المعرفة الفطرية والمعرفة المكتسبة بالفلسفة

 

المعرفة الفطرية والمعرفة المكتسبة بالفلسفة


د
علي محمد اليوسف



من المعلوم الثابت في تاريخ الفلسفة جيدا انقسام الفلاسفة قسمين أحدهم ينادي بالمعرفة الفطرية، يقابلهم المنادون بالمعرفة المكتسبة، لعل أبرز إثنين هما ديكارت وكانط دعاة ألمعرفة الفطرية، يقابلهم جون لوك وديفيد هيوم دعاة المعرفة ألمكتسبة في الفلسفة الغربية الحديثة. وفي محاولة توفيقية وسطيّة لحل هذا التناقض الانقسامي ذهب لايبنتيز الفيلسوف الألماني ألمعروف أن المعرفة الإنسانية فطريّة ومكتسبة في آن واحد وسيرورة معرفية زمنية في وقت واحد.

يقرر لايبنتيز " أن المعرفة فطرية ومكتسبة معا، ويرفض وجود تعارض بين هذين النوعين من المعرفة، وبالتالي أتخذ موقفا مخالفا للنظرتين الفلسفتين السائدتين في عصره النظرية الديكارتية التي ترى المعرفة فطرية، وجون لوك الذي يعتبرها مكتسبة " 1. ومنذ الآن نعّبر عن وجهة نظرنا في حقيقة لا يوجد سوى معرفة مكتسبة فقط مهما تبدّلت وتعدّدت المسمّيات. ألمعرفة إدراك موجودات لا حصر لها في تنوّعاتها وهي لا توجد في ذهن الإنسان إلا بتأثير مصدرها الخارجي في عالم الموجودات والعلوم والطبيعة ومختلف الظواهر التي تحيط الفرد والمجتمع.

لايبنتيز والتوفيقية المعرفية

لايبنتيز كما نفهم من عبارته أراد تعميق التفريق بين معنى الفطرة التي تنطبق عليها جميع ما تشتمل عليه من الغرائز التي يورثها الفرد كمعطى جيني في الكروموسومات أوما يصطلح عليه اليوم الحمض النووي DNA، وبين الاستعداد الفطري الذي هو مزيج من معرفة قبلية مكتسبة وليست فطرية مخزّنة بالذاكرة والمخّيلة الموضوعة تحت تصرف التفكير الذهني بها، ويتداخل مع هذا الاستعداد الذي يطلق عليه خطأ فطريا وفي حقيقته مكتسبا كما ألمحت له.

برأينا لو كانت معارفنا فطرية أو حتى متداخلة بين الفطرة والاكتساب، فلا يمكن في كلتا الحالتين الذهاب نحو معرفة فطرية تشمل جميع الغرائز المزّود بها ألفرد وتلازمه منذ الولادة في تزامنيه قبلية مدى الحياة. أذن لو كانت المعارف هي حصيلة فطرية معطاة بالولادة غير مكتسبة من العالم الخارجي والمحيط، يرثها الانسان عن الابوين بالفطرة الوراثية يولد مزوّدا بها كمعطى جاهز... لانتفت الحاجة إلى سعي الفرد اكتساب معارف جديدة من العالم الخارجي في مختلف مناحيه المجتمعية والسلوكية والأخلاقية والعلمية وهكذا.

الاستعداد ألفطري للتّعلم والتزّود بالمعرفة عند الانسان، ليس فطريا بل مكتسبا بالتمام، وكل استعداد فطري هو معرفة بعدية مصدرها تداخل الفرد بمجتمعه مدى الحياة. وهذه تسبق كل فكرة يختزنها ألفرد على أنها فطرية هي في حقيقتها تخزين خبرة تراكمية بالذاكرة والذهن مصدرها موجودات العالم الخارجي. كل معرفة يمتلكها الذهن على اعتبارها فطرية بأي وسيلة كانت إنما هي في حقيقتها الجوهرية معرفة مكتسّبة نتيجة خبرة تجريبية تراكمّية مصدرها العالم الخارجي، ومن واقع الفرد يعيش ضمن مجتمع يحتويه يزّوده بكل المعارف التي يحتاجها في حياته.

بعبارة استشهادية نرى مقولة جون لوك يولد الطفل وذهنه صفحة بيضاء، كان يقصد صفحة بيضاء من المعارف الفطرية الخالي الذهن منها بالولادة. ولم يقصد جون لوك صفحة الذهن البيضاء عدم وراثة المولود الغرائز البيولوجية والنفسية والعقلية. فالغرائز الفطرية لا يستطيع الانسان رفض تشّكلها جينيا لوراثتها لاحقا عن الأبوين. كون الغرائز تورث ويتم صقلها بمعارف مكتسبة من الحياة تزيدها سعة وثباتا.

لذا نجد لايبنتيز "يرفض الرأي القائل بالتناقض بين المعرفة ألفطرية والمعرفة المكتسبة." 1 ويعتبرهما معرفة واحدة من حيث المصدر، لكنهما برأينا اذا ما سلمّنا بصّحة العبارة فهما أي المعرفة المكتسبة والمعرفة الفطرية في مخزونهما المعرفي بالذاكرة والذهن مختلفتين... فالمعرفة المكتسبة قابلة للتجزئة والاختلاف والتنوع والانتشار في العالم الخارجي لكنها تبقى موّحدة مخزّنة في الذهن والذاكرة، ونعني بالموحّدة أنّها (وعي) معرفي مخزّن قابل للاستثمار المعرفي المتداخل مع جدلية الحياة. وهذا ينسحب أيضا على ما يسمّى المعرفة الفطرية التي هي الأخرى مخزّنة بالذاكرة والذهن، والتعبير عن كليهما المكتسبة والفطرية إنما يكون في وعي وأحد يصدر عن الذهن في مرجعية العقل. بمعنى ليس هناك تفكير ذهني بمعزل عن العقل وتحديدا عن مناطق عصبية معينة موجودة في تركيبة الدماغ البيولوجية.

وليست موحدة بمعنى التنظيم النسقي الذي يجعل كل المعارف ألمكتسبة وحدة متجانسة في الإفصاح التعبيري عنها في التعامل مع مجريات الحياة.. وحدة المعرفة المخزّنة بالذهن والذاكرة هي مفهوم واسع من الإدراكات المعرفية التي لا حصر لتنوّعها. لكن يبقى التوحيد التراكمي لها في تخزينها التجريدي بالذاكرة والذهن وليس في مصدر اكتسابها الواقع. ويبقى التعريف الادراكي بها هو وعي قصدي واحد. أي لا يمتلك الوعي التعبيري عن المعرفة المخزّنة بالذهن والذاكرة قابليّة التعامل في التفريق بين ما هو فطري باختلافه عما هو مكتسب.

وجود بالقوة وجود بالفعل

يقرر لايبنتيز " وجود أفكار كامنة في نفوسنا لا يحققها ولا ينقلها من الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل " 2 لتوضيح ما ينبني على هذه العبارة رغم ما يشوبها من إرباك غير متحقق منه حول وجود الأفكار الكامنة في نفوسنا هل يقصد بها أفكارا فطرية أم أفكارا مكتسبة أم هي خليط من الاثنين حسب نظريته الفلسفية التوفيقية؟

لماذا نرجّح المعرفة البعدية المكتسبة كخبرة تراكمية من العالم الخارجي؟ الجواب كون جميع معارفنا المكتسبة يحدّدها عامل العمر والزمن عند الانسان، لذا يكون معنا كل الأفكار ألمعرفية المجرّدة يقال عنها فطرية تعبير غير صحيح لمعنى غير دقيق فلا يوجد غير معرفة مكتسبة فقط. أما ما هو فطري فهو يشمل كل موروثات تتوزعها الجينيات الموروثة عن الابوين كصفات غريزية وراثية، وكذلك جميع الغرائز الخصائصية التي يمتلكها الانسان بالوراثة فقط.

إذ حتى لو افترضنا دقة أفكار الفطرة في وجودها ألذهني فهي أفكار غير حقيقية مقطوعة منعزلة عن سيرورة واقع الحياة المتّحرك الذي لا تبنيه ولا تساهم فيه أفكار تعود لماض أصابه التغيير الكبير في مرجعية الحاضر له. ومن المتعّذر أن تكون أفكار شخص ما مخزونها بالذاكرة يصبح صالحا تطبيقها على معارف جديدة يفرزها واقع دائب الحركة والتغيير مختلف هو غير مصدر تلك الأفكار التي اكتسبها ألفرد بالخبرة الزمنّية في ظروف هي غير الظروف التي تحكم صيرورة المعارف وانتقالاتها التطورية السريعة. وكل معرفة يكتسبها الذهن ويدّخرها بداخله لا تصبح بالتقادم الزمني عليها صفة المعرفة الفطرية لعدم إمكانية انتقالها من شخص لآخر بالتوريث الولادي. الحقيقة التي نتجاهلها هي أن أفكار الفرد في حال افتراضنا أنها صحيحة بالمطلق فهي تبقى مبتورة في إمكانيتها تغيير سيرورة معارف ميدانها الحقيقي الفاعل هو المجتمع. والحقيقة الثانية أيضا التي يتجاهلها البعض أن استثارة ما تختزنه الذاكرة والذهن من أفكار قبلية أنما يكون بفضل الأفكار المعرفية الجديدة ألمكتسبة من الخارج المحيط الاجتماعي.

الحافز المكتسب بالمعرفة

أن حوافز ما يكتسبه الفرد من معرفة بعديّة مستمّرة بلا انقطاع كونه كائن اجتماعي بالغريزة، معرفة مستمّدة من العالم الخارجي وتجربة الخبرة بالحياة هي وحدها العامل الوحيد الاساسي في تحفيز واستثارة ما كان اكتسبه الإنسان بمرور الزمن والعمر من خبرة تراكمية قيمتها تكون في تجديدها المستمر وليس في تخزينها المتقاطع مع نزعة اكتساب ألمعرفة الجديدة باستمرار.

هذا ألترابط يجعل من وحدة اكتساب المعرفة فعّالية حيوّية ناميّة متطورة باستمرار لا غنى عنه. ويجري التعبير عنها بوحدة الوعي ألمعرفي...ألترابط المعرفي الفاعل الذي أشار له لايبنتيز هو لا يمكننا الحديث عن معرفتين فطرية وأخرى مكتسبة.. بعبارة أكثر دقّة أن ما يعطي الاستعداد الفطري المعرفي عند الإنسان هو الحوافز المستثارة التي يفرضها عليه إحساسات العالم الخارجي في تزوّده بمعارف جديدة مكتسبة. من المهم بهذه المسألة هو أن نكون على بيّنة تامة أن المعرفة الفطرية بل ألأصح الاستعداد الفطري المعرفي لا يمكنه الإفلات من أسر ألتخزين المعرفي بالذهن والذاكرة والانطلاق نحو العالم الخارجي بقواه الذاتية لانتفاء الانسجام المتداخل مع ما يمتلكه ألفرد من معرفة مع ما يمتلكه المجتمع.

ألفرد لا يستطيع العيش بأفكاره الفطرية إذا افترضنا صحّة امتلاكه لها بالتقادم الزمني عليها. في تقاطع معارفه الفطرية مع مصدر المعرفة المكتسبة من مجتمع داخل سيرورة معرفية متطورة متسارعة زمنيا. المعرفة الخارجية للفرد هي نوع من الديناميكية المتحركة غير الثابتة ولا تستطيع المعارف القبلية المخزّنة بالذهن إيقافها أو ألتقاطع معها بما يمنعها من السيرورة الدائمة. ألمعرفة المجتمعية ألخارجية التي تواكب التغييرات إنما تصهر في جريانها المتقدم نحو نشدان مستقبل أفضل في حالة من التنامي المعرفي. ما نريد الوقوف عنده أنه لا قيمة فكرية لمكتسبات معرفية لا تدخل في جدلية لا فكاك منها مع كل ما هو معطى مكتسب من العالم الخارجي والمجتمع المحيط...

الفرق الثاني أن المعارف الفطرية تبقى معارف انفرادية تتغّير في تداخلها ألجدلي مع ألمعرفة ألمكتسبة. أفكار ألمعرفة الفردية تتغيّر في استبدال ألكثير من قناعاتها نتيجة احتدامها مع محيط شاسع يحمل ما لا حصر له من معارف يكون تأثيرها مجتمعة على الفرد أكبر بكثير بما يحمله من معارف لم يكتسبها من سيرورة الحياة التي تسير به ولا تسعفه معارفه من مجاراتها المستمرة نحو الأمام. بمعنى عجز الفرد العيش الدائم بمعارف فطرية، ولا يتأثر بمعارف مكتسبة متغيرة متجدّدة مصدرها المحيط الاجتماعي.

مبدأ السببية المكتسبة

من ألمعلوم جيدا أن قانون السببية الذي يحكم الطبيعة والظواهر والعديد من الاشياء بما لا حصر له من علاقات عديدة تحدث بحياة الإنسان، إنما هو قانون غير فطري بل هو مكتسب بالخبرة ألمعرفية ألتراكمية بالحياة. لكن هوبز أحد فلاسفة عصر النهضة اعتمد التوفيقية في ربط ألسببية على أنها تسليم إيماني يستمّد مشروعيته في مرجعية إسناده الى الإيمان الديني في اللاهوت. في التقائه مع لايبنتيز في مبدئه التوفيقي بين المعرفة الفطرية والمعرفة المكتسبة أنهما الاثنين معا.

ديفيد هيوم كان أنكر الفطرية في تحصيل ألمعرفة معزّزا رؤية جون لوك في إنكاره الفطرة في كل إفصاح يتعّلق في مجال اكتساب المعرفة، وليس على نطاق مورّثات البيولوجيا التي هي فطرية لا مجال لاكتسابها في غير طريق الجينات الوراثية.

هيوم سخر من مبدأ السببية أو العليّة في تنظيم العلاقة بين الأشياء على أساس من سبب ونتيجة لاحقة عليها ناتجة بسببها. ومرجعية هذا ألتحاشي في إنكار هيوم السببية كي لا تقوده ألسببية بالنهاية الإقرار باللاهوت الديني وهو المعروف بنزعته الإلحادية، ووضّح السببية أنها تكرار علائقي يربط بين شيئين أو ظاهريتين تتلازمان بنوع من العلاقة في الاعتقاد الخاطئ أن أحدهما يكون سببا لإنتاج توليدي للآخر ما يعطي الانطباع الزائف أنّه أصبح قانونا سببيا يكتسب صفة العادة البديهية في التسليم به. ولو نحن تصورنا قابلية السببية الى ما لا نهاية له فسوف نضطر التوقف عن علة بلا معلول وموجود لا يسبقه علة وجوده الذي هو الله وهو ما لا يتماشى مع تفكير هيوم الإلحادي.

هوبز مع تلفيقية لايبنتيز

هوبز كان سبق ديفيد هيوم باعتباره السببية قانونا طبيعيا يحكم ظواهر الوجود وعلاقات الموجودات الطبيعية فيما بينها، ولا مجال لإنكار السببية أنها ليست كذلك. وقال أن السببية قانون تعالقي يتسّم بالتراتبية ألتصاعدية في سلسلة لانهائية بين سبب ونتيجة ولا تتوقف إلا حين تصل وجود الله الذي لا تسبقه عليّة ولا سبب ولا حركة. مؤكدا ديناميكية الحركة الدائمية لتي تحكم الطبيعة المخلوقة ولا تسري على خالقها. معتبرا أيضا الله علة تسري علي كل شيء، ولتحقيق مثل هذا اليقين الإيماني علينا مغادرة الفلسفة نحو اللاهوت الديني المنزّل من عند الله.

وبهذا المعنى اعتبر هوبز مؤيدا لايبنتيز أن المعرفة فطرية ومكتسبة في وقت واحد ومتداخلتين بما يعجزنا التشكيك بهذا التعالق الذي يتناسق في مجانسته اللاهوت الديني التي تكون المعرفة فيه ميتافيزيقا الإيمان المطلق دونما التفتيش عن قوانين تحكم الطبيعة الماديّة فقط. مؤكدا على أهمية حركة المادة الأساس الذي تقوم عليه العلاقات التي تربط أشكالها السببية بقدرة خالقها.

الشيء الذي يجب ألا نستغرب منه في المتناقضات الفلسفية التي يقع فيها غالبية الفلاسفة ليس هوبز استثناءا منها، فمثلا في الوقت الذي يعتبر أن المادة لا تمتلك سوى الصفات الفيزيائية، يذهب الى تصنيف صفات المادة الى صفات أولية وأخرى صفات ثانوية، وهذا المصطلح كان بدأه غاليلو ثم من بعده ديكارت، ليعود هوبز بعد إقراره هذا المبدأ الفيزيائي قائلا " الصفات الثانوية ليست سوى حركات فيزيائية تجري في المخ، وهي خيالات ومظاهر ومشاعر " 3 نازعا عنها كل صفة مادية.

فطرية المعرفة

من المعلوم جيدا أن جون لوك وديفيد هيوم وبيرتراند رسل وآخرين غيرهم من فلاسفة أنكروا على الانسان المولود طفلا امتلاكه أفكارا فطرية قبلية من أي نوع معرفي لا في الفطرة التدينية ولا بالفطرة المعرفية أبستمولوجيا.

رفض جون لوك الأفكار الفطرية قائلا " إذا كان الله قد أعطى الناس أيّة أفكارا فطرية فلا بد أن يكون أعطاهم فكرة فطرية عن ذاته لكنه لم يفعل"4، مثار الاستغراب هنا بمقولة لوك هذه أنّه فيلسوف مؤمن بوجود الله وليس ملحدا.

جون لوك حين ضرب مثلا عن أفكار الفطرة الدينية، فهو أراد أن يجعل منها أكثر إمكانية لتعزيز رفض نظرية الفطرة بالولادة على مستوى أرفع من فطرية بعض معارف الابستمولوجيا التي هي معارف مكتسبة من تراكم خبرة تلازم الانسان في جميع مراحله العمرية.

ورغم الاختلاف بين ديكارت بالأفكار الفطرية وجون لوك الذي ينكرها تماما نجدهما يلتقيان معا بالحدس القائم على وضوح الأفكار الذي يجعل من يقينية قبول صحّة بعض الأفكار لا يحتاج الى براهين عقلية تجريبية. فالوضوح الشيئي البديهي لبعض المعارف كاف لمقبولية العقل لها وتسليم الأخذ بها.

الهامش:

1 ، 2 . الفلسفة الحديثة ، د. امل مبروك، ص 107

3. وليم رايت، الفلسفة الحديثة، ت: محمود سيد احمد، ص 84

4. المصدر السابق اعلاه ص 159

 


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس