المرأة وسلطة القضيب عبر التاريخ

المرأة وسلطة القضيب عبر التاريخ

بقلم : الاعرج بوجمعة
شكلت حقوق المرأة ومشاركتها في المجتمع اهتمام كل الفاعلين، بما فيهم الحركات النسوية Féminisme، التي تحاول إماطة اللثام عن المرأة، ذلك الكائن الذي ظل ضعيفا في نظر البعض. وقديما انشغل الفلاسفة بالمرأة فمنهم من وضعها في أحقر منزلة واعتبرها ناقصة فكريا مقارنة مع غريمها الرجل، ومنهم من اعتبرها مجرد وسيلة للإنجاب، ومنهم من هام بها ووصفها بالصفات الإلهية، ومنهم من نظر إليها نظرة موضوعية واعتبرها نصف المجتمع. لكن ما يجمع بين هذه الآراء المتضاربة هو حضور مفهوم المرأة من داخل الحقل الفلسفي، لذا سنحاول في هذه المداخلة رفع القلق عن هذا الموضوع وتبيان مكانته في الحقل الفلسفي.
سنحاول في البداية الوقوف على أهم آراء الفلاسفة اليونان بخصوص المرأة:
بالنسبة لسقراط فلم تصلنا عنه آراءً تخص المرأة ودورها في المجتمع، إلا أن هناك شيئا طريفا يخص زوجته، فقد اشتهرت بأنها سبب تعاسة حياته وأنها أسوء امرأة يُمكن الزواج بها، إلا أنه بالرغم من هذا كله كان يصفها بأنها كالسماء عندما ترعد سرعان ما تبكي!
أما أفلاطون - والذي كان يعيش في أثينا - حينما عرض أفكاره أول مرة في محاورة "الجمهورية" دعا إلى ثلاثة أشياء: المساواة بين الرجل والمرأة وشيوعية الملكية والنساء وحكومة الفلاسفة، ودعوته إلى "المساواة بين الرجل والمرأة" هي التي دفعت بالكثير من الباحثين إلى اعتباره أول مُدافع عن حقوق المرأة في التاريخ الإنساني. رغم المؤاخذات التي تؤاخذ عنه بخصوص المشاعية، لكن ما يبررها هو أن همه كان هو تشييد الجمهورية.
أما بالنسبة لأرسطو فيمكننا اعتبار فلسفته عن المرأة مُجرَّد تقنين لما قاله أفلاطون في ”القوانين“، لكن الذي يُفرِّق بين آراء أرسطو وأفلاطون هو علم أرسطو بالبيولوجيا حيث كان من أكبر علمائها وقتذاك، وكان يرى في مواضع كثيرة أن الذكر لديه قدرات أكبر من الأنثى، فمثلاً في مسألة الإنجاب يُصوِّر لنا الرجل على أنه "العلة" و"الأساس" و"مبدأ الحياة" والمرأة ليست إلا مُجرَّد "أرض" أو "وعاء" تتم فيها العملية، وكان أرسطو يتكلم بلسان حال التقاليد اليونانية وقتذاك مثل انحطاط قوى المرأة العقلية وعدم قدرتها على المشاركة السياسية وأنها عاطفية لا تستطيع تحكيم عقلها، فمثلاً نجده يوافق على قول الشاعر: "إن الصمت يُكسب المرأة عظمة"، ثم يُعلِّق ويقول: "لكن الصمت ليس جيدًا للرجال" ونجده يُقر بأن جنس الرجال أصلح للرئاسة من جنس النساء، ونجده في ناحية الأخلاق يُسفِّهها ويقول إن الرجال أنبل من النساء وأنه ليس من المناسب أن تتحلى المرأة بفضائل الرجال.
بخصوص آراء الفلاسفة المسلمين من المرأة يمكن القول أنهم تأثروا بالفلاسفة اليونان من جهة، والدين الإسلامي من جهة أخرى، بمعنى كان لهم قول في هذه المسألة وهو قول بطبيعة الحال معتدل يراعي مكانة المرأة في الإسلام:
على سبيل المثال لا الحصر نجد فيلسوف الأندلس والمغرب أبو الوليد ابن رشد يقول عن المرأة في كتابه المعنون: ”الضروري في السياسة“.
q     النساء كالرجال: فيلسوفات وحاكمات.
”إن النساء من جهة أنهن والرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية فإنهن بالضرورة  يشتركن وإياهم فيها، أي الأفعال الإنسانية وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف، أعني الرجال أكثر كدّاً في الأعمال الإنسانية من النساء، وإن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فن الموسيقى العملية، ولذلك يقال إن الألحان تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء“.
يفهم من قول ابن رشد أن المهام داخل المدينة مقسمة بين النساء والرجال حسب القدر، معترفا بالتفوق النسبي للرجل على المرأة أو العكس. حيث نجده يقول ”فمن البين إذن أن النساء يقمن في هذه المدينة بالأعمال نفسها التي يقوم بها الرجال، إلا أنه بما أنهن أضعف منهم فقد ينبغي أن يكلفن من الأعمال بأقلها مشقة“(المرجع نفسه).
وقد تبين ذلك ”حيث نرى نساء يشاركن الرجال في الصنائع، إلا أنهم أقل منهم قوة، وإن كان معظم النساء أشد حذقاً من الرجال في بعض الصنائع كما في صناعة النسج والخياطة وغيرهما؟ وأما اشتراكهن في صناعة الحرب وغيرها إن أظهرت المرأة الذكاء وحسن الاستعداد، فلا يمتنع أن يكون لذلك بينهن حكيمات أو صاحبات رياسة. ولما ظن أن يكون هذا الصنف نادرا في النساء، منعت بعض الشرائع أن يجعل فيهن الإمامة، أعني الإمامة الكبرى، ولإمكان وجود هذا بينهن أبعدت ذلك بعض الشرائع“ (ص125).
نحن نعلم أن الفلاسفة المحدثين يذهبون الى أن الفلسفة هي أعلى أشكال ممارسة المرء لذاته، خاصة أن الفلسفة الحديثة جسدت حدثاً هائلاً هو انتصاب الانسان ذاتا. وإذا كانت الفلسفة كذلك، فإن غيابها لدى الجنس الآخر، يعني أن الرجل يمارس علاقته بالمرأة بوصفه ذاتاً، في حين تمارس هي علاقتها به بوصفها موضوعاً. ولكننا نعلم أيضا أن مفهوم الذات السيدة الحاكمة تزعزعت اليوم تحت مطرقة النقد الفلسفي. فالذات ليست مطلقة التصرف، بل لها إكراهاتها ومشروطيتها. إنها حاكمة بقدر ما يحكم عليها، وعارفة بقدر ما هي جاهلة. باختصار انها فاعل ومفعول في آن. ومعنى ذلك أن الموضوع يشرط الذات ويقتحمها وربما يسهم في تشكيلها. وإذا كانت الفلسفة، كخلق وابتكار، تبدو امتيازا للرجل في السابق، لكن اليوم في فجر العصر الحديث أصبحت الفلسفة تذهب نحو نون النسوة.
فتطور العلوم وخاصة العلوم الإنسانية جعلت موضوع الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص تحت المجهر، حيث نجد الأنثروبولوجيا والتحليل النفسي كتخصصات كشفت عن سبب هذه الهيمنة الذكورية. لاكان J.Lacan  يؤكد بأن وضعية النساء داخل أنساق التحالفات بين السلالات قد خضع لكل أنواع التعديلات عبر التاريخ، لكنه يقر مع ذلك، بأن النزعة المركزية الذكورية ظلت أساسية، فهي التي سمحت بفهم الوضعية المتماثلة للمرأة داخل روابط الحب.
مفهوم النزعة المركزية الذكورية المعبر عنه لدى لاكان ب“أولوية القضيب Phallus“ هو المسيطر وجعل من المرأة تابعا لأنها تفتقد لذلك العضو، والسبب في نظرهم يعود إلى الاعتقاد السائد الذي يرى أنه لا يوجد سوى ليبيدو Libido واحد وإنه ذكوري بالأساس. وظل الرجل هو الفاعل والمرأة هي المنفعل، وهي هيمنة تعود بالأساس كما تكشف الأنثروبولوجيا إلى مسألة ثقافية .
هذه الهيمنة الذكورية دفعت بالنساء إلى أن يصبحن رجالا، فطموح المرأة هو تعبيرها عن رغبتها في أن تكون رجلا، أي رغبتها في عضو الذكر.
هذه المركزية الذكورية هي ما أثارت أنوثة كاتبات نذكر على سبيل المثال لا الحصر موقف الكاتبة الفرنسية المعاصرة سيمون دوبوفوار صاحبة كتاب ”الجنس الثاني Le Deuxième sexe“، تقول ”فظهور هذه الرغبة لدى الفتاة الصغيرة ناتج عن الأهمية المسبقة المعطاة للرجولة. وتجب الإشارة إلى هذا المعطى الذي اعتبره فرويد Freud أمرًا متفقًا عليه من طرف الجميع“.
ظلت وضعية المرأة في تاريخ الحضارة حسب سيمون دوبوفوار وضعية التبعية؛ لأنه حكم عليهن أساسا بإعادة إنتاج النوع، وبما أن المرأة هي شيء Objet  مستعمل من طرف الرجل، لم يكن بإمكانها أن تحرر إلا بوجودها كذات Sujet حرة قادرة على الفعل في الحياة، وخلق غايات خاصة بها.
هناك من الفلاسفة من أخذ قضية المرأة محمل الجد نجد مثلا الفيلسوف جون ستيوارت ميل الذي قال في حق المرأة: ” " لا ينبغي النظر إلى قضية المرأة على أن الحكم فيها قد صدر مقدما عن طريق الواقع القائم والرأي العام السائد، بل لا بد من فتحها للنقاش على أساس أنها مسألة عادلة..."

المراجع:
§          سوزان مللر أوكين :المرأة في الفلسفة، النساء في الفكر السياسي الغربي، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام.
§         ابن رشد: "الضروري في السياسة"، الدكتور أحمد  شحلان، مركز دراسات الوحدة العربية 2011.
§          سيلفيان أجاسينسكي: "سياسة الجنسين" ترجمة عزالدين الخطابي وزهور حوتي، روافد للنشر والتوزيع، 2011.






تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة