نص سارتر حول الحرية

نص سارتر حول الحرية
يعرف الإنسان بمشروعه. هذا الكائن المادي يتجاوز دائما الوضعية التي يوجد فيها ويحددها بالتعالي عليها لكي يتموضع بواسطة الشغل والفعل أو الحركة. ولا يجب الخلط بين المشروع وبين الإرادة التي هي كيان مجرد ٬ وإن كان المشروع قد يتخذ صورة إرادية في بعض الظروف. إن هذه العلاقة المباشرة مع الآخر المغاير(…) وهذا الإنتاج الدائم للذات بواسطة الشغل والممارسة هو بنيتنا الخاصة. وإذا لم يكن ( المشروع ) إرادة٬ فهو ليس حاجة أو هوى كذلك. إلا أن حاجتنا مثل أهوائنا٬ وأكثر أفكارنا تجريدا ترجع إلى هذه البنية٬ فهي دائما خارجة عن ذاتها نحو (….) ذاك ما نسميه الوجود ولا نعني بذلك جوهرا ثابتا مرتكزا على ذاته٬ بل نعني به عدم استقرار دائم واقتلاعا لكامل الجسم خارج ذاته .
وبما أن هذه الوثبة نحو التموضع تتخذ أشكالا متنوعة بحسب الأفراد٬ وبما أنها تلقي بنا داخل مجال من الإمكانات نحقق البعض منها دون البعض الآخر٬ فإننا نسميها كذلك اختيارا وحرية. غير أنه يرتكب خطأ عظيم إذا ما وقع اتهامنا بإدخال اللامعقول، أو أننا نختلق “بداية أولى” لا علاقة لها بالعلم، أو أننا نمنح الإنسان حرية – صنمية. وفي الواقع٬ لا يمكن أن يصدر هذا الاعتراض إلا عن فلسفة آلية. ومن يوجه إلينا هذا الاعتراض٬ إنما يريد إرجاع الممارسة والخلق والاختراع إلى إعادة إنتاج المعطيات الأولية لحياتنا٬ إنـه يريد تفسيـر الأثـر والفعـل أو الموقف بعــوامل إشراطـها٬ وإن رغبته في التفسير تخفي إرادة جعل المركب مماثلا للبسيط٬ ونفي خصوصيات البنيات وإرجاع التغير إلى الهوية٬ وهو ما يمثل من جديد سقوطا في الحتمية العلموية.
وعلى العكس من ذلك يرفض المنهج الجدلي فكرة الاختزال٬ واعتماد طرح معاكس٬ يقوم على التجاوز مع المحافظة٬ بحيث أن أطراف التناقض - الذي وقع تجاوزه - غير قادر على بيان التجاوز ذاته ولا على التأليف اللاحق. أن هذا الأخير- على العكس من ذلك - هو الذي يضيء هذه الأطراف ويتيح فهمها.

جان بول سارتر Jean Paul – Sartre : نقد العقل الجدلي” Critique de la raison dialectique
غاليمار، 1960، ص 95.
عن مقرر رحاب الفلسفة، 2باك مسلك الآداب والعلوم الإنسانية، طبعة 2007، ص 20.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)