الحرية، الهوية والقيم في مخاض التحديث في المغرب

الحرية، الهوية والقيم في مخاض التحديث في المغرب
بقلم: د. حميد لشهب، النمسا

في كتابه: "في تحولات المجتمع المغربي"، الصادر عام 2010 عن دار توبقال المغربية، يقوم الأستاذ محمد سبيلا بمسح شامل للتغيرات التي وقعت في العالم العربي الإسلامي عامة، والمغرب خاصة، قُبيل الاستعمار، وأثناءه وبعده؛ رابطا كل هذه التغيرات بجملة من العوامل الحداثية، التي ساهمت في مخاض ومسار هاته التحولات الكبرى، التي تعتبر كذلك إرهاصات تحديث هذه المجتمعات.
والكتاب ليس رصدا وصفيا ستاتيكيا لكيفية تغلغل فكر الحداثة في النسيج الثقافي والسياسي والحضاري بصورة مجملة في البلدان المسلمة، بل تحليلا عميقا لمظاهر هذا التحديث وميكانيزمات الصراع القوية بين الثقافات العربية المسلمة والحداثة، بل وأيضا مواطن التكامل والتعاون والتعايش بينهما. أي هذه الأنواع من التنازلات المؤقتة من الجانبين، في انتظار تغيير حلبة الصراع أو ابتلاع جانب للجانب الآخر. ولعل هذا الجانب "التفاوضي"، المعلن أو المضمر، بين التقليد والحداثة، هو أهم ما يقدمه فكر سبيلا في هذا الإطار، متجاوزا بذلك القطبين المعروفين: الصراع بين الإثنين أو الإقرار بابتلاع الحداثة للتقليد.
يؤكد سبيلا بأن فكرة الحرية أصبحت، منذ القرن 19، شبه غريبة على الثقافة العربية الإسلامية، عندما هيمن التصور الغربي لها وأصبحت وسيلة في يد الغرب لفرض إرادته على الثقافات الأخرى، ومطالبته لهذه الأخيرة بإحداث تغييرات في أنظمتها باسمها. وينبه إلى حضور فكرة الحرية في الفكر العربي الإسلامي عقائديا وشرعا وعلى مستوى الفرد، على الرغم من أن فهمها يتراوح بين الجبرية والإختيار. وهذه الإزدواجية أنتجت كذلك ازدواجية في تمثلها في البلاد العربية الإسلامية ومنها المغرب، ويسجل بأن هناك اختلاف فيما يخص قبولها ورفضها من طرف بعض المفكرين المغاربة قبيل الإستعمار. فأبو عبد الله السليماني مثلا، وعلى الرغم من أنه يرى الكثير من النقط الإيجابية للحرية، فإنه يرى بأنها تشكل خطرا على "آداب الأمة"، بل أيضا استلابا وتبعية للأجنبي. ويُلمَس مكمن الخطر في تصور السليماني للحرية، في نظرنا، في حديثه عن الحرية السياسية وتأكيده على وجوب طاعة "ولي الأمر". ويكمن الخلل في كون المُتَمَثِّل لا يقدم أي تحديد أو تصور لا لكيفية التخلص من "ولي الأمر الظالم" ولا لكيفية اختياره بطريقة حرة من طرف الناس. وبهذا لا يمكن الإعتداد بتصور للحرية السياسية كهذا، لأنه يسكت على أهم شيئ فيها.
أما الناصري فإنه يرفضها رفضا، لأنها في نظره منتوج غربي بامتياز، هدفها القضاء على الدين والأخلاق الإسلامية. ما نلمسه هنا هو التفاوت المهول في تصور الغرب للحرية ولتصور الناصري لها، لأنه لم يع بأنه يرفضها لأسباب لم يعد الغرب السياسي يُدخلها في حساباته، يعني أنه يرفضها باسم الدين. هناك إذن تقابل بين الشرع والدستور، وكأن الحرية لا تترعرع إلا في ظل هذا الأخير. نفس الشيئ نجده عند الكتاني، الذي يرى الغرب بدوره بمنظار إسلامي، ويُسقط عليه حكم المسلمين الأخلاقي. ويوضح هذا بما فيه الكفاية عدم استيعاب هؤلاء الفقهاء لعصرهم، وهذا ما ينص عليه سبيلا بوضوح كذلك.
لكن الحرية أصبحت، طبقا لسبيلا، مطلبا بعد استعمار المغرب، ولابد هنا من التنبيه بأننا نخلط في تفكيرنا بين الإستقلال السياسيpolitique  l’indépendance والحرية كمطلب فردي-شخصي. من هنا، فما كان المغاربة يطالبون به هو الإستقلال، وليس الحرية. فعلال الفاسي مثلا حاول، بربط غير صريح لفكره بفكر الناصري، إسقاط الفكر الغربي، معتبرا بأن أكثر ما جاء به موجود في الإسلام. ومن هذا الباب رأى مشروعية احتضان هذا الفكر، لأنه في نظره لا يعارض الشرع، بقدر ما يساعد على الإستقلال السياسي والإنخراط في مجتمع جديد. هناك إذن برغماتية واضحة لفكر علال الفاسي في هذا الإطار. بل أكثر من هذا فإن الحرية التي يتحدث عنها علال الفاسي، وفقا لسبيلا، هي حرية وضعية وليبرالية، على الرغم من أنه يرى بأن مصدرها هو مصدر إلهي؛ وهنا تكمن ثنائية الخطاب حول الحرية عند علال الفاسي بالخصوص وفي الفكر المغربي عموما.
أما إشكالية الهوية فهي في نظر سبيلا إشكالية محورية في فترات الإرهاصات الأولى للمرور من وضع إلى وضع آخر على المستوى الفردي، ومن حقبة تاريخية إلى أخرى على الصعيد الوطن أو الأمة. ومشكل الهوية في اعتقادنا الشخصي هو تعبير أيضا عن أي خطر حقيقي أو مُتخيل لجماعة سوسيولوجية معينة، عندما تستشعر بأن التغيير قد يكون خطرا عليها كما أنه يُستغل استغلالا بشعا، لأنه يُساهم في إنتاج أحكام نمطية مُسبقة عن الآخر وثقافته؛ بل يقود إلى الحكم بدونية هذا الأخر، دون ضوابط موضوعية، بل عن طريق أحكام قيمة متبادلة.
يرى سبيلا بأن هناك ثلاثة شِعاب لإشكالية الهوية في المغرب: الهوية الإسلامية، الهوية الأمازيغية والهوية الكونية. اهتم الشق الأول بالخصوص على الهجوم "المجاني" في نظرنا على خطاب الهوية الأمازيغية، حتى ليخيل بأن النقاش حول الهوية في المغرب يُختزل في "الصراع" الإثني بين العرب والأمازيغ. نكتفي هنا بالإشارة بأن "جماعة العدل والإحسان" حملت على عاتقها، كرسالة لربما "سماوية"، منذ 1980 مسؤولية محاولة طحن "خطاب الهوية الأمازيغية". ويُعتبر كتاب عبد السلام ياسين: "حوار مع صديقي الأمازيغي"، طلقات مدفعية مجانية ورخيصة ضد ما أسميه أنا شخصيا بـ: "الصحوة الأمازيغية في هويتنا المركبة".
الحال أن ياسين لم يكن استثناء في هذا الإطار، بل أن فريقا لا يستهان به من الباحثين "الحداثيين" انخرطوا في نفس الخط العنصري الغير المقبول هذا. ويندهش المرء عندما يصطدم بأسماء كانت تدعي أنها تُمثل "العقلانية" العربية من قبيل الجابري وبلقزيز مثلا. ويبقى موقف الجابري غير مفهوم في هذا الإطار، بل بصمة عار في تاريخه الفكري. فرفض دفاع مجموعة معينة، لا يهم إن كانت كبيرة أو صغيرة، على حقها في الوجود في اختلافها وخصوصيتها، هو رفض لتعددية مجتمعية وثقافية مطلوبة في المجتمعات الحديثة. فإذا انبرى مفكرون من هذا الحجم في المساهمة الواعية والنشيطة في محاولة إقصاء أي مكون، ولو صغير، مما يشكل الهوية المغربية، فلابد من التنبيه بأن التاريخ الفكري لهذا البلد الآمن يسجل عليهم هذا، بل لا يقبله على الإطلاق، لأنه شعوبية محضة، كما عهدناها عند الشعوبيين في فرنسا وألمانيا وأمريكا إلخ.
كما نبه سبيلا إلى ذلك، فإن عُميان الهوية الأحادية الجانب، لم يفهموا من الهوية في مدلولها الفلسفي والأنثروبولوجي إلا القشور. فإذا كانت الهوية تعني في علم المنطق تلك الوحدة المتحدة مع نفسها، حيث لا يمكن لـ "أ" أن يكون شيئا آخر من غير "أ"، يعني ذاته، ويوحي هذا بالثبات والسكون وعدم التغير الأبدي؛ فإن الهوية الثقافية على العكس من ذلك تماما، لأن منطقها يتبع منطقا آخر، قوامه التغير المستمر، في حركة دائبة يحكمها تاريخ البشرية. وكل من يعتقد بأن هويته الذاتية والمجتمعية قارة، هو إنسان لم ينضج بعد، لا أخلاقيا ولا فكريا ولا نفسيا ولا اجتماعيا. فالحركة والتبدل هي الهوية الحقيقية للعنصر البشري، بل هي التي تحدد كل التفاعلات -الإيجابية والسلبية- في أية رقعة جغرافية، أتعلق الأمر بوطن كبير أو بزقاق في مدينة أو قرية صغيرة.
ينطلق سبيلا في تشخيصه لقضية الأصالة والمعاصرة عندنا، من بديهية تتمثل في كون فكرة الإصلاح هي تجل أيضا للصراع بين التحديث والتقليد. ويمكن هذا من تأطير سبيلا، في نظرنا، في إطار المفكرين العرب الذين استوعبوا بنفس القدر وعلى نفس المستوى ثراتهم الأصلي والفكر الحداثي الغربي. وإذا كان الموقف الحاسم والحازم لسبيلا واضحا: وجوب ركوب قطار التحديث، فلأنه واعي بما فيه الكفاية بأنها إذا لم تُختر بمحض إرادة، فإنها ستُفرض ضد كل إرادة.
وأهم ميدان يلمس فيه سبيلا "تسلل"، ولربما "توغل" الحداثة في الثقافة المغربية هو ميدان القيم. ذلك أنه يؤكد على تحول القيم في المغرب منذ بداية استعماره، وتسارع وتيرة هذا التحول بعد الإستقلال في كل الميادين. ولم يتم هذا التحول في خط مستقيم، بل على مراحل لا تخلو من صراع. فقد دُوهمت وصُدمت المنظومة التقليدية، ومن تم حدث اختلال للقيم واختلاط للمعايير. وما تغير بالفعل هي الشروط الإجتماعية، التي فرضت على الأفراد أن يتغيروا كذلك، وفي هذا نوع من الحتمية وإعطاء الأولوية للعوامل السوسيولوجية في تغيير الأفراد. كما أن التحديث يحدث بصيغة شاملة، لا تخلو من عنف ظاهر أم مُضمر، يتمظهر مثلا في الإستعمال اليومي للمنتوجات التقنية والصناعية، وهذا الإستعمال هو الذي يحدد مستويات  تمظهرات تغير القيم: تنافي قيم الفردانية والمجموعات، ارتفاع وتيرة النزعة البضاعية، تزايد معايير الشيئية، يعني سيادة النزعة الأداتية، بما في ذلك الإنسان، وهذا أخطر ما يمكن أن يحصل. ولا يخلو موقف سبيلا في هذا الميدان من نقد صريح لبعض تجليات التحديث التقني، الذي لا تكون نتائجه دائما إيجابية على المجتمع، وبالخصوص إذا كنا نعلم بأنه يخلق أوتوماتيكيا تشنجات في ميادين مجتمعية مختلفة. وبما أنها تحولات تحدث في "الخفاء"، أي لا نعيها في ظهورها المبكر، فإنها تُحدث مفعول المفاجئة في المجتمع، وهي تحولات تساهم أيضا في "صراع الأجيال"، قد يندمج فيها الشباب بوتيرة أسرع من جيل الآباء والأجداد. وقد ينتج عنها أيضا "تفسخ" و"انحلال" قيمة مجتمعية قديمة، تتمثل في البناء الهرمي للأسرة و"السقوط الرهيب" لسلطة الأب عموما. هناك إذن تحول اجتماعي، يتمظهر في ظواهر التفكك التدريجي للكثير من القيم الإجتماعية داخل العائلة وخارجها، بما في ذلك غياب التضامن والتآزر إلخ.
لكن أهم تحول للقيم في نظر سبيلا هو التحول الإدراكي أو الإبستيمولوجي. وفيه يشخص معضلة "الفصام الثقافي"، حيث توجد منظومتان متصارعتان: تقليدية وتحديثية. ويسجل بأن هذه التحولات لم تطل المغرب العميق أو غير النافع -أي الفقير- إلا جزئيا كما أنها طالت الفئات العليا والمتوسطة دون الطبقات الدنيا؛ وهذا ما يشرح في نظره أيضا عمق الصراع بين التحديث والتقليد. كما يلاحظ بأن هذه التحولات تطال أكثر القشور، أي المظهر الخارجي للمجتمع، أكثر مما تطال الأعماق، أي الأسس الأيديلوجية، سواء أكانت سياسية-اقتصادية أو دينية-عقائدية. وقد يكون هذا في نظرنا أيضا أحد أسباب احتدام الصراع الطبقي الحاد، المصاحب بصراع على الماديات المحضة والمظاهر والتسابق الأعمى نحو "التسلح" لتحقيق مستوى أعلى من الإستهلاك ورفع شارة انتقاء "الماركات" من السلع المعروضة في السوق، لأنها تُمثل في الوعي الجمعي التفوق والتميز. وقد يكون هذا ما يقصده سبيلا بـ"عنف الحداثة" أيضا، وهو عنف رمزي وفيزيقي في الكثير من الأحيان.
ما حدث على المستوى القيمي في المغرب، كنموذج لالتقاء وتصادم التحديث والتقليد، هو ظهور نوع جديد من القيم، لا يمكن أن يؤطر لا في هذه الخانة ولا في تلك في تفاعلات مختلفة. ولا يعني التفاعل بأنها تمشي يدا في يد وفق خط مستقيم متصاعد، بل إن الأمر يتعلق بحركة متموجة وصراع مستمر، بغية ابتعلاع جانب للجانب الآخر.
إن الأسس الآنفة الذكر التي ساهمت في بداية تحديث المجتمع المغربي قد أصبحت أكثر تجليا في بداية القرن الواحد والعشرين، وبالخصوص وضوح خاصية تجاذب التقليد والتحديث، بكل ما ينتج عن ذلك من تناقضات ظاهرة وخفية على المستوى القيمي. فالشعور بتلك "الدوخة" المجتمعية، المميزة للالتقاء العنيف والغير المتوازن على مستوى القوة بين التحديث والتقليد، تتأكد يوميا منذ عشرات السنين في المغرب. هذا التذبذب وعدم الوضوح هو الذي يحاول سبيلا في كتابه هذا تقصي أبعاده، بوسائل يلمس المرء فيها الفلسفي والتحليل نفسي والسوسيولوجي. ومنهج التناول هذا هو الذي يسمح بالتأكيد بالقول إن المقاربة، ليست فقط جدية، بل أصيلة، لأنها تجاوزت الضباب حيث نوجد، واقترحت حلولا مصيرية، لا مفر منها، ما دام الوعي "السعيد" -(في مقابل الوعي الشقي)-، هو الذي يرى حظوظا إيجابية قد تنتج عن "اصطدام" التقليد بالحداثة، وبالتالي لربما "اختراع" حداثة أصيلة، ليس في معنى "التوفيق" بين الإثنين، بل خلق شيئ جديد منهما معا.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)