فلسفة الاعتراف براديغم جديد لنقد الهيمنة الليبرالية


فلسفة الاعتراف
براديغم جديد لنقد الهيمنة الليبرالية
محمد مستقيم

من المعلوم أن الفيلسوف الألماني فريدريك ولهايم هيجل هو الذي وضع في كتابه:فينومينولوجيا الروح" الأساس النظري لمفهوم الاعتراف باعتباره محور الصراع بين الذوات وذلك من خلال تحليله لجدلية الصراع بين العبد والسيد، وهي جدلية تأتي نتيجة حتمية لرغبة الإنسان في نزع الاعتراف به من طرف الآخر (رغبة إرادتين بشريتين واحدة تتميز بالقوة والمغامرة ، وهي إرادة السيد المنتصر في الصراع، والثانية تتميز بالخوف والخضوع وهي إرادة العبد، المنهزم في الصراع). وهذا مايجعل هذه الذات الراغبة تدخل في مغامرة التناحر حتى الموت. ومع هذا الفيلسوف أصبح مفهوم الاعتراف من المفاهيم الكبرى في الفكر الفلسفي المعاصر خاصة بعد ظهور الفلسفة الاجتماعية المعاصرة. لكن هذا المفهوم عرف منعطفا جديدا مع الفلسفة المعاصرة خاصة في شقها السياسي مع مجموعة من المفكرين الذي نظروا لهذا المفهوم وقاموا بإغنائه عبر تحليلاتهم المتميزة كل من منطلق اهتماماته النظرية والفكرية،هذا ماحاول تفسيره الباحث الجزائري الدكتور الزواوي بغورة في كتابه الجديد الصادر عن دار الطليعة تحت عنوان :" الاعتراف : من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية".
يميز المؤلف في البداية بين الفلسفة الاجتماعية المعاصرة التي تعبر عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفتها المجتمعات الحديثة وعلى رأسها الثروة الفرنسية، وبين الفلسفة السياسية الكلاسيكية التي تهتم أكثر بطبيعة الدولة وبأفضل نظام سياسي يمكن تحقيقه وفقا لقيمتي العدل والحرية. ويعد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (الجيل الثاني من مدرسة فرانكوفورت النقدية) وتلميذه أكسل هونيث ( الجيل الثالث من نفس المدرسة ومؤسس فلسفة الاعتراف ) من أبرز رواد هذه الفلسفة الاجتماعية والتي تختلف عن السوسيولوجيا والعلوم الاجتماعية، نظرا لتميزها بالمقاربة الأخلاقية للمسألة الاجتماعية انطلاقا من التحليل النقدي لمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية خاصة ما اصطلح عليه بالأمراض الاجتماعية. وتعود أصول هذه الفلسفة الاجتماعية إلى الماركسية خاصة في صيغتها الفرانكفورتية [نسبة إلى مدرسة فرانكفورت] حيث لاتكتفي بوصف الوقائع الاجتماعية وإنما تسعى كذلك إلى المساهمة في التحليل النقدي الذي يسمح بتغيير المجتمع مما يجعلها فلسفة مسيسة تنطلق من فكرة الصراع الاجتماعي والسياسي.
يتضمن الكتاب أربعة فصول ومدخل وخاتمة، خصص لكل فصل علم من أعلام هذه الفلسفة الجديدة، حيث عنون الفصل الأول ب"من أجل ذاكرة العدل" حيث تناول محاولة الفيلسوف الفرنسي بول ريكور لتأسيس ذاكرة عادلة تستجيب لحرب الذكريات. والفصل الثاني تحت عنوان :" في سياسة الاعتراف" وهو مخصص للفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في دعوته إلى ممارسة الاعتراف تسمح بظهور مواطنة جديدة. والفصل الرابع بعنوان :" العدل والاعتراف" تناول فيه موقف الفيلسوفة الأمريكية ناسي فريزر التي عملت على التأليف والتركيب بين عدل التوزيع المعني بالثروات والخيرات وعدل الاعتراف الذي يهتم بالجوانب الرمزية للإنسان ويسمح بتحقيق منزلة قانونية للمواطن، وأخيرا الفصل الرابع تحت عنوان:" الاعتراف وتجربة الذل" المخصص لمؤسس فلسفة الاعتراف الألماني أكسل هونيث الذي توقف عند تجربة الظلم والذل والهوان وحاول تقديم منظور فلسفي يقوم على مجالات أساسية وهي : الحب والقانون والتضامن.
إن هذه المقاربة الجديدة جاءت نتيجة لتظافر جهود هؤلاء الفلاسفة حيث أصبح مفهوم الاعتراف من خلال إسهاماتهم النظرية المتميزة يعبر عن مختلف أشكال النضال والصراع المتصلة بيم العدل والحرية والمساواة، و أصبحت توظفه مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية، ويتعلق الأمر بمجال المرأة أو العمل أو الثقافة، وبخاصة مايتعلق بالحقوق الثقافية للأقليات، بمعنى أنه أصبح معبرا عن مختلف أشكال النضال ضد الهيمنة الليبرالية وزمن العولمة وذلك بتشخيص أمراضها الاجتماعية وتقديم أنواع العلاجات المناسبة لها، كذلك فإن المجال المناسب للاعتراف هو مجال الديمقراطية التداولية بماهي تدبير سياسي قائم على التشاور والتداول، وإذا أضفنا مقتضى العدل المادي والرمزي فإن ذلك سيمكننا من تجاوز عدم كفاية النموذج اللبرالي وبخاصة من جهة العلاقة النزاعية التي تطرحها النزعة الجماعية.
وقد وقف المؤلف عند كتاب أكسل هونيث الموسوم ب" الصراع من أجل الاعتراف" الذي بين فيه بأن الصراع في حد ذاته كتجربة يعود إلى الفشل والإحباط من عدم تحقق الوعود وعدم تلبية المطالب بالإضافة إلى طول الانتظار من أجل تحقيق ماهو ضروري للهوية الفردية والجماعية، وتوفير الظروف الاجتماعية المناسبة لقيام علاقة إيجابية مع الذات ومع الآخرين. وفي نفس الاتجاه الذي رسمه هيجل يؤكد هونيث بأن تشكل الذات والهوية مرتبط بالاعتراف المتبادل بين الذوات (العبد والسيد) أي أن الاعتراف ليس معطى مباشرا وإنما هو حصيلة صراع ونزاع بين الطرفين. لذلك يتكون الاعتراف من ثلاثة مجالات وهي :الحب والقانون والتضامن، حيث يعيش الأفراد والجماعات تجارب الاعتراف المتبادل الذي يسمح لهم ببلوغ درجة معينة من الاستقلال الذاتي، حيث يحصل الفرد في المجال الأول على الثقة بالنفس وفي المجال الثاني على الاحترام وفي المجال الثالث على التقدير.
لكن من الممكن أن يكون الفرد في هذه المجالات الثلاث موضوعا للإذلال ينتفي معهما الاعتراف به، ففي المجال الأول يمكن أن يكون ضحية قسوة وسوء معاملة وفي المجال الثاني يمكن أن يحرم من حقوقه ويتم إقصاؤه اجتماعيا، وفي المجال الثالث يمكن أن يتعرض للمهانة والإذلال مثل العنصرية أو التجارب التي تهدد الشخص في كرامته.
لذلك يرى هونيث بأن المنطق الذي يجب أن يتحكم في الصراع ليس هو فقط المصلحة والمنفعة بل ينبغي استحضار النموذج الأخلاقي القائم على الاعتراف بالآخر والتعامل معه على هذا الأساس، فالاعتراف أساسا هو استجابة لتطلعات أخلاقية تم إحباطها أو اغتصابها بطريقة غير مستساغة وغير شرعية، ومن جهة أخرى فهو تعبير عن حاجة ذاتية ويشكل بذلك صفة ملازمة للطبيعة الإنسانية .
وخلاصة القول يمكن التأكيد مع المؤلف بأن الاعتراف يمثل اليوم ثقافة جديدة في المجتمع بل أصبح عنوانا للفلسفة السياسية والاجتماعية الجديدة التي تكشف عن عدم كفاية النموذج الليبرالي، لكن من جهة أخرى يمكن اعتبارها تعزيزا لهذا النموذج بإقرارها لقيم المساواة والحرية اللتان تشكلان أساس النظرية الليبرالية. بالإضافة إلى ذلك فإن مفهوم الاعتراف لاينبغي النظر إليه كغاية في ذاته مادام يعد بمثابة مقدمة لمشاريع جديدة وكما يقول بول ريكور فإن الاعتراف يجب أن يحمل على القدرات وليس على الهويات المغلقة.

المرجع:
الاعتراف : من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية".
تأليف : الدكتور الزواوي بغورة
دار الطليعة/ بيروت، الطبعة الأولى، 2012


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

مباحث الفلسفة