القهر وسوء الأخلاق (الحرب النفسية)

القهر وسوء الأخلاق (الحرب النفسية)
25 شتنبر 2018



محمد عرفات حجازي/ كاتب من مصر
   


قدّم علي مبارك (1823ـ 1893م) أولى الدراسات النفسية للشخصية المصرية، وذهب إلى أنّ الطباع والعادات والأخلاق تتوّلد من طبيعة القُطر الذي يسكنه الناس، وهذا قانون عام، وأما ما زاد على ذلك من أخلاق، فهو طارئ من اختلاط سكان كل بقعة بمن جاورها.
   ومن طبيعة المصري، في نظر علي مبارك، أنه ليّن العريكة، سهل الأخلاق، جيّد الفطنة، صبور، يرضى بالقليل، حَسَن القناعة. وهذه أخلاق قضت بها طبيعة المكان الذي يعيش فيه، وسهولة معيشته فيه، وهي ثابتة له في كل الأحوال والأزمان.
   ويؤكد علي مبارك، أنّ المصريين قد أخنى عليهم الزمان، فإذا ظهروا أمام الأغيار بأخلاق ذميمة، فإنما ذلك بتأثير ما عانوه، وبما وقع لهم في تاريخهم من حوادث دهرية، حتى ضاقت قدرتهم على المقاومة، فعوّلوا بالاضطرار إلى طُرق تمكّنهم من إرضاء قاهريهم، فلم تكن إلا طُرقًا غير قانونية فسلكوها، كالكذب يتخلّصوا به من الشرور يقعون فيها... وما فيه المصريون حاليًا، أمور طارئة، مكتسبة من اختلاط الأمم التي كانت ترِدُ إلى بلادهم حاملةً عاداتها وأخلاقها لتُلقي بثقلها على كواهل أبناء البلاد، فلا يستطيعون نبذها بالكلية، فتتولّد فيهم الأخلاق الرديئة التابعة في وجودها لسير حكوماتهم. وبالجملة، يعود ذلك إلى ضرورات الحياة، واحتياجات المصري، وميله لحبّ الانتفاع، والوقاية الشخصية.
   ويُفسّر علي مبارك القهر والاستبداد تفسيرًا فلسفيًّا؛ إذ يردّهما إلى التفاوت في عقول الناس، وجودة النظر في صالح الأمة، وهذا التفاوت هو الذي مكّن لاستيلاء بعض الناس على بعض، وسريان القهر بينهم، حتى نشأ التمييز بين الحاكم والمحكوم، وهذا هو أصل منشأ الحكومات ـ القهر!..
   إنّ المجتمع ما لم يَقُم على الحرية فَسَد واستدعى الاستبداد والقهر، ولم تزدهر أوروبا إلا لأنّ الناس كانت لهم حرية التعبير والنقد، فظهر فيها ذوو أفكارِ ألّفوا كُتبًا قُيّض لها الانتشار، وتعلّم منها الناس، فانجلت عنهم غياهب الجهل..
   ويخْلُص علي مبارك، إلى أنه لو قامت على المصريين حكومات فاضلة، تسنّ القوانين، ولا تتخطّى بها الواجب الملائم لأحوال الأهالي، فلا ريب أنّ تلك الأخلاق ستزول بالمرة، ويخلفها ما فيه كمال الناس؛ لأنّ المصريين أقرب إلى الإصلاح، وأسرع إلى سبيل الفَلاح إذا وجدوا الدواعي لذلك. فإذا وُجِد لهم القائد تبعوه بسرعة لا يتوقفون، ولا تأخذهم في ذلك عزّة، وإن كلّفهم بالأعمال، الشاق منها واليسير، وتحقّقت لهم منه الآمال، ثبتوا عليه، وإذا طولبوا بأداء الكثير، واستبقاء القليل، بذلوا عن طيب خاطر، طالما في ذلك الأمن على الحقوق والأرواح..
   وعلى ذلك، ينبغي أن يكون سلوك الحكومات مع الأهالي مدرسةً عامةً لهم، وأساتذة هذه المدرسة هم العقلاء والفُضلاء، يُقرّبون المطالب إلى الأفهام بالأفعال وليس بمجرد الأقوال، وبالقوانين واستقرارها يكون الأمن وتُحفظ الحريات، وتتهيأ الجماعة للترقّي.
وليس رأي الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844ـ 1900م)، وإن احتوى فكرة مختلفة قليلًا، بأقلّ دلالة في هذا الشأن؛ حيث قسّم المجتمعات أخلاقيًا إلى سادة وعبيد. ورأى أنّ أخلاق العبيد، قد جاءت موجتها مِن آسيا، ومِن اليهود بصفةٍ خاصة أثناء خضوعهم السياسي؛ لأنّ الخضوع يولّد الضّعة. وقال: أنّ اليهود لم يعرفوا معنى الراحة في صراعهم مع أعدائهم الأرستقراطيين إلا عندما توصلوا إلى إجراء تحويل جذري على جميع القِيم؛ فاليهود هم الذين تجرؤوا على قلب مُعادلة القِيم، وأكّدوا أنّ المساكين وحدهم هم الطيّبون، والفقراء والعجزة والمتألمون والمرضى هم أصحاب التقوى، ووحدهم مُباركون مِن الله.
   لقد تغيّرت القِيم ـ حسب نيتشه ـ بِدافع مِن حِقْد العبيد على سادتهم، ورغبتهم البائسة في الانتقام.. وعن هذا تنشأ المُثُل العُليا الهزيلة التي تجعل مِن الضعف فضيلة، ومِن العجز عن الانتقام عزوفًا عن ارتكاب الشرّ.. وهلم جرا. وأصبح هؤلاء الطيّبون مِن حيث صدقهم وصراحتهم: مُتلبّسين بالدناءة، فاسدين إلى الأبد؛ لعجزهم عن تحمّل محنة المسيرة الحقيقية. وهذا ما جعل نيتشه يُفسّر تاريخ الأخلاق مِن خلال فكرة الضّغينة، أي بِوصفه تاريخًا تتميّز فيه أخلاق السادة عن أخلاق العبيد.
إنّ قِيم العبيد تصدر عن الشعور بالذحل (الشعور المتكرر بإساءة سابقة لَقِيها الإنسان، ولم يستطع أن يتشفى مِمن قدّمها، لِعجزه عن ردّ الفعل في الحال؛ فيلجأ إلى طرق غير مباشرة، يردّ بواسطتها على هذه الإساءة)،وهي لا تُنْتِج قِيمًا مِن ذاتها وبصورة أولية؛ بل تحتاج إلى عالمٍ معادٍ لها، وخارجيّ عنها، وبِلُغة الفيزيولوجيا: تحتاج إلى مُحفِّزات خارجية لكي تقوم بالفعل ـ الذي هو في حقيقته ردُّ فعل.
ومِن تلك الكراهية اليهودية التي حوّلت القِيم، خرج حُبٌّ جديد، منبعثًا عنها وكأنّه تاج رأسها، لكنه ما زال يسعى دائمًا لنفس أهداف الكراهية: النصر، الفتح، الغواية. يسوع الناصري، الذي حمل الغِبطة والنصر للفقراء، والذي اعتبره نيتشه السبيل أمام شعب إسرائيل لتحقيق آخر أهداف ضغينته، وذلك مِن خلال صَلْب المسيح، ما يعني ـ حسب نيتشه ـ انتصار اليهود مِن جديد تحت هذا الشعار.
   وقد رأى نيتشه أنّ الإنسانية قد بلغت آخر مراحل التدهور حينما مجّدت الرحمة والتضحية، والتي تمثّلت في قِيم المسيحية. وقد لخّص التاريخ بذلك، الصراع بين قِيم السادة، وقِيم العبيد، والذي اتّضح مِن خلاله انقلاب القِيم، فأصبح الخير شرًّا، والعكس بالعكس. وبذلك رفض نيتشه التعليلات الإنجليزية، التي تفسّر القِيم بفرضية الإنسان الفرد المُتّزن العاقل، ومال للمادية الفرنسية، التي تُبرهن على أنّ الفكر يأتمر بأمر الجسم والغرائز.
أهم المراجع
-          عبد المنعم الحفني، موسوعة الفلسفة والفلاسفة.
-          فريدريك نيتشه، أصل الأخلاق وفصلها.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)