سلسلة دروس........ تكريما للدكتور المناضل سالم يفوت رحمه الله { الدرس الأول}






إعداد الأستاذ هشام آيت باحسين




سلسلة دروس........ تكريما للدكتور المناضل سالم يفوت رحمه الله { الدرس الأول}

يبدو أن أهرام الفكر والفن مازالت تتهاوى من فينة لأخرى، وآخر هرم هو المفكر والفيلسوف وأستاذنا سالم يفوت رحمه الله، ومن هذا المنبر أقدم تعازي الحارة إلى كافة أسرته وللمغاربة جميعا. إن قيمة الأستاذ والدكتور المناضل الذي ضحى في سنوات سابقة من أجل كلمة الحق وعانى على إثرها كثيرا ندركها نحن طلبته في كلية الاداب والعلوم الإنسانية بالرباط،  ومع ذلك فالإبتسامة لم تكن تفارقه بتاتا. وتعبيرا عن حبي وتعلقي بفكر الأستاذ فلن أدخر جهدا في نشر فكره وتنوير المجتمع بنوره، فحتى برحيله مازالت روحه بيننا في كتبه وقيمه لذلك اخترنا في هذه اللحظة الأليمة أن نعرض لقراءنا الأعزاء ومتابعي فكر الأستاذ سالم يفوت سلسلة دروس ألقاها في كلية الآداب والعلوم الإنسانية سنة 2006 بالرباط تكريما له ولأسرته، ووفاء لذكراه و اعترافا بما قدمه لطلبته ... وقد كان موضوع هذه الدروس هو علم الفلك في العالم الإسلامي حيث تناول فيها التطور الفلكي الذي شهدته الأندلس في مجال التقويم الفلكي وتسخير الرصد الفلكي لخدمة غايات دينية إسلامية. ونرجو من الله أن يوفقنا في نقل رسالة المرحوم على أفضل وجه.
الدرس الأول بتاريخ 19 فبراير 2006،  موضوعها: مدخل عام
-         مدخل عام :
دخل العرب إلى الأندلس في عهد الدولة الأموية بالشرق وبقي الأمويون بالشام يعينون واليا على الأندلس من قبل. ثم في مرحلة ثانية جاء عبد الرحمان الداخل الملقب بصقر قريش بعد سقوط الأمويين فارا من العباسيين ليؤسس الشوط الثاني من الدولة الأموية في الأندلس، فلقب نفسه أميرا وبذلك دخلت الأندلس في عهد جديد هو عهد الإمارة مع عبد الرحمان الداخل. وفي القرن الرابع الهجري مع ع.الرحمان الثالث الملقب بالناصر بدأ عهد الخلافة ، فقد عرفت الأندلس فيه أكبر ازدهار حضاري، وبعد عهد الخلافة دخلت الأندلس فيما يسمى الفتنة ففرض كل حاكم باقليم وسمي هذا العهد بعهد الملوك الطوائف، وذلك سنة 425 هـ، وبعد ذلك جاء العهد المرابطي اذ دخل يوسف ابن تاشفين الأندلس ليقضي على ملوك الطوائف ويلحق الأندلس بالمغرب وبعده جاء عهد الموحدين ثم بدأ التراجع إلى أن بقي في يد المسلمين مدينة واحدة هي مدينة غرناطة التي سقطت وبسقوطها خرج المسلمون من الأندلس.
تجمعت بالأندلس كل العناصر التي جعلت منها أرضا للتلاقح الديني والثقافي، فوجدت بها كل الديانات السماوية وامتزج فيها العنصر الأوربي المحلي بالعنصرين العربي والأمازيغي والثرات الوارد من الشام (مع الأمويين)، كما أن تبادل النفوذ بين القوتين الإسلامية والمسيحية في الأندلس أتاح لكل حضارة أن تأخذ عن الأخرى.
فيما يتعلق بالإطار الجغرافي فإن كلمة الأندلس المتداولة اليوم لا تشير إلى المنطقة التي تحمل هذا الإسم اليوم في الجنوب الغربي لاسبانيا، فمن قبل كانت شبه الجزيرة الإبيرية في اسبانيا تطلق عليها سابقا الأندلس، وهي لفظة تشير إلى ما اتفق العرب على إعطائه اسم الأندلس وهو 'اسبانيا المسلمة". والواقع الأساسي الأندلسي غالبا هو الذي طالت حدوده جبال البريني (بين فرنسا واسبانيا) وانكمش تدريجيا تحت ضغط الاسترداد لينحصر في القرن 13 الميلادي و 6 الهجري في حدود مملكة غرناطة والتي كان يحكمها بنو الأحمر.
لم تكن الحشود الفاتحة للأندلس سواء في الحملة الأولى مع طارق ابن زياد أو في الحملات التي أعقبتها تضم علماء بالمعنى القوي للكلمة اذ لم تعرف الحياة الأندلسية علوما بعد دخول المسلمين ،فقد ظل الثرات اللاتيني قويا، وهذا لا ينفي وجود محاولات أولية تمثلت في تحديد القبلة للجوامع الكبرى لمدينة قرطبة وسرقسطة ولاشك أن تحديد اتجاه القبلة للجوامع مسألة معقدة جدا وتتطلب معارف فلكية دقيقة، عرفت الأندلس بعد دخول المسلمين إليها ممارسات في الوسطين المسيحي والإسلامي، لها صلة بتعاطي التنجيم ويمكن وصف التقنيات الخاصة بهذا الشأن بأنها ناذرا ما كانت دقيقة ومن جهة أخرى هناك عدد من المعطيات تسمح بعملية الاستمرار الفلكي والتنجيم اللاتيني في الوسط الأندلسي المسلم. فكتاب "ذكر بلاد الأندلس" الذي ألفه كاتب مغربي مجهول في النصف الثاني من القرن 7 هـ، يضم كتابات و أراجيز (القصائد الشعرية التعليمية) حول مسائل تخص علم الفلك والتنجيم و الطب، لكن الأثر الأكثر وضوحا لاستمرار التقليد اللاتيني في مجال التنجيم، يوجد في مؤلف "ألفونصو العاشر" الملقب بالحكيم ملك طليطلة الذي قام بترجمة كل الثرات العربي الموجود في الأندلس إلى اللاتينية وهو كتاب "الصلوب" هذا الكتاب ترجمة لنص تنجيمي عربي اكتشفت حديثا بعض القطع منه، ومن بين هاته المقاطع أبيات من أرجوزية شعرية لعبد الواحد ابن اسحاق وهو منجم بلاط الأمير الأموي هشام وهذه الأبيات تقع في الفصل 57 من كتاب "الفونصو العاشر" وبهذا سيكون لدينا نص هو المصدر التنجيمي الأندلسي الأقدم الذي كتب في عصر لا نعرف فيه وجود أي أثر عن أصول النصوص العربية التي حفظتها الأيام للمؤلف "الفونصو العاشر" تشدد على أن طريقة كتاب "الأحكام" كانت المنهج القديم للتكهن التنجيمي الذي مارسته روم الأندلس وافريقيا قبل دخوله مناهج المنجمين الشرقيين الأكثر تطورا. ومن كل هذا نستنتج أن كتاب "أحكام النجوم" هو الأكثر تطورا وهو مختصر في التنجيم يعود أصله إلى اللاتينية كان يستعمل في اسبانيا وإفريقيا الشمالية قبل الإسلام وقد استمر هذا النوع من التقنيات التنجيمية إلى ما بعد مرحلة شرقنة أي تحولها إلى بلد شرقي، ولدينا ما يدعو إلى أنه استخدم من قبل منجمي المنصور بن أبي عامر الذي حكم الأندلس ما بين 981م و 1002م. وقد ظل هذا النوع من التقنيات متداولا حتى القرن 19 ميلادي حيث أن "الفونصو العاشر" أمر بترجمة الكتاب المذكور، ويرى بعض الدارسين احتمال أن يكون أصل كتاب "الأحكام" لاتينيا لأن التقاليد اللاتينية باسبانيا القديمة امتزجت بالتقاليد "القوطية" ويشكل بقاء عناصر من الثقافة اللاتينية باسبانيا القديمة بعد دخول الإسلام إلى الأندلس سمة مميزة للقرون الأولى لا يمكن الإدعاء مع ذلك أنها السمة الوحيدة التي طبعت المشهد الثقافي في الأندلس. لقد امتدت هذه الثقافة الأخيرة إلى مابعد سنة 850م. إلا أنه بعد دخول عبد الرحمان الداخل، أول أمير أموي سنة 759 م بدأت عملية تحول الثقافة الأندلسية إلى ثقافة شرقية، فالمسافرون والرحالة الأندلسيون إلى الشرق من أجل طلب العلم أو الحج كانوا يعودون بآخر مستجدة ثقافية وبذلك تحول الجامع الكبير الذي بناه ع.الرحمان الداخل سنة 986م إلى مركز لنشر الثقافة ، فدخلت علوم الطب والفلك والرياضيات في المناهج الدراسية للجوامع. اذ لم تكن المدارس ظهرت بعد وكان ع.الرحمان الداخل من هواة القراءة وجمع الكتب والفلسفة والطب وقد أرسل عباس بن الناصر إلى الشرق لاقتناء الكتب التي امتلئ بها قصر قرطبة وقد ضمت 400000 كتاب ويرجع الفضل إلى الأمير عبد الرحمان الثاني في إدخال كتب الأزياج أي الجداول الفلكية إلى الأندلس، كما أنه أول من أدخل كتب الفلسفة والموسيقى والطب وعلم الفلك. ففي عهده أدخل عباس بن ناصر نسخة من جداول كتاب "السند هند" في علم الفلك. و أصبح التنجيم علما محكما في قرطبة حيث أحاطت بالأمير حاشية من المنجمين مثل عباس بن فرناس (أول من حاول الطيران)
ويحيى الغزالي، وقد يعود هذا الاهتمام الذي أولاه الأمير للتنجيم إلى الأحداث الفلكية الهامة التي حصلت خلال فترة إمارته ككسوف الشمس الذي حصل في 17 شتنبر 838م وكان كليا في قرطبة مما جعل أهلها يصابون بالذعر والرعب فقاموا الصلوات، وفي سنة 839 سقطت عدة نيازك. ومنذ ذلك العهد على الأقل أصبح المنجم من الشخصيات التي تتمتع بثقة الأمراء ومن ثمة بدأت تثور غيرة الفقهاء منهم وربما هذا ما يفسر مواقف الفقهاء وبعض المتكلمين من علم التنجيم والتي هي مواقف معادية لهم.

يتبع ...


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)