"الشباطيزم" أو فلسفة العبث السياسي





بقلم محمد بعدي




يمكن اعتبار النظام السياسي في المغرب نظاما خارجا عن التصنيف، إذ يصعب، إن لم يكن يستحيل وضعه ضمن قالب من القوالب النظرية التي صاغها علماء الاجتماع و السياسة. و لعل مرد ذلك إلى وجود مفهوم المخزن بحمولته السياسية و الاجتماعية و الثقافية... باعتباره مفهوما زئبقيا ينفلت من آليات التنظير الأكاديمي، لأنه لا يخضع لمنطق علمي يمكن من رصده.
سياق هذا الحديث هو الصورة الكاريكاتورية التي رسمها الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط من خلال قرار الحزب الاستقالة من الحكومة التي يعتبر أحد مكوناتها الأساسية، و قبل ذلك الخرجات الاعلامية التي قام بها شباط ضد رئيس حكومته.
لا بد من التأكيد في البداية أننا لا نريد هنا الدفاع عن رئيس الحكومة ضد معارضيه، لأننا نعرف الظروف التي حملته إلى رئاسة الحكومة، و لأن الرجل، مع انتمائه لمرجعية سياسية لا تتماشى، نظريا، مع المشروع المخزني، إلا أنه عمليا، "مخزني أكثر من المخزن"، و لديه استعداد عجيب ليكون ورقة يمسح فيها المخزن أخطاءه و خطاياه.
هل ما قام به شباط قرار حزبي سيادي؟ و هل يتعلق الأمر بقرار له أهداف مجتمعية، وطنية، شعبية؟ لن يجيب بالإيجاب إلا من كان به حَوَل فكري أو خفة عقل. و لا يمكن فهم الحركات البهلوانية لشباط إلا ضمن نسق و بنية أكبر من شباط و حزب الاستقلال، بنية ينسج خيوطها و يتحكم فيها " العفاريت" من الإنس، و ربما الجان أيضا !! و لربما يفيدنا التحليل النفسي في قراءة اللاشعور السياسي للفاعل السياسي المغربي من خلال شباط الذي يمثل نموذجا يختزل فلسفة أو عقيدة سياسية يمكن أن نسميها " الشباطيزم"، و الشباطيزم بهذا المعنى هي مدرسة أو اتجاه سياسي يتأسس على " فلسفة" العبث السياسي و "القوادة" السياسية... فلسفة تستبيح كل شيء من أجل اللاشيء. و بالرجوع إلى القاموس الشباطي نستطيع العثور على بعض المفاهيم التي تمثل " فلتات لسان" ضاق بها لاشعوره و عبرت عما يكبته و يختزنه من دوافع تدميرية و مخاوف هستيرية... و كنموذج لهذه المفاهيم "المصرنة" و " التونسة"... إن شباط هنا يعبر عن مشروع مناهض للمشروع " الإسلامي" الذي وصل إلى الحكم بطريقة ديموقراطية نزيهة و شفافة... و كنتاج لمسار طويل من الحصار و القمع و الإقصاء... { هناك من صوت للإسلاميين معاقبة لغيرهم لا حبا فيهم، و هناك من صوت من باب إنصافهم و منحهم فرصة منحت لغيرهم دون جدوى}، و في هذا المستوى يمكن البحث عن خيوط لفهم "حقيقة" الحركات الاستعراضية الشباطية باعتبارها برق لرعد " العفاريت". هذه العفاريت التي يمثلها حزب المخزن الذي أبلى مناضلوه بلاء حسنا في الحرب على "الاسلاميين" باسم الحداثة المفترى عليها، و باسم الديموقراطية و حقوق الانسان باعتبارهما أدوات تجميل لستر بشاعة الوجه السياسي المليء بالندوب.
هكذا فمنذ مشاورات تشكيل الحكومة رفض " البام" الدخول إليها، و بعد تشكيلها بدأ الهجوم في الأسابيع الأولى، و اشتغلت الآلة الإعلامية، و قيل في بنكيران و صحبه ما لم يقله مالك في الخمر، و خصوصا بعد الأخطاء و الخطايا التي ارتكبها الرجل... رغم "شباطيته"، إذ كان حريصا على الولاء و الطاعة، حتى دون مناسبة، و تعامل ببراغماتية سياسية معيبة أحيانا، خصوصا على مستوى القرارات اللاشعبية، كالزيادات في المحروقات مثلا... وعلى الرغم من انحناء الرجل ـ و ربما بسببه ـ استمرت الحملات و تصفية الحسابات، من خلال تقسيم واضح للأدوار داخل "المعارضة" { البام، الأحرار، الاتحاد الاشتراكي}، و داخل الحكومة { شباط} بطريقة فجة أحيانا.
نحن إذن أمام نهج سياسي عبثي يلحق الضرر بالسياسة و المجتمع، نهج توظف فيه جميع الأسلحة حتى و لو كانت غير مشروعة، بل حتى و لو كان الأذى الذي تسببه يضر بالوطن و المواطنين، و بالأحرى الرعية، لأن المواطنة تتطلب وجود دولة المؤسسات بالمعنى الدقيق للكلمة، الدولة التي لا يكون الولاء فيها إلا للوطن و ليس الأشخاص، الدولة التي تعاقب المجرم و تحاسب المفسد و ليس الدولة التي تكافؤهما، دولة الكفاءة و العقلنة التي يوضع فيها الشخص المناسب في المكان المناسب، وليس الدولة التي يرأس عمادة المدينة العلمية فيها رجل دون المستوى الثانوي، وتترأس وزارة الثقافة فيها امرأة لم تطأ قدماها الجامعة، و يجلس تحت قبة برلمانها سكارى و أميون و متهمون بقضايا اغتصاب و مرتشون و مختلسو أموال... هذا هو العبث السياسي الذي يدفع الناس إلى فقد الثقة في العمل السياسي، أي وجود زعامات حربائية و مزيفة مستعدة للعب كل الأدوار: عندما يترأس بنكيران حزب العدالة و التنمية ثم الحكومة، و لشكر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية و شباط حزب الاستقلال...و غيرهم كثير، فعلينا أن نقرأ السلام على السياسة، لأن هؤلاء يمثلون تلك الشباطيزم التي أشرنا إليها كنهج و فلسفة للعبث السياسي.. إذ كيف يقود هؤلاء أحزابا سياسية يوجد ضمنها دكاترة و مفكرون... بينما أفضل هؤلاء لا يملك سوى إجازة يتيمة و أقدمية "محترمة" في "الشباطيزم" بل منهم من لا يملك حتى شهادة الدروس الإعدادية ؟


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة