شذرات فلسفية مداخلة وحوار نقدي

شذرات فلسفية مداخلة وحوار نقدي
                                                        12 شتنبر 2019


علي محمد اليوسف /الموصل




شذرة أولى: دي سوسير واللغة
"رغم أن وجود الأشياء يسبق فكرتنا عنها إلا أنه يمكن القول بأن تصوراتنا تخلق الأشياء" دي سوسير.. (1)
هذه العبارة أوقعتني بتخطئتها عندما أخذتها بالتفسير الحرفي للمعنى ودلالتها الملتبسة تأويلا لغويا، بالصيغة المثبتة أمامنا أعلاه بين مزدوجتين، وهي صيغة تشي بمغالطة لغوية تعبيرية تذهب إلى إمكانية الفكر أن يخلق وجود الأشياء بعد أن لم تكن موجودة في الواقع العياني المدرك، وكنت ناقشت العبارة في معرض مقالة منشورة لي بعنوان اللغة والأشياء..
الحقيقة أني وجدت العبارة الآن بعد مصادفة قراءتي لها ثانية أنها مقولة صحيحة في حال خرجنا من فخ وشراك أسر تعبير اللغة الحرفي في إدراك المعنى، وفسّرناها على وجه الدقة أن سوسير لم يكن يقصد أن الأفكار تخلق وقائع الأشياء في وجودها من لا شيء مادي يكون موضوعا للفكر، في نفس وقت سوسير يقّر في عبارته على أن الواقع في تكويناته المتنوعة يسبق أفكارنا وتصوراتنا عن موجودات الأشياء فيه.. والحقيقة الأهم برأينا هي أن الفكر وتصوراتنا الذهنية المجردة المعبّرة عن مدركاتنا لعالم الأشياء ليست جديرة بأن تخلق الموجودات والأشياء من عدم وجودي سابق عليها.. وهذه المعلومة الجوهرية المطروقة جدا في أدبيات الفلسفة والمعرفة.. لم تكن بتقديري غائبة عن تفكير سوسير في عبارته تلك، فالواقع المادي المستقل للموجودات هو الحافز والانعكاس الحسّي المباشر الفكري والتصوري الأساس لإدراك وجود الأشياء في الواقع.. والفكر هو مجمل تصوراتنا البعدية عن شيء موجود متعيّن واقعيا سابقا عليه في عالم الموجودات والأشياء قبليا.. ولو لم تكن تصوراتنا عن الموجودات هي من نوع الإدراك القصدي المعرفي للأشياء في وجوب وضرورة معرفتنا أهميتها وأسباب وجودها وعلاقاتها السببية بغيرها من الموجودات لما كان للموجودات تلك الأهمية التي تسترعي منا وجوب وضرورة الاهتمام بها ودراستها.. رغم الإقرار بحقيقة أن الاشياء والموجودات هي متعينات أنطولوجية سابقة على معرفتها وإدراكها من قبلنا، وسابقة على تشكيل تصوراتنا الذهنية والفكرية والتعبيرية اللغوية المجردة عنها.. وموجودات العالم الخارجي مستقلة في وجودها المتعيّن كمواضيع مؤلفة من شكل ومضمون أو من ماهية وصفات، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه فيها.. فالأشياء في وجودها المادي هي التي تبعث وتحرك أفكارنا بها، وليس إدراكاتنا لها هي التي تحدد وجودها المستقل السابق عن مدركاتنا..
كيف تلتقي المادية مع المثالية في اعتمادهما ركيزتي الأفكار ومرجعية العقل؟؟
وبهذا الفهم الذي مررنا به سريعا حول علاقة الوجود بالفكر.. نجد الأفكار المجردة المتعالقة مع الموجودات في الواقع جدليا تكون مرجعية العقل الإدراكية قسمة مشتركة تجمع بين المفهومين المادي والمثالي رغم فوارق الاختلاف الصارخ بينهما في المنهج وفي تفاصيل آلية الإدراكات وعلاقة الفكر بالواقع ومسائل خلافية جوهرية عديدة أخرى غيرها تجعل من فرز الفهم المادي عن الفهم المثالي في إدراك الوجود وتفسير العالم أكثر من ضرورة موجبة.... وليس هنا مجال تفصيلها، ويصبح أمامنا فهم كل من بيركلي وهيوم ولوك المثالي لعلاقة الفكر بالواقع لا يمتلك كل الخطأ في تقاطعه مع الفهم المادي حين تكون وسيلة الإدراك العقلي لكليهما المادي والمثالي لا تخرج عن أننا لا نمتلك من العالم الخارجي غير تصوراتنا الذهنية وتمثلاتنا الإدراكية الصورية عنه.. وعن طريق امتلاك العقل لهذه التصورات الذهنية المجردة يكون فهمنا لموجودات العالم.. وبغير هذه الآلية الادراكية لا نتوفر على بديل يتيح لنا إدراك الواقع وموجودات الأشياء في كلا المنهجين المادي والمثالي على السواء..
بمعنى المادة في وجودها المستقل أو الموضوعات لا يمكن إدراكها بغير تصورات الفكر الصادرة عن الذهن بالدماغ، وتمييز الفكر المادي عن الفكر والتفسير المثالي لا يحدده وجود المادة المستقل في عالم الأشياء بل تحدده التصورات المنهجية العقلية في فهم الاشياء بما يضفيه العقل عليها من مقولات تجعل من الفكر مثاليا أو ماديا حسب تناول ومنهجية التفكير المفروز عن عالم الموجودات الواقعي والمتعالق بها سواء أكان مثاليا أم ماديا ...والمنهج في كلا التفسيرين المادي والمثالي المتباينين محكومين بإرادة مسّبقة لا يحددها وجود الأشياء بل يحدد اختلافهما منهج التفكير وليس مدركات المواضيع الحسّية.. بمعنى أن الموضوع الذي ينفرز عنه المنهج في التفكير هو موضوع واحد غير مختلف في الإدراك لكنه مختلف تماما في نظرية الإدراك المنهجي المعبّر عنه باللغة.. موضوع الإدراك لا ينفرز عن وجوده التفريق المادي عن المثالي، بل ما يحدد التفريق بينهما هو فكر التنظير المنهجي في تناوله... الحقيقة المشتركة التي تجمع التفكير المادي والمثالي أن كليهما يعالجان الواقع بتصورات الذهن التجريدية الفكرية ومرجعية الاحتكام للعقل باختلاف نوعي جوهري في التفاصيل المنهجية النظرية الخلافية على أمور كثيرة يحددها المنهج في تفسير المدركات.. ومن غير هذه الإدراكات التصورية الفكرية واللغوية في التعبير عن الموجودات لا يبقى معنا أهمية استدلال معرفي قصدي يتيح لنا معرفة الأشياء والموجودات في واقعها، وفي أهمية معرفتنا الكاملة لها من زوايا رصد عديدة لا حصر لها... كما لا يبقى معنا معنى لوجود الأشياء باستقلالية سابقة على إدراكاتنا وتصوراتنا في عدم إدراك عقولنا لها.. الواقع لا يفرض المنهج على الفكر بل العكس المنهج هو الذي يحدد إدراك الواقع ماديا أم مثاليا..
وهنا نضطر الأخذ بحقيقة أن الفهم المثالي للوجود عند أبرز فلاسفته التقليديين يقوم على تجريب حسّي عقلي صارم ينكر الوجود الخارجي والمادة في عجز العقل التجريبي التعبير عنهما بتصورات العقل الذهنية الفكرية واللغوية، وما يدركه العقل يكون موجودا وما لا يدركه لا وجود له على حد تعبيرهم.. ونجد من ألمهم العودة إلى الأصل بحقيقة التقاء الفكرين المادي والمثالي أنّه ليس هناك فكرا ولا تعبيرا لغويا من غير الإقرار المسّبق لوجود الاشياء في استقلالية عن تصوراتنا وعن ادراكاتنا أو عدم إدراكنا لتلك الموجودات.. فلا فرق بين الإدراك من عدمه في تزامنه مع حقيقة أن الموجودات لها وجود مستقل عنا.. وجود الأشياء في عالمنا لا يقوم بناء على رغبة وأهمية وضرورة إدراكنا لها، بل في أهمية الإقرار أننا لا نمتلك أية قدرة على خلق الاشياء وإيجادها من لا شيء مادي بالفكر الذهني المجرد فقط.... فهي موجودات واقعية من غير أهمية أدراكنا لها ومعرفتنا بها أو في تناولنا لها من عدمه.. الأفكار لا تمتلك قدرة خلق الموجودات بل الموجودات هي التي تخلق الافكار والتصورات والادراكات عنها..
شذرة ثانية: اللغة خاصية النوع الإنساني
"دراسة اللغة باعتبارها نسقا للعلامات كانت فتحا جديدا للنوع الإنساني" روزاليند كوارد (2) نجد قبل دخولنا في تفسير هذه العبارة إلى اننا ننطلق من حقيقة أن الانسان كائن لغوي قبل أي اقرار أنثروبولوجي يعتبر الإنسان اللغوي ملحقا بعديا يأتي بعد إقرار حقيقته الأنثروبولوجية المؤنسنة بالنوع كوجود تاريخي، وحقيقة الإنسان الأنثروبولوجية يحددها اختراع الانسان اللغة قبل صنع تاريخه..
ومن المهم الإقرار بالحقيقة الأنثروبولوجية التي تعتبر اختراع اللغة خاصية نوعية في الإنسان منذ وجوده البدائي في ملازمة محاولته ورغبته اختراع وسيلة التعبير التواصلي بغيره في أنسنة حياته بالفطرة الاجتماعية مع نوعه.. أن أول ما عرفه الانسان كما تذهب له الانثروبولوجيا وتؤكده الفلسفة البنيوية الحديثة هو الكلام الشفاهي الذي يعتبره البنيويون أصل الكتابة ومن بعدها كانت اللغة بأبجدية الحروف والمقاطع الصوتية.. والكلام سابق على اختراعهما كليهما الكتابة واللغة..
ولم يكن الكلام قبل اختراع الكتابة هو لغة تداولية بالمعنى المعروف بأن اللغة هي مجموع الكلام والكتابة معا في رمزية الحروف والمقاطع المنطوقة الصائتة والمكتوبة.. وكان الكلام الشفاهي قبل اختراع اللغة هو إشارات رمزية وحركات جسدية ترافقها هذاءات صوتية تواصلية غير مفهومة في مصاحبتها إيماءات حركية تحاول تقريب توصيل المعنى للآخر، وقد تزامن الكلام الصوتي مع البدايات التصويرية للكتابة في أشكال لا ترقى الى مستوى الكتابة المعروفة التي قوامها الحروف والمقاطع بدلالاتها الصوتية التواصلية... قبلها بمراحل تاريخية طويلة جدا تصل ملايين السنين وجدت الرسومات البدائية المحفورة على جدران الكهوف في العصور الحجرية الأولى، وهذه النقوشات الصورية البسيطة لا يمكن اعتبارها كتابة رمزية تمتلك أحرفا ومقاطع لها اصوات معبرّة عنها تحقق هدفا تواصليا... وإنما كانت مرموزات صورية صامتة لمعنى تواصلي هو غير اللغة في تواصل الانسان مع غيره فيما يخص الصيد مثلا..
كما وصل حال تطور اللغة في نهايات عصر الزراعة سبعة الاف سنة قبل الميلاد، وبداية تشكيل المدن في العصر النحاسي أو البرونزي الأول ستة الاف الى خمسة الاف سنة قبل الميلاد جاء ذلك في اسبقية اختراع أبجدية الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين حوالي ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد لتعقبها بالتزامن اللغة الهيروغليفية الفرعونية في مصر الفين وخمسمائة قبل الميلاد وربما كانت السنسكريتية لاحقة لكليهما أو مزامنة لظهورها..
والمسمارية والهيروغليفية تعتبران لغتان تجمعان كتابة الحرف والمقطع على شكل صورة رمزية صامتة - صائتة تعبّر عن معنى شيء وتعطي دلالتها الرمزية باقترانها بصوت لها حتى مع ملازمة الدلالة الرمزية والاشارية للصورة المقطعية المقترنة مع إيماءة حركية جسدية أو دلالة عن شيء.. وبقيت تلك الكتابة على أنها لغة تواصل تداولي تفي بالغرض من وجود اللغة في حياة الانسان وأهميتها في تلك العصور وما تلاها أي قبل اختراع الانسان أبجدية الكتابة واللغة بمفهومها المتطور الحديث..
أذن اللغة منذ بدايات تكوّنها وتطورها وقبل أختراعها بشكلها الابجدي الحديث لم تأخذ صفة الفتح الجديد للنوع الانساني حصرا مع بزوغ فجر الدراسات الالسنية واللغوية في بدايات القرن العشرين, بمعنى بقي منجز أنسنة اللغة النوعي تحصيل حاصل التطور الانثروبولوجي للإنسان في بناء الحضارة، ولا تضيف فتوحات الدراسات اللغوية الحديثة آفاقا معرفية إنسانية تتعالق باللغة لم يكن تطور اللغة عبر التاريخ يعرف بعضها متحققة في حياة الإنسان بمراحله...
وهنا تظهر أمامنا حقيقة أن تطور اللغة هو سابق على تطور الإنسان أنثروبولوجيا ...بمعنى أيضا أننا لا نضيف جديدا مخترعا أو مكتشفا لغويا وصلته الدراسات اللغوية الحديثة بعد أن اصبحت اللغة نسقا علاماتيا أضفى على الانسان بعدا آخر جعلت من وجوده الانثروبولوجي خاصية نوعية جديدة متقدمة لتوكيد خاصية إضافية أعمق مكتسبة فيه لم يكن الانسان يعرفها ويعيشها في بعضها على الاقل ... مسألة توكيد الوجود النوعي للإنسان في تطور اللغة تحصيل حاصل تطوره اللغوي – الانثروبولوجي، وهو نفسه يمنحنا الإقرار بحقيقة أن تطور اللغة في النسق العلاماتي الجديد المكتشف بالدراسات الانسانية الحديثة على أنه فتح آفاقا أمام الانسان كنوع في لغة يحتازها الانسان دون غيره من الكائنات.. وتطور اللغة النوعي في نسق علاماتي جديد تقوم عليه الدراسات الألسنية الحديثة والمعاصرة تؤكد خاصية الانسان النوعية أنثروبولوجيا التي هي خاصية اختراع القدرات النوعية في اللغة..
في جميع مراحل التاريخ الانثروبولوجي للإنسان لم تكن اللغة غير لغة إنسانوية مؤنسنة بنوع الإنسان ككائن تنم عن اقتدار فريد متطور خلاّق دائما يتسّم به الانسان كموجود نوعي وحده منفردا..  الشيء المذهل حقا في اللغة أن الانسان أخترع مئات الالوف من اللغات واللهجات المحلية وأزيد من ذلك بتنوع وثراء يغطي كافة دول العالم اليوم في توكيد أن الانسان كائن نوعي باللغة وليس نوعيا في خروجه منها أذا صح التعبير..
شذرة ثالثة: الجنس والصوفية
يذهب الفيلسوف الفرنسي جورج بتاي إلى أن لغة إشباع الإيروس الجنسي كفعالية بيولوجية غريزية تلتقي بلغة التجربة الصوفية على أنهما فيضان لا تستوعبهما اللغة، ويجدر بنا التنبيه الى أن بتاي جمع نقيضين لا يجتمعان ليس على مستوى تعبير حميمية الجسد البايولوجية الحسيّة في تجربة الجنس، وفي إعدام هذه الحميمية للجسد في التجربة الصوفية.. وإنما يكون فيض الفعاليتين وعجز اللغة استيعابهما في التعبير عنهما إنما يكون على مستوى التجريد اللغوي الذي لا يجمع بينهما لأنه غير متحقق في إحداهما ولا في كليهما معا.. التجريد في اللغة يكون في العجز الإدراكي الحسي للتعبير عن واقعية الأشياء المبهرة مثلا نحن لا نستطيع التعبير التجريدي الامين حين نلاحظ تلاطم موجات البحر واقترابها من الحافة وتلاشيها بين ذرات الرمال.. كذلك نعجز عن وصف حفيف الشجر وتغريد الطيور في غابة أو بستان، ولا التعبير عن آلام إنسان أمامنا.. بالحقيقة هناك أمثلة عديدة لا حصر لها في حياتنا تعجز اللغة استيعابها في التعبير.. لكنها ليست فيضا لا يحده الجسد..
العلاقة الجنسية الحميمة بين الرجل والمرأة تجربة بيولوجية غريزية تلتقي في الاستعصاء التعبيري اللغوي مع عجز واستعصاء لغة التجربة الصوفية في التعبير لكلتيهما على أنهما فيضان من فعالية الاشباع البيولوجي النوعية لا تستوعبهما اللغة.. وهي عبارة تحمل من الدلالة والعمق على لسان بتاي ما يوقف التوضيح لها وتفسيرها دونما توّخي حذر حدود الاخلال بصياغتها اللغوية الفريدة حقا في محاولتنا توضيحها..
بدءا يبدو التناقض في جمع نقيضين على مستوى بيولوجيا الجسد ومستوى تعبير اللغة لا يجتمعان في استحالة حقيقية.. فهي مسألة تحتاج تدعيم ومقبولية أذا أقررنا أمكانية الاحاطة بهما كتجربتين متباينتين في التعبير عنهما لغويا، ولا حاجة الى التذكير بأن بتاي الفيلسوف يعرف جيدا أبعاد هذا التناقض في حال محاولة جمعهما على مستوى بيولوجيا الجسد وعلى مستوى عجز اللغة التعبير عنهما كفعاليتين للجسد خارج المعطى الحسّي، بين لغة الجسد الحسيّة الإيروسية بامتياز مطلق مع أفتراق لغة الجسد الروحية الصوفية المّحلقة بأطلاق لا محدود عنها، فتعبير تجربة الفعالية الايروسية عن نفسها بالجسد حسيّا هي فعالية بيولوجية غريزية تنشد الاشباع لها، لذا فهي متقاطعة تماما عن اللقاء مع التجربة الصوفية التي تتسم بالتعالي الوجداني العاطفي الذي يعلو فوق لغة الجسد الحسّية وكل ما له صلة بالواقع المادي والاحساسات معها، والفعالية الجنسية الحميمة هي عملية إشباع شخصاني غريزي جسدي تحت وصاية العقل وحضور الحواس ومنظومة الجهاز العصبي المرتبط بهما. في حين نجد التجربة الصوفية تحررا تاما وخروجا على جميع هذه المواضعات الحسّية التي تحيط تجربة الجسد الحسّية في إشباعها أيروس الجنس الغريزية التي تتصف بها العلاقة الجنسية الحميمة.. فلا وجود لحضور عقل في تجربة التصوف ولا جسد حسّي ينشد اللذة ولا ادراك حواس ترتبط بمنظومة الجهاز العصبي.. وكل هذا التمايز لا يلزم المشابهة له في التجربة الإيروسية مطلقا.. وإن كانت لغة الجسد غير الحسي في الصوفية تلتقي لغة الجسد الحسية كلاهما صمتا لا يمكننا التعبير عنه ولا بمقدور اللغة استيعابه..
جورج بتاي جمع بين الفعاليتين الإيروسية الجنسية والتجربة الصوفية ليس على مستوى فعالية الجسد كنوع بيولوجي بل على صعيد أنهما فيضان لا تستوعبهما اللغة في التعبير عنهما كتجربتين.. وهو تعبير فلسفي غاية في جمال وعمق العبارة الموحية بكوامن تأويلات دفينة لا تحد، العلاقة الإيروسية الحميمة في لغة الجسد وتعبيراته البيولوجية تكون فعالية تحت وصاية العقل ومنظومة الجهاز العصبي في تحقيق متعة ولذة الاشباع الغريزي للجسد وهي حتما تجربة يلازمها عجز واستعصاء لغوي لا يختلف كثيرا عن حالة وصف إشباع الغريزة في أدراكات العقل القصدية  الثلاث الاشباع الجنسي واشباع الجوع واشباع العطش فهي جميعها من نوع الإشباعات الغريزية عند الانسان التي لا يستوعبها تعبير اللغة... بخلاف العملية الجنسية في الاشباع حين تكون اللغة في استعصائها التعبير في مرحلة متأخرة من قدرات التعبير غير الممكن عن التجربة الصوفية... في حميمية الفعالية الجنسية تنعدم القدرة اللغوية التعبيرية الاستيعابية بعفوية تذيب معها امكانية مرافقة ومصاحبة اللغة لها بعفوية خارج سيطرة العقل عليها.. عكس ذلك انعدام اللغة الاستيعابية قصديا في تجربة التصوف وتعجيزها المقصود سلفا من امكانية التعبير عنها تواصليا باللغة، هنا في تجربة التصوف لا يكون عجز وانحلال اللغة عفويا غير مسيطر عليه كما في ممارسة تجربة حميمية الجنس.. بل في التجربة الصوفية يجري تغييب اللغة عن عمد في إعدام فرص اللغة التعبير عنها..
ولو نحن عدنا الى عقد مقارنة بين عملية إشباع غريزة الرغبة الجنسية مع إشباع تجربة التصوف الروحية المتعالية لوجدناهما يلتقيان كفيضين لا تستوعبهما اللغة ولا تحدّهما أيضا.. فيض حسّي إشباعي جنسي وفيض غير حسّي روحاني صوفي متعال على بايولوجيا الجسد ومتعال أيضا على كل ارتباطات الجسد في انشداده الى عالم الواقع والشعور.. من عواطف وانفعالات النفس الحسّية الدنيوية الأمّارة بالسوء..
عجز اللغة في تجربة العلاقة الحميمية الجنسية على أنها فيض من الفعالية الجسدية غير مسيطر عليها رغم أن العقل ومنظومة الجهاز العصبي تشرف في وصايتها عليها.. فالجسد في بعض فعالياته البيولوجية شديدة التعقيد تكون لغة التعبير عنها أو وصفها غائبة تماما ومعّطلة قصديا أو بدون قصد، فاللغة التعبيرية عند الصوفي مقصود تعطيلها لذاتها كوسيلة توصيل للآخر وفي أهمية ووجوب تجاوزها كي لا تفسد التجربة الروحية بالمحسوس من التعبير، وتكون لغة التعبير عفوية في الاستعصاء التعبيري غير مقصود تجاوزها في التجربة الجنسية... وتكون فعالية الجسد الحسية لا تحتاج لغة التعبير عنها التي تحدّها حسّيا كتجربة.. وتكون اللغة في حالة انحلال عفوي غير مقصود لذاته في التعبير عنه..
فاللغة غالبا ما تكون تعبيرات تحدّ حرية الجسد حتى عندما يقوم بإيحاءات حركية سيميائية رمزية خارج متداول اللغة التواصلي يستقبلها المتلقي ويفهم دلالاتها.. بعيدا عن لغة التوصيل المسموعة الصوتية المقترنة ببايولوجيا الجسد خارج فعالية إيروسية الجنس..
للجسد أكثر من لغة تعبير وأكثر من فعالية تلزمه عدم الحاجة الى مصاحبة وتلازم تعبير اللغة التداولية الصوتية لتلك الفعاليات العديدة... ونجد ذلك واضحا كما في أبرز وأهم مثال هو انكفاء وعجز حضور اللغة في تفسير معنى التجربة الصوفية وكيف حدثت وماذا تبغي تحقيقه.. بل في تجربة التصوف تكون اللغة بكل تنوعاتها التواصلية والدلالية خارج اهتمامات المتصوف في تغليبه لغة القلب والوجدانات والعاطفة والتسامي الروحي الذي لا يشّل حضور اللغة فقط بل يشّل العقل ويوقف كل متعلقات الارتباط بالواقع.. وجميعها صمت موحي ومعبّر لا يحتاج لغة توصيل ولا لغة تعبير وشرح تواصلية..
شذرة اربعة: توما الاكويني وحقيقة الوجود
يعتبر القديس توماس أكويناس "أن الحقيقة هي المساواة بين العقل والاشياء، بحيث يستطيع العقل أن يقرر ما هو كائن موجود وما هو غير كائن ليس موجودا"(3)، هذه المقولة الفلسفية تلقفها عن وعي وأدراك أو بدون وعي أو شعور جميع الفلاسفة المثاليين الذين توالوا من بعد القديس توما الاكويني منهم بيركلي، هيوم، وجون لوك، وصولا إلى قطب الفلسفة الذرائعية البراجماتية وليم جيمس قوله ( كل تجربة حسّية أو تصورية يجب أن تطابق الواقع لتكون حقيقة ).(4)
عبارة توماس الأكويني تشي بتطرف غير مسبوق في إنكاره أن يكون إدراك الوجود وعالم المادة والأشياء كما أخذها عنه بيركلي وهيوم ولوك وصولا الى مور ورسل، فجميعهم يلتقون على حقيقة أن العقل وحده رفقة وسيلة الحواس وليس الوجود هو الذي يقرر بالذهن المجرد ما هو كائن وما هو غير موجود، والوجود لا يصبح حقيقة من غير إدراكات الحواس والعقل له.. متغافلين عن حقيقة أهم مما يعتقدون به أن الوجود كحقيقة مادية وعالم قائم بذاته هو موجود سواء أدركه بيركلي أم لم يدركه.. وما لا يدركه بيركلي يدركه الألوف غيره.. الوجود الخارجي في استقلاليته لا يحتاج الحواس ولا العقل في إدراكه كي يثبت وجوده... فهو موجود خارج أدراكات الحواس والعقل وموجود مع أدراكات الحواس والعقل له أيضا.. ولا يتعيّن وجود الاشياء في رغبتنا أدراكها من عدم رغبتنا أدراكها.. عليه يكون أدراك الموجودات والاشياء في العالم الخارجي لا يرتبط وجودها سببيا في وجوب أدراكنا الحسّي والعقلي لها.... وجود الاشياء في استقلالية تامة لا تلزم الحواس والعقل أدراكها.. وليس صحيحا أبدا أن ما لا يدركه العقل فهو غير موجود سوى عند بيركلي وهيوم وأشياعهما.. أن إدراك العقل للأشياء ليس لتعيين وجودها من عدمه، وإنما يقوم العقل بأدراكها من أجل معرفتها بخصائصها وأهميتها وضرورة تواجدها السببي وعلاقاتها بغيرها من الموجودات وبالإنسان أيضا... ليس مهما أدراكنا وجود الاشياء بمقدار أهمية كشف معرفتنا بها ولماذا هي موجودة وما علاقتها بنا وأهميتها لنا...وتطابق مدركات العقل الآتية أليه عبر منافذ الحواس مع وجود الأشياء العياني لا يعني معرفة حقائقها وإدراكها التام، ولا كاف معرفة وجودها من عدم وجودها فهذا لا يمّثل معرفة حقائقها بشيء.. لأن ما تدركه الحواس في توصيله للعقل لأثبات وجود الاشياء يبقى أدراكا ناقصا لأنه يعتمد الحواس أولا ويعنى بالصفات الظاهرة ثانيا ولأنه أدراك شخصاني لا يمكن تعميم مصداقيته ثالثا..
لذا يكون مطابقة ما تدركه الحواس من موجودات الاشياء في عالمها الخارجي لا يلزم عنه أن يكون وعيا جمعيا إدراكيا وليس شخصانيا منفردا، بل استحالة مثل هذا التعميم.. والادراك الشخصاني الهادف لا يكون بالضرورة وعيا قصديا هادفا لآخرين.. وهذا ما يجعل أدراك الحواس والعقل في معرفة عالم الاشياء يظل ناقصا وغير حقيقي تماما على الدوام..
 نرى من المهم التأكيد على أن الإحساسات تكون عقلية صادقة في نقل مدركاتها للعقل متى ما وجدناها متطابقة فعلا مع الاشياء في وجودها الخارجي المستقل، وفي حال عدم التطابق يكون الخطأ بالحواس وليس في وجود الأشياء.. ومن هنا تبقى حقيقة أن وجود الاشياء لا يحدّها الادراك العقلي لها.. وإنما الحقيقة يحددها الوجود في حقيقة معرفته وليس في حقيقة أدراكه..
شذرة خامسة: اللاوجود بين بارمنيدس وهيراقليطس
يذهب هيجل إلى أن ما يدركه العقل واقعيا يتحتم وجوده الإدراكي في عالم الأشياء بالضرورة السببية.. وبضوء هذا الفهم الهيجلي يكون من الخطأ معنا أن نفهم عبارة بارمنيدس "اللاوجود غير موجود، والوجود كائن واللاوجود غير كائن) متناقضة مع تعبير هيجل أن لم تكن تمّثّل أمتدادا متجانس المعنى معها.. وبضوء فهم بارمنيدس لا يمكن أن يصدر الوجود عن اللاوجود الذي يفهمه البعض خطأ أنه (عدم) لا يدركه الفكر ولا يدركه العقل...فاللاوجود ليس عدما ولا فراغا ولا خلاءا وإنما هو افتراض وجودي غير متعيّن حدسيا ولم يدرك وجوده زمنيا ليصبح وجودا مدركا بالذهن.. يمكننا القول ابتغاء التوضيح أن الإدراك أربعة فعاليات متداخلة ومتكاملة معا، فكل مدرك واقعي يحتاج الى وجود مكاني وحيّز متعين كموضوع للإدراك أولا، ثم إلى حواس تدركه ثانيا وإلى عقل يتمّثله بمقولاته ثالثا، وإلى زمن يلازمهم في تداخل معهم ثلاثتهم رابعا.. فالزمن يلازم الموضوع المتعين مكانا، والزمن يلازم الإدراك الحسي والعقلي للأشياء ثانيا، والزمن يلازم تمثلات العقل الإدراكي ومقولاته الصادرة عنه ثالثا، والزمن أخيرا يلازمهم ثلاثتهم الموضوع، والحواس، والعقل ومن دون زمن لا توجد فعالية إدراكية حقيقية علمية للعالم ... والوجود عند بارمنيدس ثابت لا تحكمه الحركة ولا يطاله التغيير.. بخلافه إذا ما استعرنا مفهوم هيراقليطس أن الوجود تحكمه الحركة والتغيير وكل الاشياء هي صيرورة دائمة من التبدل والتغيير المستمر.. لذا من الممكن أن يصبح ما هو غير غير موجود موجودا وعّلة وجوده هو الحركة، التي بتأثيرها على الوجود واللاموجود في كل تنوعاتهما وتمظهراتهما يصبح ماهو غير موجود موجودا في لحظة زمنية تعاقبية واحدة، وفي ذلك يصبح اللاوجود هو انزياح للوجود المحكوم بالإخلاء والمغادرة زمنيا سواء في أتخاذه تمظهرات متغيّرة جديدة أو في مغادرته وإخلائه حيّزه المكاني بانحلال عدمي يفنيه ويقصيه أن يكون مدركا في عالم الاشياء والموجودات... وبهذا يكون توضيحنا الإشكالية التعبيرية المتناقضة لهيرقليطس عند قراءتنا لها لأول وهلة قوله (اللاوجود هو وجود وغير موجود معا) يقصد كليهما وجودين في حركة آنية زمنية واحدة تراتبية.. والخروج من إشكالية هيراقليطس هذه اللاوجود هو وجود ولا وجود معا.. أنما يقوم / ويكون بحل هذا التناقض في اعتمادنا (الحركة ) التي تحكم كل شيء في أننا نكون أمام عبارة هيراقليطس في أن الوجود غير موجود وغير الموجود موجود.. التي كما أشرنا تضعنا أمام استحالة إدراكية لا يمكن التسليم بها لأننا ملزمون حسب العبارة وجوب التسليم بأدراك الوجود واللاوجود في زمنية واحدة التي هي زمنية متحركة تزيح الموجود في تراتيبيته وأسبقيته مع غير الموجود إدراكيا في استقدام الحركة اللاوجود أن يصبح وجودا مدركا في زمنية انزياح الموجود بحكم تأثير الحركة والزمن.. هذا الاستطراد التوضيحي يجعلنا نستنج على أن عبارة هيراقليطس تتناقض بالفهم مع عبارة هيجل السابقة.. ولكن نجد في توضيحنا أمكانية عدم التناقض.. ولتوضيح نجده مقنعا في عبارة هيراقليطس يكون اللاموجود موجودا بمعنى أننا لا يمكننا تحديد وجود الاشياء كمتعينات واقعية من غير الاستدلال الافتراضي بأن اللاوجود سيكون موجودا أيضا في برهة زمنية حركية لاحقة غير مدركة ولا محسوسة حضوريا لكنها مدركة حدسيا بمقارنتها في منظومة التراتيبية الادراكية المتعاقبة للوجودات التي تأتي زمانيا بعد تأكيد حضور اللاوجود الغائب السابق على وجوده المتّعين المحكوم بالانزياح بعاملي الحركة والزمن.. بهذا المعنى تكون جميع الموجودات التي لم تكن موجودة سابقا في وجودها الحضوري المدرك أنما يكون متوقفا على أدراكها الحركي والزمني اللذين يكونان عّلة حضورها.. أي أن كل غير موجود سيكون موجودا لاحقا في زمنية وجودية تلازمه وتحكمه بالوجود بعد أن كان غير موجودا.. وكل موجود سينزاح في أخلاء حضوره الإدراكي المكاني زمانا لما سيعقبه ويأتي بعده.. الوجود هو زمن أدراكي متغّير على الدوام.. هذا الفهم يصبح صحيحا أكثر عندما ننطلق من التفريق بين اللاوجود هو ليس عدما ولا فراغا وإنما هو وجود لا يتمتع بزمنية حضوره الإدراكي الغائبة..
شذرة سادسة أخيرة: هيدجر والعدم
يعرّف هيدجر العدم بأنه النفي القاطع لكل وجود أو شيء يحكمه الفناء الحتمي القطعي بالموت.. هذا التعبير أجده خاطئا غير موّفق ولا صحيح منطقيا فلسفيا.. ولا مجال تعليق هذا الخطأ على مشجب خيانة اللغة في التعبير كما يذهب رولان بارت.. فالخطأ هنا بالفكر وليس في مخاتلة وخيانة تعبير اللغة.. وتعقيبنا أن العدم ليس وجودا قبليا متعيّنا يسبق وجود الموجودات في عالم الاشياء التي يستهدفها الفناء، كما هو ليس وجودا بعديا يخلف نهاية الاشياء المحكومة بالعدم... أي حقيقة وجوهر العدم أنه استدلال افتراضي يسكن جوهر الأشياء كما تسكن الدودة قلب الشيء المحكوم بالنفي العدمي على حد تعبير سارتر.. العدم هو استدلال افتراضي لوجود غير بائن للإدراك لا كمظهر ولا كجوهر على السواء.. وإنما هو حقيقة مطلقة نعرف نتائجها بالحدس ولا نعرف ماهيّاتها بالإدراك.. وبالعدم نحدس معرفة الموجودات على حقيقتها قبل استهداف العدم الحتمي كما الموت إفنائها من الوجود.. وأبلغ تعبير عن ذلك إنما جاء على لسان سارتر في تعريفه معنى العدم بقوله أن العدم يركب ظهر الوجود المحكوم بالفناء والزوال لا يتقدمه ولا يسبقه بل يلازمه ملازمة الظل.. وهو كالدودة في باطن الموجودات والأشياء.. العدم هو غير اللاوجود أو الفراغ الذي يتوسط موجودين محكومين بالفناء بل هو يلازمهما كجزء من تكويناتهما كلا لوحده وصولا الى حتمية فنائهما لا قبليا ولا بعديا عنهما بل في ملازمة حتمية لا انفكاك لها معهما.. فالعدم لا يسبق الوجود ولا يأتي بعده، بل هو دلالة افتراضية يستهدف غيره من الموجودات والاشياء بالفناء.. وهو لا يفنى بالفناء ولا يعدم نفسه كما في تعبير هيدجر، بل هو نتيجة منطقية متبقية بعد فناء الموجودات المحكومة بحتمية العدم والزوال.. أنه كالموت الذي يعدم الحياة ولا يعدم نفسه في استمرارية بقائه كحقيقة أزلية في معايشته الحياة والانسان والطبيعة والموجودات..
الهوامش:
1.     د. جعفر عبد الوهاب /الفلسفة واللغة /ص 23
2.     نفس المصدر ص 27
3.     نفس المصدر ص 29
4.     نفس المصدر ص 34



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

0commentaires:

إرسال تعليق

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)