المواطن.. والدولة


بقلم : يوسف عشي

المواطن.. والدولة
يجري الاعتقاد لدى العديد ممن يعتبرون أنفسهم ممثلين للدولة أنهم "هم الدولة".. كما يجري الاعتقاد لدى العديد من المواطنين أنهم طرف في "ثنائية" يشكل طرفها الأول "الدولة".. ويبدو أنه لا مفر من محاولة الظهور قصرا بمظهر العارف، ولعب دور المعلم دون إغضاب أرسطو، ودور الشارح دون إغضاب ابن رشد.. وربما دور المنظر دون إغضاب العديد وعلى رأسهم هوبز وهيجل...

إن مناط التقدم بهكذا مقدمات، لا يعبر في نظرنا على موقف عمودي بقدر ما يعبر عن حاجة ملحة لرفع الالتباس. خصوصا ونحن نعيش فترة تاريخية منقطعة النظير على مستويين: يشكل أولهما الموقع التاريخي المقرون بالوعي الإنساني الذي ينعته هيجل ب"الشقي" وينحاز ثانيها في إحدى تمظهرات نظرية الصراع أو الصدام ، أو صدام الحضارات بتعبير هانجتنغتن. ولكي لا نختفي وراء النظر التأملي، سنحاول قدر المستطاع توضيح ما نتقدم به بالعرض والتحليل..
فعلى المستوى الأول: حينما يعتقد البعض لسبب أو لآخر، و بشكل أو بآخر أنه "هو الدولة" نكون أمام "تجسيد بليد" لفكرة الدولة. التي هي في أول ونهاية الأمر "فكرة" وهي بالضرورة "أخلاقية" إن هذا التوصيف الهيجيلي للدولة، والذي نعتبره منطلقا أساسا، يقطع بالمرة مع أي نوع من التجسيد، بمعنى أننا نقول "الدولة كيان غير قابل للتجسيد" فهل معنى هذا أن الدولة فكرة إيتيقية يوتوبية؟ خيال طوباوي؟ نقول "لا".. إنما هي فكرة من حيث انتمائها إلى مجال النظر وليس مجال العمل.. ولا نقصد بالعمل المجهود العضلي أو البراكسيس بالمعنى الماركسي ، بل المدلول  الإجرائي لفكرة الدولة.. الآن فقط نكون أمام التوصيف الأنسب: الدولة فكرة أخلاقية وما يمارسه أي شخص بقصد تمثيلها أو القيام بدورها كتنفيذ إجرائي للمنطلق الأخلاقي لها، هو ما يمكن تسميته بالفعل المواطن لدى المجتمع السياسي.
 لكن والحالة هذه، هل يدرك كل شخص يشتغل في وظيفة عمومية أنه بالضرورة يمثل الدولة إجرائيا ولا يكونها؟ الجواب : في هذا الوطن السعيد وبشكل شبه عام هو "لا".. الدليل على ذلك هو انتقال مفهوم السيادة إلى الدولة بدل أن ينتقل إلى الشعب إبان الاستقلال، وتلك قضية تستوجب الوقوف عندها مليا، وربما نعود لها في مقال لاحق.
نقول أن الموظف في غالب الأحيان وخصوصا في الوظائف ذات الصلة المباشرة بأجهزة السلطة بالدولة يسلك سلوكا سلطويا تجاه نفسه أولا بتحويلها إلى وعاء لـ "أنا" أكبر بكثير من أناه، وثانيا تجاه المواطن على اعتبار أنه هو الدولة، وهو الأقوى، صاحب السيادة القصرية، والأخر المواطن هو التابع الخاضع الذي لا ينبغي له رفض أو مناقشة هذه الوضعية.. وفي حال العكس قد يتم توصيفه بالخائن أو المتجرئ على السياسية التي هي من اختصاص السائس لا المسوس.. وهذا ما ولد  في المغرب ربما منذ القرن 19  ذلك المارد الأسود المخيف الرهيب "الليفيتان" بالتعبير الهوبزي لكن على الطريقة المغربية ذاك الذي يسمى ب"المخزن".
يلزم عن هذا توصيف مؤسف للعلاقة بين المخزن والمواطن. علاقة بين دولة وصاحب الرقم الوطني س أو ص. ولربما كان هذا، بما ترتب عليه من الطرفان، سبب حالة اللاثقة التي تعرفها العلاقة بين الموظف المخزني والمواطن من الجانبين معا علما أن هذا الموظف نفسه هو مواطن ربما يتناسى مواطنته الحقة خوفا من تسيب الأمور وحفاظا على هيبة الدولة بالنسبة للأول ويعتقد أن هذا واجب وطني، في دلالة خاصة لمفهوم المواطنة، وهي دلالة لا يمكن أن نقصيها من الإعتبار. وبالمقابل يتحامل المواطن بغضا وكرها في ذاك الذي يقهر كل فرد. و الذي بمقدوره فعل ما يريد دون حسيب ولا رقيب سوى نفسه. وقد شكلت العلاقة على هذا النحو أساس التعامل الرسمي والشعبي و نتج عن ذلك أهوال عميقة مما فعله المسمون ب"القياد" لا في عهد الاستعمار، ولا بعده، حتى بات المواطن يظن أنه استبدل السيئ بالأسوأ..
ولربما هذا ما يجعلنا نفهم لكن لا نتفهم سلوك رجل الأمن حينما يصدر إليه أمر بالضرب أو القتل حتى.. ونجد أنه ينفذه دون أن يقف للحظة ويتساءل عن مغزى القسم الذي أقسمه.. لأن فهمه كما أسلفنا للسيادة لا يربطها بالشعب بل بالدولة. وهذا ما يجعلنا نفهم ولا نتفهم سلوك المرتشي الذي يماطل ويتحين الفرص لهتك عرض القانون، وينقب عن الهفوات القانونية لا لتطبيق القانون وإنما لليّ عنق المواطن وجره إلى أتون الامتهان والاستغلال اللاأخلاقي.. وحينذاك يصبح المواطن الذي حاز نصيبا من الفهم لماهية الدولة، ولانتمائها إلى مجال الأخلاق كأساس للتنظيم الحضاري... نجده يتحصر ويعصر نفسه ألما على ما آلت أو تؤول إليه الأمور.. وذاك بنظرنا هو الشقاء المنعوت هيجيليا.
أما المستوى الثاني  فيتجسد في منطق "غربي عولمي"، فنحن حقيقة لا نغادر ما ذكر في المستوى الأول بل إننا نرتقي درجة فقط، حيث العديد من الدراسات الأنثروبولجية، والأنثروبولوجيا نفسها بدأت كعلم يدرس المجتمعات غير الأوربية، تأثرت بما يسمى ب"نزعة المركزية الأوربية" L’eurocentrisme  حيث يشكل الأوربيون إضافة إلى الولايات المتحدة المركز ( أو المخزن) بينما تشكل مجتمعاتنا ذات التوصيف غير المحدد ، أو ال"ما تبقى" كعالم ثالث بعد العالمين الرأسمالي والاشتراكي، أو الدول "المتخلفة" عن التقدم الغربي، أو بتوصيف أكثر تهذيبا الدول "النامية"، أو السائرة في طريق النمو، ذات التضامن الآلي أو الميكانيكي بالتعبير الدوركايمي(أو المواطن). مقارنة بالدول الصناعية ذات التضامن العضوي، والتي نصبت مفهوم التمايز كأحد أعلى المؤشرات الدالة على تقدمها. ما يجعل العلاقة أيضا عمودية شمال/ جنوب. وهذا التوصيف على عكس ما يتم إظهاره هو غير قابل لإعادة النظر، أو إعادة التقييم، بل يبدو "كحكم كوني" للغرب القوي، الشمال، المتقدم على الجنوب المتخلف والذي لا ينبغي أن يكون غير ذلك. وإذا ما بدرت بادرة لتغيير هذه المعادلة - غير المتكافئة طبعا - يواجه بكل خبث ولباقة، أو تآمر، أو بعنف مباشر..
وربما تحليل كهذا، يجعلنا ندرك  سر العدوان الغربي (العالمي) على الإسلام. ليس كدين، إذ هو بالاعتراف الغربي الصريح دين قويم سمح، ولكن كمنهج في الحياة يحمل الوصفة السحرية للتقدم، للدرجة التي جعل الرعاة وعباد الأحجار، سادة العالم حضاريا وعسكريا في الوقت الذي تواجدت فيه قوتين عالميتين كبيرتين.. ومثل هذه الاعتبارات هو ما يقض مضجع هانجتنغتن ليدق ناقوس الخطر..
وهذا أيضا ما يجعلنا نفهم ولا نتفهم ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وأفغانستان، وقبلها ما قامت به فرنسا وانجلترا واسبانيا والبرتغال، وروسيا واليابان.. من غزو وقتل وتدمير واستهداف لهوية الشعوب المغتصبة قبل خيراتها.. كما يجعلنا نفهم ولا نتفهم الدور اللاحضاري واللاأخلاقي الخطير الذي تلعبه دول الغرب تجاه الثوارات والربيع العربي.. فهاته الدول حين عاشت نفس اللحظة الثورية، كانت كل دولة تعيش تجربتها بكل تفرد وبمعزل عن أي تدخل خارجي.. ثارت شعوبها، وانتزعت الظلم، ونقلت بلدانها تدريجا من الدولة التي تمتهن وتبتذل المواطن، إلى الدولة التي تخدم المواطن..
أما بالنسبة لشعوبنا نحن فهي الآن لا تواجه الطواغيت فقط، بل تواجه معهم الغرب والعالم.. وشتان بن المشهدين..
وربما أمكننا أن نقول أن في العالم الداخلي، ضمن إطار الجماعة الترابية الجغرافية المرسومة استعماريا، والتي نعبر عنها بـلفظ "دولة"، ثمة تحول يحدث الآن بدرجات متفاوتة وفي جميع شبيهاتها العربية بلا استثناء. وهذا ما أسميه شخصيا "روح النهضة" فلطال ما صدع مدرسونا رؤوسنا بنهضة الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي، وعلال الفاسي وغيرهم مع الإحترام ...  دون أن يكون أهم شرط من شروط تحقق هذه النهضة حاضرا.
أما اليوم فإننا نشهد الشرط الأساس حاضرا وبقوة.. ألا وهو الوعي بالمسؤولية التاريخية، ذلك الوعي الإنساني الشقي.. كما نشهد تحقق ثاني أهم شروط النهضة، والمنبثق أصلا عن الأول، وهو نفسه ما نراه في لحظات متقطعة لدى كبريات المنظمات الحقوقية في العالم، والتي تصارع لكي تحجز لنفسها مكانا في عالم وضيع حقير امتهنته المصالح المادية الاقتصادية، وأذلته السياسات الهمجية الحيوانية..ذلك الشرط المتحقق في الدرس الراولزي والمتمثل في الشعور التضامني مع الأجيال القادمة.. ذلك الشعور الذي يجعلنا نأبى أن نورث أبناءنا أوطانا عليلة..

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)