مفاهيم تربوية وبيداغوجية ‹‹الهدف - الكفاية - الإشكالية››





بقلم: هشام آيت باحسين 




تعريف الهدف البيداغوجي

يمكن أن نورد هنا عينة من التعاريف المقترحة من طرف بعض منظري بيداغوجيا الأهداف أنفسهم، أو من طرف بعض المهتمين بموضوع الأهداف في حقل التعليم بصفة عامة، علها تقربنا أكثر من مفهوم الهدف كما وظف في الميدان البيداغوجي.

تعريف محمد الدريج:
« إن الهدف سلوك مرغوب فيه يتحقق لدى المتعلم نتيجة نشاط يزاوله كل من المدرس والمتمدرسين، وهو سلوك قابل لأن يكون موضع ملاحظة وقياس وتقويم».
تعريف ماجر Mager :
«الهدف وصف لمجموعة من السلوكات والإنجازات التي سيبرهن المتعلم من خلال القيام بها على قدرته».
تعريف بيرزيا  Birzéa:
«الهدف تخطيط للنوايا البيداغوجية وتحديد لنتائج سيرورة التعليم».
تعريف دوكورت   De Corte:
«الهدف تغيير يصاغ في عبارات خاصة ويكون صالحا ومرغوبا فيه، كما يمكنه أن يتحقق في سلوك المتعلم. وهذا التغيير يرجع إلى التعليم الذي تلقاه المتعلم والذي نريد به أن يكتسب سلوكا جديدا أو يتقن سلوكا مكتسبا في السابق».

وإن قراءة سريعة لجميع التعاريف السابقة، ولأخرى غيرها، تقودنا إلى الكشف عن وجود عدد من الصفات والمعطيات تميز تحديد معنى الهدف وصياغته في حقل التعليم، أهمها:
§                   الهدف يخص المتعلم دائما ويتصل بمجالات شخصيته اتصالا وثيقا، ومن ثم، فإن المدرس، رغم ما يبذله من مهام وأدوار كبيرة في سبيل تحقيق مختلف الأهداف، لا يكون مستهدفا فيما ينتظر من عملية التعليم أن تحدث من تغير في السلوك.
§                   وجود سلوك محدد يكون قابلا لأن يكتسب من طرف المتعلم (على شكل قدرة أو مهارة أو موقف) ليبرهن من خلاله هذا الأخير عن مدى حدوث فعل التعلم لديه.
§                   وجود نشاط ينبغي أن ينجزه المتعلم (بمفرده أو بمساعدة المدرس) كي يتحقق لديه السلوك المرغوب فيه.
§                   القابلية للملاحظة والقياس والتقويم من قبل المدرس أو من يتولى مهمة الإشراف على العملية التعليمية.

أنواع الأهداف البيداغوجية

في تناول أنواع الأهداف سنعتمد على التصنيف الذي جاء به بيرزيا Birzéa باعتباره مستعملا في أغلب المراجع التربوية التي تتناول موضوع الأهداف البيداغوجية، ومن جهة أخرى لأن المستويات المقترحة في هذا التصنيف تغطي مختلف الاستعمالات اللفظية المدرجة في هذا المجال :
1.                الغايات : Finalités
إن الغايات التربوية ليست في آخر الأمر سوى أهداف من مستوى عام جدا تظل توجه الفعل التعليمي (من أعلى مستوياته إلى أدناها)، مادامت هذه الأهداف تعكس دائما فلسفة ومبادئ المجتمع، أي منظومته القيمية التي تشكلت لديه عبر تاريخه الطويل، وتراكم تجاربه في متخلف ميادين الحياة. أما عن كيفية تحديد الغايات التربوية، والمسؤول عن صياغتها، فتشير دولاندشير V. De Landsheere إلى أن العملية ترتبط بنوع السلطة السائدة في المجتمع، أي بنوع العلاقة القائمة بين أفراد المجتمع والجهاز السياسي الحاكم داخل هذا المجتمع. وتقول دولاندشير في هذا الإطار، بعدما دعت إلى التمييز بين نظامين أحدهما ديكتاتوري، والآخر ديمقراطي: «ففي النظام الديكتاتوري يبدو الجواب واضحا عن السؤال: من يختار غايات التعلم؟، إنهم الماسكون بزمام السلطة، أما في النظام الديمقراطي، فإن ذلك يتم عن طريق ممثلي الشعب».
2.                المرامي: Buts
هي أقل عمومية وشمولية من الغايات، لأنها تميل نسبيا إلى التحديد. إنها أهداف تشتق مباشرة من الغايات، لأنها تميل نسبيا إلى التحديد. إنها أهداف تشتق مباشرة من الغايات، وتعبر عن المقاصد الفعلية التي ينبغي تحقيقها. يعرفها هاملين Hameline بأنها «التعبير الذي يحدد عموما المقاصد المتبعة، سواء من قبل مؤسسة، أو منظمة أو شخص، وذلك من خلال برنامج أو فعل تكويني محدد. إنها أهداف تحاول أن تجيب عن السؤال: ماذا نريد؟». ويكاد يتفق منظروا الأهداف البيداغوجية على أن الحديث عن المرامي في حقل التعليم، هو نفسه الحديث عن السياسة التعليمية أو النظام التعليمي، مادامت القرارات الصادرة عن السلطة المكلفة بالتربية، من مقررات وبرامج للتعليم ، ومن تحديد لأسلاكه، تلخص في المجمل المرامي العامة للتعليم. لذلك، فهي تكون لصيقة دائما بالغايات، ويقول مادي لحسن في هذا السياق: «الكلام عن المرامي التعليمية، هو في حقيقة الأمر الكلام عن سياسة تعليمية متبعة، وكل تقارب بين الغايات في شكلها الغامض أو العام، وبين المرامي في شكلها المحدد نسبيا، لا يمكن اعتباره إلا مؤشرا للانسجام والضبط اللذين يسودان السياسة التربوية، إذ منطقيا، لا تعتبر المرامي إلا الجانب التطبيقي لما حددته الغايات معبرة عن السياسة الرسمية للدولة».
3.                الأهداف العامة: Objectifs généraux
تشتق الأهداف العامة من المرامي ويعرفها هاملين Hameline على أنها «وصف على شكل قدرات لدى المتعلم لإحدى النتائج المنتظر تحقيقها في فترة زمنية معينة». فإذا كانت الغايات تصف السياسة التربوية والتعليمية العامة التي ينبغي السير في إطارها، والمرامي تصف ما يتوقع تحقيقه من العملية التعليمية ككل في مراحل محددة، فإن الأهداف العامة تصف النتائج الفعلية التي يحققها، أو على الأصح، ينبغي أن يحققها برنامج معين بكامله، أو من خلال جزء منه، في مدى زمني معين. ومن هنا يمكن أن يتحدد الهدف العام في أنه «النتيجة المؤمل فيها في مقابل المرمى الذي يعلن عن النتيجة المطلوبة، ويقينا أن الفرق رهين جدا، وهو فرق ليس باطلا، لأن الأمر لم يقتصر فقط على الإجابة عن السؤال (ماذا نريد؟) ولكن سيضاف إليه السؤال (ماذا نستطيع فعله؟) أي اعتبار الشروط والوسائل التي ستمكن المدرس والمتعلمين من القدرة على التنبؤ، وليس من التمني فقط».
إذن فإن الأهداف العامة هي تلك الصيغ التي ينبغي أن تتضمنها المذكرات التوجيهية الرسمية حول انجاز البرامج التعليمية في مختلف الوحدات والمواد، وكذا المقدمات المنهجية التي تستهل بها الكتب المقررة من طرف وزارة التربية الوطنية.
4.                الأهداف الخاصة : Objectifs spécifiques
هناك من يسميها أيضا بالأهداف السلوكية، أو الأهداف العملية، وهي تشتق دائما من هدف أو مجموعة من الأهداف العامة. إنها على حد قول هاملين: «أهداف تستخرج من تجزيء هدف عام إلى كثير من الصيغ يؤدي تحقيقها مجتمعة إلى تحقيق هذا الهدف العام». فالهدف الخاص يرتبط إذن بموضوع محدد من وحدة دراسية معينة، كما يرتبط كذلك بجانب أو جوانب سلوكية محددة يراد إحداث تغير بها. وبما أن تحقيق مجموعة من الأهداف الخاصة المرتبطة فيما بينها يضمن تحقيق الكفاءة أو القدرة أو المهارة التي صيغت في الهدف العام، فإن هذا يجعل الأهداف الخاصة على صلة وطيدة بالأهداف العامة، ما دامت هذه الأخيرة هي اختزال وتكثيف لعدد هائل من الأهداف الخاصة، وإذا كان عمل المدرس يلزمه بالاشتغال دائما بالأهداف الخاصة، فإن هذا الاشتغال يلزمه بدوره بالإطلاع على الأهداف العامة، حتى يتمكن بالتالي من وعي الأهداف الخاصة وضبطها.
5.                الأهداف الإجرائية : Objectifs opérationnels
ترتبط الأهداف الإجرائية، وهي عبارة عن أهداف دقيقة صيغت صياغة إجرائية بما سينجزه المتعلم من سلوك بعد ممارسته لنشاط تعلمي معين. إنها أهداف (وهناك من يرى أنها أهداف خاصة مصوغة إجرائيا فقط) تصاغ في عبارات واضحة ودقيقة تشمل التغير السلوكي المزمع إحداثه لدى المتعلم معرفيا أو وجدانيا أو مهاريا، ثم شروط الإنجاز ومعايير التقويم.

تعريف الكفــــــــاية

يعتبر مفهوم الكفاية من المفاهيم الحديثة التي اهتم بها الكثير من العاملين في حقل التربية والتعليم، فسألت أقلام عديدة حول هذا المفهوم الجديد، فهناك من يرى أنه يتطابق مع مفهوم الكفاءة وهناك من يختزله في اكتساب المهارات والبعض الآخر يربطه بمفهوم النشاط ثم بمفهوم القدرة ثم الخبرة، الأداء، المهارة ثم الاستعداد ... وقد ترتب عن هذا التعدد في المعاني والتعريفات نوع من الخلط والغموض في تحديد تعريف دقيق للكفاية. ولمحاولة تقريب هذا المفهوم الجديد والوقوف على حقيقته أورد هنا مجموعة من التعاريف المقترحة من لدن بعض الباحثين:
تعريف مركز الدراسات البيداغوجية للتجريب والإرشاد CEPEC :
« تعرف الكفاية كنسق من المعاريف المفاهيمية والمهارية (العملية) والتي تنتظم على شكل خطاطات إجرائية تمكن داخل فئة من الوضعيات (المواقف) من التعرف على مهمة- مشكلة وحلها بانجاز (أداء) Performance ملائم».
تعريف لوبوترف G.Leboterf
الكفاية هي معرفة التصرف un savoir agir التي تتجلى في معرفة تحريك Savoir mobiliser، ودمج intégrer وتحويل transférer المعاريف والسلوكات والقدرات والمهارات في سياقات أو وضعيات جديدة.
قاموس اللغة التربوية لفولكيي P. Foulquié :
إن كلمة Compétence مشتقة من اللاتينية: Competens من الفعل Competer أي الذهاب (petere) aller، ومع avec بمعنى الملائمة مع والمرافقة «ان الكفاية هي القدرة capacité (سواء القانونية أو المهنية) المكتسبة، لانجاز بعض المهام والوظائف والقيام ببعض الأعمال».
تعريف تشومسكي N.chomsky :
إن الكفاية في الاستعمال التشومسكي تعني تلك المعرفة الضمنية والفطرية التي يملكها جميع الأفراد عن لغتهم، فهي القدرة على إصدار وفهم جمل جديدة... حيث أن النظام المستبطن للقواعد المتحكمة في هذه اللغة، يجعل الفرد قادرا على فهمها وعلى إنتاج عدد لا نهائي من الجمل. وبصفة عامة يمكن القول أن تعريف تشومسكي يندرج أساسا ضمن ما يسمى بالتيار المعرفي (الكفاية اللغوية).

تعريف بيير جيلي P. Gillet :
«الكفاية عبارة عن نظام من المعارف، المفاهيمية (الذهنية) والمهارية (العملية) التي تنتظم في خطاطات إجرائية، تمكن في إطار فئة من الوضعيات، من التعرف على المهمة-الإشكالية وحلها بنشاط وفعالية».

         ومن خلال التعاريف السابقة ومن خلال التحليل البسيط لمختلف التعاريف يمكن القول أنها تتأرجح بشكل عام بين الفهم السلوكي والفهم الذهني المعرفي، حيث أن الاتجاه الأول يذهب إلى تعريف الكفاية على أنها سلسلة من الأعمال والأنشطة القابلة للملاحظة أي تلك السلوكات النوعية الخاصة للفرد. أما الاتجاه الثاني فيعتبر الكفاية بأنها قدرات عقلية وذاتية شخصية يتميز بها كل فرد. ومفهوم الكفاية في مجال التعليم يتجلى أساسا في القدرة على دمج المعارف المختلفة التي اكتسبها المتعلم (مفاهيم ومهارات...) وانتقاء العناصر الأساسية المكونة لها وتنظيمها وتحويلها إلى عناصر ذات أهمية وذلك بغية توظيفها لانجاز أنشطة أو حل مشاكل أو انجاز مشاريع. وهي كذلك تلك القدرة على التكيف مع وضعيات جديدة ومواجهة مشاكل طارئة (نوع من الذاتية L'autonomie).

أنــــــواع الكـفــــــــاية

 تصنف الكفايات بشكل عام إلى نوعين أساسيين هما: كفايات نوعية وكفايات ممتدة ومستعرضة. حيث إن النوع الأول مرتبط بمادة دراسية أو مجال تربوي أو مهني معين. أما النوع الثاني فهو لا يرتبط بمجال محدد أو مادة معينة فهي كفايات عامة يمتد توظيفها إلى مجالات عدة أو مواد مختلفة وهي تسمى كذلك بكفايات قصوى أو ختامية لأنها تمثل الدرجة العليا من الضبط والإتقان.


المقارنة بين المهارات والكفايات

لقد سبق أن أدرجت تعريفا سابقا للكفاية لبيير جيلي P. Gillet وهو كالآتي : «الكفاية عبارة عن نظام من المعارف، المفاهيمية (الذهنية) والمهارية (العملية) التي تنتظم في خطاطات إجرائية، تمكن في إطار فئة من الوضعيات، من التعرف على المهمة-الإشكالية وحلها بنشاط وفعالية».
إذن من خلال هذا التعريف يتبين أن الكفاية تتخذ شكل نسق ذهني نظري، في حين أن المهارات تتخذ شكل عملي سبق التنظير له من خلال الكفايات، لذلك فالمهارات هي مجمل الأفعال التي يقوم بها الفرد من أجل مثلا حل مشكلات داخل النشاط التعليمي أو إبراز قدرات التلاميذ، هذه المهارات نلمسها في واقع الممارسة من خلال اللغة والتواصل والتحليل ثم التركيب وغيرها من القدرات التي تحصل فعليا في الدرس.

الإشكالـــــــــيـة
تتحدث جاكلين روس عن النواة الفلسفية الخاصة للمنهاج في الفلسفة، بحيث لا تتصور أي عمل فلسفي خال من الإشكالية/الإشكاليات. وتتساءل: ما هي الإشكالية؟
يفترض وضع الإشكالية عملا تحليليا مسبقا للموضوع أو للنص (المعطى)، وبعد ذلك يصير من الممكن طرح إشكالية ما. وأول عنصر أساسي يتجلى عبر وضع سلسلة من الأسئلة المنظمة، أو عبر التساؤل هو تلك الإشكالية. وهنا تؤكد روس –على مستوى تدريس الفلسفة- أن التلميذ مطالب في هذا المستوى بفهم السؤال المعطى أو النص وتوضيح ذلك الفهم وتحليله. بعدها يصير من اللازم طرح أسئلة منظمة مترابطة فيما بينها، وبشكل منطقي، اعتمادا على السؤال الذي تم وضعه. ولكي لا تكون هذه الأسئلة اعتباطية ينبغي أن تصدر من صلب الموضوع المقترح، وتحدد بشكل مسبق موضوع التحليل الإنشائي (أي يجب تقديم الأجوبة عليها عبر مراحل المناقشة). وهنا لا ينبغي أن تتداخل تلك الأسئلة أو تتراكم بشكل كمي، أو تخضع لمنطق الصدفة، بل ينبغي توضيح الأسئلة الهامة، ومعالجتها في اتجاه حل المشكل.
وعندما نكشف عن الإشكالية، سواء في الإنشاء أو في النص ونحدد هويتها فإن مخطط التفكير وتنظيمه، المدعمان لسير العمل من البداية إلى مرحلة التعبير عن الحل، ينبغي أن يحترم. وهكذا يمكن تعريف الإشكالية بفن أو علم توضيح وإبراز المشكل الفلسفي، واكتشافه، ثم محاولة تفسيره، وإيجاد الحل الملائم له.

Problématisation
« Problématiser ce n’est pas discuter de son opinion ; problématiser nécessite de se situer dans un champ de questions intellectuellement légitimes. Il faut avoir des connaissances pour se poser des problèmes. Il n’y a de problème que sous un horizon de savoirs, qu’à partir de perspectives qui mettent ensemble ou excluent un certain nombre de données, qui permettent d’interroger, d’interpréter la réalité ou les faits sous une certaine lumière, sous un certain point de vue. Cet ensemble on l’appellera une problématique. »
Référence : Jean-Paul FALCY, Michel TOURNEUX, Jacques LAMBERT, Marc LEGRAND, Marc BUONOMO, Patrice ALLARD, Bernard VECK, Simonne GUYON, Guy RUMELHARD « Question, problème, problématique ». La problématique d’une discipline à l’autre. , ADAPT éditions, 1997.

المراجع المعتمدة في المقال:
- خالد المير- ادريس قاسمي- محمد بيدادة- ع.المجيد التوزاني، الطرائق البيداغوجية( بيداغوجية الأهداف)، سلسلة التكوين التربوي، العدد4، مطبعة النجاح، الطبعة الأولى، 1996، ص 6-7-8.
- امحمد عليلوش، التربية والتعليم من أجل التنمية، تقديم: د.أحمد أوزي، الطبعة الأولى، 2007، ص 93- 94- 95- 96 .

- احميد عبيدة، الحجاج في الفلسفة وفي تدريسها، مجلة فكر ونقد، العدد 39





تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)