 وهي كتلة البروتون.
إن الميزون السالب هو مادة مضادة، او عدم بالنسبة الى الميزون الموجب الذي هو مادة(63). أي ان البروتون يقضي على المادة المضادة بما يوجده من المادة.. إنه يقضي على المادة المضادة او العدم بتحويلها الى مادة.. عندما يتجاوز البروتون النترون، فإنه يتجاوز مادة مضادة او عدماً في المادة او شكلاً لا يظهر مضمونه مقداره ميزون سالب بما يوجده من مادة مقدارها ميزون موجب.. وكلما تجاوز نتروناً تجاوز مادة مضادة لا تظهره. أي انه يوسع بعملية التجاوز في المادة، يوسع في الشكل حتى يصبح ما يوجده على قدره تماماً… إن البروتون في تجاوزه المستمر للنترون يتجاوز أشكالاً ناقصة لا تمثل جوهرها تماماً، وان التناقض بين البروتون والنترون هو تناقض بين الجوهر الكامل والمادة التي تعكس جزءاً منه.. تناقض بين الكل و الجزء وهو صراع الكل والجزء، صراع الكل السابق والجزء المتأخر.. إن الكل المطلق اللامحدود سابق على الجزء النسبي المحدود الذي تمثله المادة في مراحل تطورها الأولى، في مراحل تناقضها مع جوهرها. فالمادة تتناقض مع جوهرها، وان تناقض المادة مع الجوهر يعني عدم تحقق الجوهر تماماً في المادة. وهو يبقى (الجوهر) يوجد العدم حتى تنطبق عليه المادة، حتى ينطبق الشكل علـى مـضمونه ، حتى يتعادل النترون مع البروتون بأن يصبح بروتوناً…

هذا الذي وصفناه هو ما يحدث في ذرة أحد العناصر. إن تعادل المادة مع الجوهر تعادل النترون مع البروتون في ذرة أحد العناصر يعني انتهاء الصراع  بينهما وتحوله  الى ذرة عنصـر جديد أكبـر من العنصر السـابق بشحـنة موجـبة واحدة مقدارها بروتون واحد. والشحنة الموجبة في هذا العنصر الجديد تفعل ما فعلته الشحنة الموجبة في ذرة العنصر السابق حتى اذا ما استكملت غايتها تحول الصراع الى ذرة عنصر جديد آخر أكبر من العنصر السابق بشحنة موجبة واحدة وهكذا.. إن هذا يعني أن الجوهر الذي يحرك الصراع في المادة ويحرك تطورها كلها لا يكون مقداره بروتوناً واحداً.. إن ما يحرك تطور المادة بكل عناصرها هو هذا المقدار من الشحنة الموجبة الذي يحتويه أعلى عناصر المادة.. إن الوصول الى هذا العنصر هو الغاية التي تحرك تطور المادة، وان عناصر المادة التي نعرفها في جدولها الدوري والتي كل منها تطور عن العنصر الذي يسبقه من حيث أن كلاً منها أكبر من سابقه بشحنة موجبة واحدة، تتطور لكي تصل الى هذا العنصر الأعلى. واذا ما استكمل الجوهر فيه تجليه كاملاً في المادة، انطبقت المادة على جوهرها تماماً وانتهى التناقض بينهما…
إن انتهاء التناقض بين البروتون والنترون يعني انتهاء الصراع بين البروتون والالكترون . ولأن الألكترون يعدل البروتون في شحنته فإن على البروتون أن ينفي ما يعادل شحنته من الشحنة السالبة ويتم هذا من خلال النترون ولقد ذكرنا أنه ينفيها مجزأة فهو ينفي في كل مرة أكثر من (200) كتلة الكترونية.. إن النترون ينشطر نافياً عنه شحنته السالبة ليعود الى كونه بروتوناً. وانشطاره يعني انتهاء علاقة التناقض بينه وبين البروتون إذ يتطابقان، إذ يعود الى كونه بروتوناً. ويعني انتهاء علاقة التناقض بين البروتون والالكترون لأنه (النترون) هو الذي يمثل هذه العلاقة وانتهاؤه انتهاؤها.
إن انتهاء علاقة التناقض يعني انشطارها، فذرة هذا العنصر الأعلى تنشطر نافية عنها شحنتها السالبة، معلنة انتهاء العلاقة بين الشحنة الموجبة والشحنة السالبة، لتشطر كل ذرات العناصر السابقة التي بقيت تحتفظ بكيانها لأن الجوهر الكامل لم يستكمل تجليه في المادة، لم يستكمل ايجاده للعدم، لم يستكمل نفيه للعدم.. وبانشطارها تنتقل المادة الى هذه المادة التي لا سلب فيها، أي لا تناقض فيها، وهي بذلك لا حركة فيها، هي مادة مستقرة.. إن الاستقرار هو الحتمية التي ستنتهي اليها الحركة، وهو ما بدأت منه.
إن انتهاء التناقض يعني انشطار المادة، انشطار العلاقة بين بروتوناتها والكتروناتها، نفي الكتروناتها. ولعل الحاجة تدعونا الى التذكير بالقانون الفيزياوي الذي ينص على أن الشحنات المتناقضة ترتبط ارتباطاً لا ينفصم، فما يستدعي الارتباط في علاقة هوالتناقض، وعندما ينتهي ينفصم هذا الارتباط. فالمادة سيؤول أمرها الى الانشطارالذي سينقلها الى هذه المادة المستقرة التي لا تناقض فيها. وربما يكون هذا الانشطار هو الانشطار الرهيب الذي تقول به بعض النظريات العلمية والذي سينهي العالم. أما الدين فلقد قال به ايضاً وسمى اليوم الذي سيقع فيه هذا الانشطار او الانفجار الرهيب، يوم القيامة. ويصفه بأنه يوم الفصل ذلك أنه اليوم الذي ستنفصل فيه العلاقة بين الله والشيطان ـ بنفي الشيطان ـ بعد الصراع الطويل الذي استغرق كل هذا الزمن منذ خلق الكون والى نهايته.. والعلاقة بين الله والشيطان هي المادة التي يبنى منها الكون، ومنها الإنسان كما قلنا. وسوف ينقلنا يوم القيامة الى هذه المادة التي لا سلب فيها او لاشيطان او شر فيها. أي ان المادة او الانسان ستؤول الى جانبها الإيجابي بعد نفي الجانب السلبي منها وتكون على قدر الله (جوهرها) .. إن هذه المادة وإنسانها هي الجنة في الفكر الديني. ولأنها آلت الى جانبها الأيجابي فقط فإنها تضم أهل الخير فقط . أما أهل الشر فتضمهم النار التي تمثل الجانب السالب المدحور المنفي من العلاقة(64).. إن يوم القيامة يعني الجنة ويعني النار فهما به ترتبطان: "وإذا الجحيم سعرت، وإذا الجنة أزلفت"(65).
وقد يقول قائل إن الجنة والنار نقيضان وإن يوم القيامة لا يقضي على التناقض. ونقول، إن النار هي انعكاس حقيقة انتصار هذا النقيض الذي هو الخير او الوجود السابق، تحققه. ولقد قلنا إن الوجود الظاهر او المتعين يتضمن سلب الآخر. فليس هو (خيراً) الا وهو نفي للشر، يتضمن الشر منفياً. إن النار تمثل هذا السلب الذي يتضمنه الوجود المتعين للخير. وهو ما يشير الى علاقة التناقض التي انتهت، ولقد قلنا إنه لا معنى لأحد النقيضين مجرداً مما يشير الى علاقته بنقيضه.. وبهذا فإن انتصار الخير او تحققه يعني اندحار الشر، واندحار الشر الذي تمثله حقيقة (النار) هو تأكيد لحقيقة انتصار الخير الذي تمثله حقيقة (الجنة) فلا انتصار للخير الا باندحار الشر. إن الجنة والنار تأكيد لحقيقة واحدة هي انتصار أحد النقيضين، انتصار الخير، انتصار الوجود، تحققه ونفي العدم. إن النار لا تؤكد استمرار وجود التناقض بل إنها تؤكد انتهاء علاقة التناقض، ويؤكد يوم القيامة انتهاءها.. ولأن يوم القيامة يعني انتهاء التناقض فإنه ينتهي الى انتهاء الحركة التي هي تناقض، فما يعقبه هو واقع مستقر: "وإن الآخرة هي دار القرار"(66).
إن الجنة هي الوجود الظاهر المادي الذي يظهر صفات الوجود السابق عليه وهو الله، وهذا يعني أن للوجود السابق وجودين: وجود كامن سابق ووجود ظاهر لاحق وهذا تأكيد لما يقرره القرآن الكريم عن صفة الله تعالى بأنه (الظاهر والباطن)(67).



الهوامش :
(1)  ينظر (الكون الاحدب)، الدكتور عبد الرحيم بدر، دار القلم.. بيروت، لبنان/     ص265، 268.
(2)     ينظر: (علماء فلاسفة)، ص78.
(3)   ينظر: (المنهج الجدلي عند هيجل)، ص199.
(4)     نهج البلاغة، دار الاندلس للطباعة والنشر ـ بيروت. ص341، ص342.
(5)     المصدر السابق، ص165.
(6)     نفسه، ص218.
(7)     نفسه، ص175.
(8)     القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية(31).
(9)     نهج البلاغة ص29.
(10)             القرآن الكريم، سورة القيامة، الآية(37و38).
(11)             المصدر السابق، سورة العلق، الآية(2)
(12)             نفسه، سورة الشمس، الاية(8).
(13)      ينظر (الف باء النسبية)، برتراندرسل، ترجمة فؤاد كامل، دار الثقافة العربية للطباعة ـ عابدين ـ ص13و(النسبية)، بول كوديرك، ترجمة مصطفى الرقي، منشورات عويدات ـ بيروت/ ص15.
(14)             فيزياء عالم الصغائر، ك.ي. شولكين، ترجمة بسام المعصراني، دمشق، س207.
(15)             المصدر السابق، ص50 والبوزترون: مادة مضادة.
(16)             نفسه ص51، 58،133.
(17)             نفسه ص55.
(18)      نفسه ص108 وينظر كذلك "مقدمة في الفيزياء النووية" تأليف انكا، ترجمة الدكتور عاصم عبدالكريم عزوز/ جامعة الموصل ـ مديرية دار الكتب، ص602.
(19)             نفسه ص26. ان التنافر بين الشحنتين المتشابهتين مما يقوله النص يؤكـد كلام
الامام علي(ع) "مفرق بين متدانياتها" وهو يتحدث عن خلق الله للعالم من متناقضات يقرب بينها في علاقات لا تنفصم ومتشابهات او متدانيات يفرق بينها.. ينظر(نهج البلاغة) ص342.
(20) المنهج الجدلي عند هيجل، ص168.
  (21) الذرة والكون، بيار روسو، ترجمة عصام مياس/ دار الكتاب اللبناني/ ص43.
(22) قصة الذرة، وجيه السمان، الفن الحديث العالمي للطباعة والنشر والاعلان/                    ص131.
(23) فيزياء عالم الصغائر ص181.
(24) القرآن الكريم، سورة الحجر، الاية 28 الى الاية43.
(25) القرآن الكريم، سورة الكهف، الاية(50).
(26) المصدر السابق، سورة الانشقاق، الاية(6).
(27) نفسه، سورة البقرة، الاية (28).
(28) فيزياء عالم الصغائر، ص113.
(29) ينظر.. (طاقة الذرة) ك.جلادكوف، دار مير للطباعة والنشر ـ موسكو/ ص352و"مقدمة في الفيزياء النووية" ص99.
(30) طاقة الذرة، ص353.
(31) إن هذا يؤكد مسألة كمون أحد النقيضين، المتأخر (السكون او العدم) في الآخر السابق عليه(الحركة) ولا يحدث العكس. فليس صحيحاً ان كلاً منهما يكون اساساً للآخر، وان كلاً منهما يتضمن نقيضه، وهذا ما يذهب اليه هيجل. فالالكترون يكمن بحالة العدم  (البوزترون) مع نقيضه السابق عليه، والا فمن اين للنيوكلون(ونقصد هنا الحالة البروتونية) البوزترون ليطلقه ويتحول الى نترون. والنيوكلون يحتويه بعد ظهوره عندما يتحول الى نترون.
(32) ينظر: (فيزياء عالم الصغائر) ص129.
(33) الذرة والكون، ص43.
(34) طاقة الذرة، ص91.. ونقرأ في ص(198) من "فيزياء عالم الصغائر": "اعتبار البروتون والنيترون حالات مختلفة لنفس الجسيم" وفي ص153 من (قصة الذرة): "النترون والبروتون هما كالوجه والقفا لجسيم واحد هو النكليون" وفي ص(218) من (مقدمة في الفيزياء النووية): "نعد البروتون والنيوترون على اساس انهما حالتان كميتان لنفس الجسيم وهو النيوكليون".
(35) لم اعثر على مصدر علمي يؤكد مسألة اسبقية البروتون على النترون، بل وجدت ما نسب اليهما الاثنين هذه الأسبقية بأن يرى أن كلا منهما يصلح أن يكون مصدراً
 ونتيجة للآخر.. ينظر "أسرار الذرة" اميد شمشك، ترجمة اورخان محمد علي/ ص61.
(36) ينظر (طاقة الذرة) ص374.
(37) المصدر السابق ص353.
(38) البروتون هو الوجود السابق بعد التحول الى مادة. فهو الوجود المتعين او الظاهر او المادي، هو الوجود الذي يكونه الوجود السابق: الكامن بعد وجود العدم.
(39) ان ميزون بي السالب هو مادة مضادة بالنسبة الى ميزون بي الموجب الذي هو مادة.
(40) ينظر: "قصة الذرة" ص153.
(41) طاقة الذرة، ص88.
(42) القرآن الكريم، سورة الانبياء، الاية (18).
(43) المصدر السابق، سورة البلد، الاية(4).
(44) نفسه، سورة غافر، الاية (39).
(45) قلنا إن وجود الالكترون يقضي عليه، وإن لحظة وجوده هي لحظة القضاء عليه،                                   ذلك لأنه يمثل العدم ووجود العدم يقضي عليه، لأنه ضد طبيعته.
(46) فيزياء عالم الصغائر، 181.
(47) ينظر "قصة الذرة" ص101.
(48) القرآن الكريم، سورة الانفال، الاية(37).
(49) المصدر السابق، سورة الطلاق، الاية(3).
(50) نفسه، سورة الحديد، الاية (3).
(51) نفسه، سورة البروج، الاية(13).
(52) نفسه، سورة سبأ، الاية (49).
(53) نفسه، سورة الليل، الاية (13).
(54) نفسه، سورة يس، الاية(40).
(55) الكون الاحدب، ص(261).
(56) المصدر السابق، ص(260).
(57) ينظر: (الكون الاحدب، ص210ـ211. وتحدب الزمن او الحركة الدائرية للزمان، وهو ما يسميه اشبنجلر (الزمان الابوللي) الذي يقصره على اليونان القدماء، هو زمن الحضارات القديمة بعامة، بل هو زمن الانسان البدائي نفسه.
(58) طاقة الذرة، ص(82).
(59) ينظر: "الالكترونات"، الكسندر كينا يجورودسكي، ترجمة الدكتور داود سليمان المنير، دار مير للطباعة والنشر ـ موسكو/ ص64.. و"مقدمة في الفيزياء النووية" ص615.
(60) قصة الذرة ص131.
(61) ذكرنا سابقاً ان الموجودات المادية بعضها يمثل الوجود والآخر يمثل العدم أي الذي تنعدم فيه صفة الوجود. فما هو خير وجميل مثلاً يمثل الوجود، وما هو شرير وقبيح يمثل العدم.. الأول هو شكل يوافق مضمونه اما الثاني فهو شكل يناقضه.
(62) يمثل الرقم ـ 7ـ متمثلاً بالمدارات التي يتوزع عليها الالكترون مراحل الصراع او مراحل التناقض في داخل الذرة.
(63) ينظر (فيزياء عالم الصغائر) ص55.
(64) عندما يتلاشى الالكترون مع البوزترون، فإنه يتحول الى طاقة هي فوتونات، واذا كانت دقائق النار عبارة عن فوتونات، فإن العلم يؤكد ما قاله الدين من ان نهاية الشيطان ـ الذي يقابله في المادة الالكترون الذي هو الجانب السالب ـ هي النار التي هي فوتونات.
(65) القرآن الكريم، سورة التكوير، الاية (12) والاية(13).
(66) المصدر السابق، سورة غافر، الاية (39).
  (67) نفسه، سورة الحديد، الاية(3).    

















ملحق الصور






























 

 

 

 

 

 












 







 








ـ أ ـ
قوى التناقض التي تربط بين النقيضين في الذرة.








 











ـ ب ـ
للحقيقة اطرافها الثلاثة : الشيء ونقيضه والعلاقة بينهما.





 










ـ ت ـ
الالكترون والبوزترون .




 













ـ ث ـ
الذرة علاقة بين نقيضين .



 
 














ـ ج ـ
تلاشي الالكترون والبوزترون .






 














    ـ ح ـ
قوى التناقض التي تربط بين البروتونات والنيوترونات في نواة الذرة.














ـ خ ـ
تحول البروتون الى نيوترون وتحول النيوترون الى بروتون بوساطة تبادل الميزونات.


 











ـ د ـ
تراكم الشحنات الموجبة في النواة كلما تصاعدت العناصر










(*)ملاحظة : الإشارة الى المصادر بالأرقام والى الصور بالحروف .

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)