إشكالية بداية الفلسفة

إشكالية بداية الفلسفة

إشكالية بداية الفلسفة
أحمد زكرد
عندما نريد التعرف على أي مفهوم لابد أن نتقصى جذوره، لعل هذا يدلنا على المعرفة الحقة بما نريد أن نعرف، الأمر الذي دفعنا إلى التساؤل حول أصل بداية الفلسفة، باعتبارها إشكالية اختلف حولها الفلاسفة  ومؤرخو الفلسفة ؛ فقد ذهب جمهور من مؤرخي الفلسفة إلى اعتبار الفلسفة معجزة إغريقية (حدث ثقافي لم يكن له سبق ولا تمهيد) وهذا الأمر يتعارض أصلا مع المنطق اليوناني ؛ ذلك أنه لا يوجد شيء من لا شيء، وعندما نعود إلى سؤال الأصل ونطرحه مرة أخرى على هذا التيار، غير  أنه لا يجد أسباب  مقنعة ، فيعطي تفسير لا عقلاني لنشأة العقل؛ فمثلا تفسير (إرنست رينان ) يقول في كتابه (ذكريات الطفولة والشباب) أنه لم يكن يؤمن بالمعجزات ولكن بعد زيارته لأثينا وما رأى فيها، استقر عنده الإيمان بالمعجزة اليونانية التي لم تخلق إلا مرة واحدة ولن يشهد التاريخ لها مثيلا مرة أخرى وسيبقى مفعولها ساريا إلى الأبد، ويقول: "كنت أعلم جيدا أن اليونانيين أبدعوا العلم والفن والفلسفة والحضارة وعندما رأيت الأكروبوليس وكأني تلقيت الوحي الإلهي وكأني أستشعر الإنجيل لأول مرة، فبدا لي العالم بأسره عالما بربريا أعجم "(1). هذا الأمر هو ما اصبح يعرف بالتمركز العرقي والثقا (Ethnocentrisme) ؛ يعنى ممارسة العنصرية الفكرية على جميع حضارات الأرض، وحصر وتملك مَلَكة العقل في الإنسان الأوروبي فقط، فلا عقل إلا العقل الأوروبي، وبداية العقل هو العقل اليوناني الأوروبي أيضاً. وبمقتضى هذا التمركز نشأ اعتقاد باطل مفاده أن أصل أي حقل هو نتاج للجنس الآري والأوربي على الخصوص وبهذا المنطق الذي تخيم عليه البارا نويا (جنون العظمة) فكل العلوم والأدب والفنون والفلسفة ...  يبدأ من العبقرية الإغريقية وينتهي بأوروبا. أما باقي الشعوب فليست حسب تعبير (روزنفيلد شبنجر) إلا حضارات سحرية وأسطورية (2) وعلى نفس المنوال، وبنفس الروح الاستعلائية والمتعالية يضيف (سار جون بيرت) في تبنيه لنظرية المعجزة اليونانية، في كتابه (فجر الفلسفة اليونانية): " أن البحث فيما إذا كانت الافكار الفلسفية عند هذا الشعب أو ذاك من الشعوب الشرقية قد وصلت إلى اليونان أم لا، هو مجرد مضيعة للوقت من الناحية العملية، مالم نكن على يقين من البداية أن الشعب الذي نتحدث عنه كانت لديه أصلا فلسفة، والقول أن للمصريين فلسفة يمكن نقلها لم يثبت قط «.
هكذا دأب الفلاسفة ومؤرخو الفلسفة إلى البدء بالعصر الإغريقي وخاصة القرن السادس قبل الميلاد، أرجعوا ذلك إلى التفسير العرقي، العرق الآري مقابل القرق السامي هو العرق الشرقي الذي أبدع فقط في الدين وفي الشعر ولا علاقة له بالفلسفة، لكن العلم والفلسفة هي منتج أوربي محض، وهذا ما أكده «رسل» بالقول "إن العلم والفلسفة اختراعان يونانيان" (3). كما عبر عن ذلك رينان وبعض المستشرقين، وحتى بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين تبنوا هذه النظرية وسعوا في سبيلها من أجل إثبات رقيهم وتفوقهم على الأمم الأخرى ولا يزال كثيرون إلى يومنا هذا يرددون هذه الأقوال ويتبجحون بهذه الآراء. علاوة على ذلك فالأمر لم يقتصر على المؤرخ والفيلسوف الأوربي فقط، فقد انعكست على الفكر العربي الإسلامي، فهذا (عبد الرحمن بدوي) مثلا يقول "إننا لا نزال عند رأينا أن الفلسفة اليونانية لم تنشأ عن فلسفة شرقية مزعومة، إن بداية الفلسفة عند اليونان في فجر القرن السادس قبل الميلاد (4)".
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاحيه: ما مدى مشروعية هذا الادعاء؟ أي مشروعية لحظة بدء الفكر الفلسفي مع اليونان وفي القرن السادس قبل الميلاد؟
فمن نافلة القول اعتبار شيء ينتج من لا شيء أو بتعبير فؤاد زكريا: "إن الكلام عن معجزة يونانية ليس من العلم في شيء، فالقول إن اليونانيين قد أبدعوا فجأة، ودون سوابق أو مؤثرات خارجية، حضارة عبقرية في مختلف الميادين، هو قول يتنافى مع المبادئ العلمية التي تؤكد اتصال الحضارات، وتأثير بعضها على بعض، على حين أن لفظ المعجزة يبدو في ظاهره تفسير لظاهرة الانبثاق المفاجئ للحضارة اليونانية، فإنه في واقع الأمر ليس تفسيرا لأي شيء، بل تعبير غير مباشر عن العجز في التفسير". (5) إذن فالفلسفة ليست خاصة لأمة أو عرق أو حضارة وإنما يتساوى فيها جميع البشر باعتبار الفلسفة سجلت مع بداية الوعي الإنساني أي مع بداية الاندهاش الإنساني أمام الوجود، لكن تختلف الظروف و الشروط التي ساهمت في بلورة الفلسفة كممارسة عقلانية، والقول بتفرد عرق أو حضارة بها، إنما هو من قبيل التعصب والاستعلاء على الواقع والحقيقة الموضوعية. فليس الأهم هو الدم الذي يجري في عروق الشخص، بينما الأهم هو كيف تخمر الفكر في ذهنه.
يرفض "مارتن برنال" في كتابه "أثينا السوداء" النظرية السائدة اليوم بخصوص أصول الحضارة الإغريقية القديمة والتي ترى أن مؤسسيها كانوا مستوطنون "آريون" نزحوا إلي اليونان من أوساط أوروبا. وأطلق "برنال" على هذه النظرية "النموذج الأري"، وظهرت هذه النظرية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، ولقت قبولا متزايدا في القرن التاسع عشر حتى باتت الآن النظرية السائدة. (6
عند العودة والاستعادة لهذا الماضي الذي فصلنا عنه سمك عميق من الزمن، في لحظة تقصي للحقائق، نقف أولا أن هناك حضارات قبل اليونان: فنجد أن بداية الفلسفة تعود الى الهند (الفيد) و (الاوبانيشاد) التي لا يمكن ان نحدد بدقة ظهورها من الناحية الزمنية، لكن يمكن ان تعود الى 1500 قبل الميلاد. والفلسفة الصينية التي تنقسم لفلسفتين الأولى الكونفوشيوسية تعود الى الأثر الذي تركه كونفوشيوس (551-479 ق.م)، والثانية الطاوية مؤسسها (لا وتسي) والمعروف باسم تاو تي كنغ ما بين القرن الخامس والرابع ق.م. وتعد الحضارة المصرية من أقدم الحضارات على وجه الأرض استمرت ما بين (2900 ق.م الى حدود 332ق.م)، أما في بلاد فارس فقد أرسي زرادشت ديانة أهورا مزدا (الإله العظيم) التوحيدي، ظهرت قبل القرن السادس قبل الميلاد. وما بين النهرين (ما بين دجلة والفرات) قامت الممالك الكبرى؛ ممالك كل من السومريين والآشوريين والبابليين، وتعتبر هذه موطن الملاحم الكبرى ...  (7) وبهذا فهناك الكثير من الثقافات العريقة جدا سبقت زمانيا الحضارة الإغريقية، وبالتالي لا يمكن لليونان إلا أن ينهلوا منها، وذلك راجع إلى ارتحال بعض الفلاسفة إلى بلدان الشرق الأدنى وأقاموا في ربوعها، وشاهدوا بأنفسهم إنجازاتها المذهلة، وعادوا إلى بلادهم وقد نهلوا من علومها ومعارفها. ومن بينهم طاليس (ت547 ق.م.) الذي كان قد ولد في مدينة ملطية، ويقال إنه من أبوين سوريين (فينيقيين)، وهو من أوائل العلماء الإغريق الذين ارتحلوا إلى بلدان الشرق الأدنى، حيث تعلم في مصر الرياضيات والهندسة، وأخذ عن البابليين علم الفلك، حتى أنه تنبأ بكسوف الشمس يوم 28 مايو من عام 585 ق.م، بناءا على المعطيات الفلكية التي عرفها من علماء بلاد الرافدين. وقد عاد طاليس إلى بلاده حاملاً معه الكثير من علوم الشرق وشكل حلقة اتصال في انتقال تراث هذا الشرق إلى بلاد اليونان. فطاليس  قال لفيثاغورس: "إذا أردت أن تتعلم الرياضيات حقا وتصير حكيما مثلي فعليك بالذهاب إلى مصر لأنني منها تعلمت الرياضيات " (8)
 
وفعلا أخد فيتاغورس بنصيحة طاليس ورحل الى مصر وعاش بها اثني عشر عاما، وبعدها سافر الى بابل وبقي فيها اثني عشر عاما أيضا، ومن البابليين تعلم العلوم الرياضية، لانهم كانوا متقدمين في التجريد الحسابي كجدول الضرب، وجداول التربيع والتكعيب وجداول عكسية الجذور التربيعية والتكعيبية والكسور والأوزان والمقاييس، وعلم الجبر والمعادلات الأولى والثانية والثالثة، هذه الثقافة البابلية والمصرية التي تعلمها فيثاغورس، كانت حجر الأساس لهذه العلوم في اليونان . (9)  وكذلك الشأن بالنسبة للفيلسوف والمؤرخ (دوجين اللايرتي) قد لاحظ في فترة مبكرة من ظهور تاريخ الفلسفة، أنه غير صحيح الاعتقاد السائد لدى اليونان بأن طاليس كان أول من أرجع الكون إلى الأصل المائي، بل إن هذا التفسير يرجع الى الأصول الشرقية القديمة، حيث هناك أسطورة بابلية ترجع أكثر من ألفين سنة ق.م أي قبل 14 قرن قبل مجيء طاليس ... في تأريخه (دوجين) لحياة الفلاسفة ومؤلفاتهم يتحدث عن وجود من يقول أن البرابرة هم من بدأ في دراسة الفلسفة سواء الفرس أو البابليين أو الهنود.  ويؤكد هذا الطرح (جورج جيمس) أنّ الفلسفة اليونانية هي بالأساس فلسفة مصرية سرقها اليونانيون الذين لم يكونوا يونانيين بالمعنى العِرقي للكلمة، في إشارة منه إلى أنّ أثينا لم تنجب سوى فيلسوفين اثنين؛ هما سقراط وأفلاطون، أما سائرُ الفلاسفة المُنتسبين إلى بلاد اليونان فهم ليسوا يونانيين، وإنّما ذوو أصول مصرية وسورية. (10)
هكذا إذن و من خلال هذا التقصي التاريخي للحقيقة يظهر بالجلي أن الفلسفة ليست إبداع عرق محدد، لأنه  و بتعبير جيل دولوز " حتى لو كانت الفلسفة إغريقية فقد كان الفلاسفة أجانب"(11) ولابد أن الفكر اليوناني استفاد من علوم الحضارات الأخرى، فالاكتشافات الحديثة في الأركيولوجيا والأنثروبولوجيا قدمت أدلة كثيرة على الصلة الوثيقة بين الفكر اليوناني والفكر الشرقي، في نهاية هذا المطاف البانورامي حول محاولة نزع الاعتراف من الغربي المتعصب إلى دمه و عرقه، فالفلسفة لست حكرا على أحد، نشأة وفعلاً، فهي ليست معجزة؛ لأن مفهوم المعجزة غير فلسفي أصلاً، ووصف الفلسفة بالمعجزة أشبه بصنع شيء من لا شيء، الفلسفة أصلاً عقلانية، كيف نصفها بصفة لا عقلانية هي "المعجزة"؟  فالفلسفة اذن هي نتاج تضافر مجموعة من الشروط والأسباب منها ما هو ثقافي؛ وأتحدث هنا على المثاقفة أي التلاقح والتبادل الفكري والمعرفي بين الحضارات، وما هو تاريخي وسياسي واقتصادي ...
إن الفلسفة اليونانية لم تأتي نتيجة فراغ، بل جاءت كحوصلة لإسهامات العديد من الشعوب ولا ينفرد بها شعب معين، فالفلسفة اليونانية ما هي إلا محصلة أخذ وتنمية وتطوير لما يسمى بالحكمة الشرقية القديمة؛ أي أن اليونانيين القدماء قد أخذوا بذور المعرفة من هذه الشعوب الشرقية ثم نموها وطوروها.

__________________________
المصادر و المراجع :

1. (Renan, souvenirs d’enfance et de jeunesse, France, Edition Atlas, 1999, p68.
2
بدوي، روح الحضارة العربية،
3.
حكمة الغرب، ج 1، برتراند راسل
4.
عبد‌ الرحمان‌ بدوي، ‌ربيع الفكر اليوناني، ‌مكتبة‌ النهضة‌ المصرية،‌ القاهرة
5.
د. فؤاد زكريا: التفكير العلمي.
6.
أثينة السوداء (الجزء الاول .. تلفيق بلاد الاغريق) - مارتن برنال
7.
اطلس الفلسفة ، بيتر بوركارد ، صفحة 14 و 15 و 16
8.
المصادر الشرقية للفلسفة اليونانية، مصطفى النشار
9.
ويل ديورانت، قصة الحضارة، المجلد الأول
10.
جورج جيمس، التراث المسروق ... الفلسفة اليونانية فلسفة مصرية مسروقة، ترجمة شوقي جلال، المجلس الأعلى للثقافة (1996م).
جورج الطرابشي يقول:" حيث أن أكثر الفلاسفة والعلماء الموصوفين بأنهم يونانيون لم يكونوا كذلك، كما أن أثينا نفسها لم تنجب سوى فيلسوفين اثنين هما سقراط وأفلاطون، ومعظم الفلاسفة الإثينيين كانوا على حد تعبير نيتشه غرباء)". مصائر الفلسفة بين المسيحية و الإسلام، جورج الطرابشي، الطبعة الأولى 1998، دار الساقي، ص: 16  
11.
ما الفلسفة؟ دولوز و كتاري ، صفحة 101


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)