الإنسان وأدوات الحضارة ـ مَن يُسيطر!

الإنسان وأدوات الحضارة ـ مَن يُسيطر!
31- 10- 2018
محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر
   الإنسان هو مَن بنى الحضارات عبر العصور، ولا يزال، وهو المُنتفع الأول بآثارها الإيجابية، والمُتضرّر بسلبياتها، وهو محور الحركة في الحياة، منه تبدأ الحضارات، وإليه تنتهي.
   الحضارة في اللغة: من الفعل حضر، والحاضرة خلاف البادية، وهي المدن والقُرى والريف. والبادية خلاف ذلك. والحضارة الإقامة في الحضر. واصطلاحًا تعني: مجموعة المظاهر العلمية والأدبية والفنية، وكذلك الاجتماعية الموجودة في المجتمع. وفي مفهومنا العام، هي: ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته، سواء أكان المجهود المبذول مقصودًا أم غير مقصود، وسواء أكانت الثمرة مادية أم معنوية.
   ومن أهم شروط الحضارة: الاستقرار، والتعاون، والكتابة. ومن أبرز صفاتها أنّها إنسانية، وموجودة في عقل الإنسان وتفكيره الذي يجعله يعلم أنّ ماضيه مرتبط بحاضره. أيضًا فهي تتغير تدريجيًا وليس بشكلٍ مفاجئ. كذلك فإنّ الإنسان لا يستطيع الهروب من مظاهر الحضارة التي يعيش فيها أو يحتكّ بها.. ومن هنا نتساءل: في عصرنا الحالي، على الأقل، مَن يُسيطرـ الإنسان أم أدوات الحضارة؟!. ربما يجدر التعرّف سريعًا إلى أدوات الحضارة.
   من أبرز أدوات بناء الحضارة والإنتاج الحضاري: الوطن، والأمة، والحكومة، واللسان، والرسالة (المشروع الثقافي للنهضة)، والدين. وأضاف البعض: اللغة، وتوليد العلوم. وأضاف آخرون حديثًا: الإعلام، والحرية والديمقراطية، والانترنت، والأجهزة الذكية والمحمولة... إلخ.
   إنّ الدين يحمي من الزلل، والأخلاق تصون من الفساد والخلل. واللغة هي الجسر الوحيد للتواصل بين الإنسان وأقرانه المحيطين به، أو أجداده من الأجيال السابقة، أو أحفاده من الأجيال القادمة، وبالتالي فهي الأداة التي جعلت فكرة بناء الحضارة عبر الأجيال قائمة وفعالة. أيضًا، فإنّ توليد العلوم نوع من أنواع مظاهر حياة الفكر، وهو مظهر من مظاهر التفاعل مع العصر الذي نعيش فيه. أما الآلة الإعلامية في العصر الحديث، فقد تفوقت على الآلة الحربية في تأثيرها على مجريات الأحداث، وأصبح الإعلام يُوظّف لأغراض سياسية وأيديولوجية، وتشكيل وعي الجمهور، ويُروّج للأفكار من خلال ما ينقله من أخبار ومعلومات وبرامج، تهدف إلى تكوين اتجاه معين. كذلك، فقد ابتدع الإنسان الحرية والديمقراطية لتتوّج تقدّمه وحضارته. والانترنت، وما له من فوائد في التواصل والانفتاح العلمي والاجتماعي. كذلك لا نستطيع إنكار دور الأجهزة الذكية والمحمولة في التواصل، واختصار الوقت والمسافات وغير ذلك.
   وبإعمال النظر قليلًا في أدوات الحضارة سالفة الذكر، نجد أنّالنتاج الحضاري لحضارة ما هو أداة حضارية لحضارة لاحقة أو معاصرة قيد النهوض، وهو ما يجعلنا نجزم، بأنّه من الصعوبة بمكان الفصل بين أدوات الحضارة ونتاجها. ولكن، تلك الأدوات الحضارية، وهاته المنتجات، قد تكون سببًا في هدم الحضارة، إذا سيطرت على الإنسان؛ فتطور اللغة، مثلًا، وارد، ولكن بصورة لا تُفقدنا الاتصال بالتراكم المعرفي التراثي من ناحية، وأن تكون وعاءً قادرًا على انطلاق الفكر بكلّ جوانبه العلمي والحسّي والتجريبي والفلسفي. كذلك، فالعلوم والإعلام والانترنت وغيرها.. إن لم نُحسن استعمالها، ستسيطر علينا، وبالتالي ستكون سببًا في انهيار حضارتنا البشرية.
فالانترنت، برغم فوائده في التواصل والانفتاح، إلا أنّه أصبح محلًا لصراعات طائفية، ومكانًا لتربية الأجيال على الجنس العنيف المُذلّ للمرأة والرجل، ومقرًّا لنشر ثقافة ذبح المُخالف لنا، وغير ذلك الكثير. كذلك الأجهزة الذكية والمحمولة، وسيطرتها، فقد أشارت العديد من الدراسات، من بينها الدراسة التي قادتها الاختصاصية في علم الاجتماع "ندى كاكابادسي"، من كلية الإدارة والأعمال من جامعة هامبتون البريطانية، إلى تعوّد الناس بقوة على الأجهزة الالكترونية الذكية، وأشارت إلى التقلّص المستمر في الفارق بين العمل والحياة الشخصية، ورأت أنّه خلق وضعًا استفاد منه أرباب العمل بطريقة غير متوقّعة؛ حيث مدّ أرباب العمل ظلّ قوتهم على الحياة الشخصية لموظفيهم خارج ساعات العمل، واستطاعوا ترويض هؤلاء لقبول وضع غير مألوف.  ووصفت كاكابادسي هذا الوضع بأنّه مملوء بالخلل، وخلصت إلى أنّ التعوّد على اصطحاب الأجهزة النقالة إلى الفراش والمسرح والسينما، يزيد في تآكل وقت الترفيه لمصلحة وقت العمل، كما يعطّل قدرة العقل على اتخاذ قرار فردي مستقلّ!... وغير ذلك الكثير، الذي يؤكد سيطرة أدوات الحضارة على الإنسان.
وقد ذهب ابن خلدون (1332ـ 1406م) إلى أنّ الحضارة تُضعف مَن يملك أسبابها ويستسلم لنعيمها ويستولي عليه الترف، فتنهار أخلاقه، وبذلك فالحضارة تُفسد الطبع.
   إنّ المتّهمفي قضية الحضارة العصرية هو سلوك الإنسان، وسوء استخدامه لمنتجات الحضارة. فالقنوات الفضائية، مثلًا، أصبحنا نستخدمها في نشر ثقافة الغناء، وكرة القدم، والبرامج التافهة، والعروض الخليعة المثيرة للشهوة... بدلًا من استخدامها في نشر الوعي الاجتماعي والثقافي، ومعالجة قضايا المجتمع بشكل لائق، وغير ذلك الكثير.. وما أكثر شهود العصر على هذه القضية من العلماء والفلاسفة، فها هو الفيلسوف الإنجليزي "سي. إم. جود" (1891ـ 1953م) يقول: لقد منحتنا العلوم الطبيعية القوة الجديرة بالآلهة، ولكنا نستعملها بغريزة الوحوش وعقلية الأطفال.
   إنّ الترف الذي اعتبره ابن خلدون سببًا في فساد الأخلاق وانهيار الحضارة، والذي يعبّر عن العلاقة الجدلية بين الإنسان وأدوات الحضارة، ليس مسألة غنى أو فقر، وإنّما هو موقف من الحياة يتحول إلى سلوك. ومن الخطأ أن نعتبره فسادًا؛ لأنّ الترف في أساسه هو الاستمتاع بخيرات الدنيا، وذلك مطلب صحي سليم، ولكن العبرة بموقفنا من أدوات الحضارة عندما نمتلكها، فإما نستعملها بحكمة، وهنا نسيطر عليها، وإما نستعملها بسوء تدبير، وهنا تُسيطر هي علينا، وهنا فقط يكون ضررها.
   إنّ موقف الإنسان من أدوات الحضارة، ونتاجاتها، تُحدّده ثقافته وتجاربه وذكاؤه، وكذلك تربيته وما نشأ عليه من قواعد أخلاقية وسلوكية. فالإنسان المُثقف، الذي ثقّفت الحياة عقله وقلبه وطبعه، وثقّف العلم عقله ورفع همّته، وعاش في إطار حضاري غني بأدوات الثقافة والتهذيب، من معاهد علمية وفنية، ومكتبات، ومراكز ثقافية، ومسارح وقاعات موسيقى، مثل هذا الإنسان يكون في العادة أقدر على السيطرة على أدوات الحضارة، وأقدر على الحفاظ على توازنه من الإنسان الذي ينمو في بيئة خالية من كل ذلك أو فقيرة فيه. أما العلم، فغالبًا ما يكون طلاءً خارجيًا، أو نموًا ظاهريًا في المعلومات، ومن ثم، فكثيرًا ما يعجز عن التأثير في طبع الإنسان، ولا يعينه على التخلّق بما ينبغي لأهل العلم، ولا يمكنه من المحافظة على توازنه أمام مغريات الترف، ومن هنا، نجد تباينًا شاسعًا بين مستواه الخُلقي والسلوكي.
   وختامًا نقول: لكي يستطيع الإنسان الإفادة من أدوات الحضارة، ينبغي أن يكون قادرًا على السيطرة عليها ـ وهي مهمة تقع على عاتق المجتمع برمته ـ وإلا سيطرت هي عليه، وأصبحت ضررًا ووبالًا، ليس عليه فقط، بل عادة ما تصيب أضرارها المجتمع ككل..
أهم مراجع المقال:
- إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح، دار العلم للملايين، بيروت، ط3، 1984م.
- حسين مؤنس، الحضارة، عالم المعرفة، الكويت، ط2، 1998م.
- ول ديورانت، قصة الحضارة، الترجمة العربية.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)