الأسطورة والسياسة دراسة في فكر "روجيه جارودي"

الأسطورة والسياسة دراسة في فكر "روجيه جارودي"
بتاريخ: 17 أكتوبر 2015



جميل أبو العباس زكير بكري
مدرس مساعد بكلية الآداب- جامعة المنيا- مصر




مقدمـــة:
دائما ما تتخذ الأسطورة(1) طابعًا دينيًا وإن كانت في أغلب الأحيان تتخذ هذا الطابع من أجل أغراض سياسية، لذا جاء هذا البحث للتعبير عن علاقة الأسطورة بالسياسة في فلسفة "روجيه جارودي Roger Garaudy 1913-2012"، وهل تمثل الأسطورة دورًا سياسيًا في الحياة من وجهة نظره أم لا ؟
عندما نقرأ كلمة أسطورة يتبادر إلى الذهن مباشرة الأساطير اليونانية القديمة وكذلك المصرية وغيرها، والتي كانت تلك الأساطير تقوم على جانب ديني بحت. ولكنني أؤكد أن الأساطير تنقسم إلى : الأساطير الدينية، والأساطير السياسية، والأساطير اللغوية، وسوف يكون تركيزنا هنا على الأساطير السياسية وإن كنا لم نتغافل عن تلك الأساطير الدينية وعلاقتها بالسياسة.
معنى الأساطير السياسية:
بداية، يمكننا القول: إن الأسطورة السياسية عبارة عن تفسير إيديولوجي لظاهرة سياسية تعتنقها وتؤمن بها فئة اجتماعية معينة وقد عرّفها Henry Tudor في كتابه "الأسطورة السياسية" 1975 بأنها "تفسير لما يتخذه صانع الأسطورة (سواءً كان على صواب أو على خطأ) على أنها حقيقة مسّلم بها، إنها وسيلة يتبناها البشر للتعامل مع الواقع، ويمكننا القول أن وضعًا معينًا يعد أسطورة ليس بمقدار الحقيقة التي تحتويها ولكن بمقدار ما يُعتقد أنها حقيقة، وفوق كل هذا، الحبكة الدرامية التي تصطبغ بها تلك الأسطورة. وما يحدد الأسطورة على أنها سياسية هو الموضوع الذي تتناوله ... فالأسطورة السياسية تتعامل مع السياسة، وهى دائما أسطورة فئة معينة تحتوي على البطل أو النصير فهذا البطل لا يكون فردًا بعينه، ولكن قبيلة أو أمة أو عرق أو طبقة، تلك القبيلة أو الأمة أو الطبقة التي دائمًا ما تكون الفئة التي تعمل بمثابة النصير في الأسطورة السياسية"(2).
وقد عرف "إسماعيل عبد الفتاح" الأساطير السياسية بأنها "تعني بتفسير مقبول لماضي الأمة السياسي وحاضرها كذلك، والتي تعمل كمفتاح للفهم وثيق الصلة بالإطار التحليلي للتفسير السياسي، أى أنها جزء من التاريخ السياسي(3)، وفي عام 2001 وصف Christophe G. Flood الأسطورة السياسية بأنها "سردًا ملحوظًا فكريًا يفيد بإعطاء صورة حقيقية عن مجموعة من الأحداث السياسية المتوقعة سواء في الماضي أو الحاضر، والتي تكون مقبولة وصحيحة في ذاتها بالنسبة لفئة اجتماعية ما"(4).
كما عرف "دوتيه" العالم الفرنسي الأسطورة في كتابه "السحر والدين" بأنها "صورة مشخصة للرغبة الجماعية، فالآلهة والشياطين التي تؤمن بها المجتمعات البدائية لا تزيد عن كونها تجسيمًا لتلك الرغبة ... ولكنها تتجسم أيضًا في صورة مشخصة، فهي تتمثل أمام أعين الناس في مظهر مشخص فردي، وتتجسم الرغبة الجماعية في صورة مركزة في شخصية الزعيم وبذلك تصبح جميع الروابط الاجتماعية كالقانون والعدالة والدساتير بلا قيمة. وما يستحق البقاء فقط هو التأثير الأسطوري للزعيم وسلطانه وتصبح إرادة الزعيم هى القانون الأسمى(5).
من التعريفات السابقة يتضح أن الأساطير السياسية عبارة عن أكذوبة في السياسة تقوم فئة معينة بصناعتها وتحاول أن تقنع شعوبها بها وذلك من أجل تحقيق أغراضها السياسية.
 وعلى هذا فإن الأسطورة السياسية - كما يرى خليل أحمد خليل - بما تصوره من خوارق، تخلق نوعًا من إرادة القوى التي ما إن تجد ميدانًا لتحقيقها، حتى تظهر في أسوأ أنواع الاستعمار والاستبداد والاضطهاد الممكنة ومثال ذلك أسطورة العنصرية النازية ثم وليدتها الصهيونية السياسية(6).
 وبهذا فإن الأسطورة السياسية هدفها تغيير الناس وتوجيههم حتى تستطيع أن تنظم أفعالهم وتتحكم فيها.

تاريخ الأسطورة السياسية:
إن الناظر في تاريخ الفكر الفلسفي يجد أن الأسطورة السياسية قديمة قدم مجتمع المدينة في بلاد اليونان، فلم تخلُ كتابات الفلاسفة الأوائل -وخاصة في الحديث عن السياسة- من أسطورة سياسية على الأقل، فمنذ أفلاطون الذي نجد في كتابه الشهير "الجمهورية" تلك القصة الفينيقية ذات الطابع الأسطوري السياسي إذ يقول أفلاطون على لسان سقراط "إن البشر هُذبوا وثُقفوا في جوف الأرض حيث طبعوا أسلحتهم وأدواتهم وكمُل تهذيبهم، وحين ذلك ولدتهم أمهم، وهى الأرض، أي أنها قذفت بهم إلى سطحها، فيجب أن يحتموا بالمنطقة التي هم فيها كأم وكمرضع، فيصدون عنها الغزاة، ويحسبون سكانها إخوتهم، أبناء الأرض، كلكم إخوان في الوطنية. ولكن الإله الذي جبلكم، وضع في طينة بعضكم ذهبًا ليمكنهم أن يكونوا حكامًا، فهؤلاء هم الأكثر احترامًا. ووضع في طينة المساعدين فضة، وفي العتيدين أن يكونوا زراعًا وعمالًا وضع نحاسًا وحديدًا. ولما كنتم متسلسلين، بعضكم من بعض، فالأولاد يمثلون والديهم. على أنه قد يلد الذهب فضة، والفضة ذهبًا، وهكذا يلد كل من يلد(7).
من الملاحظ هنا أن "أفلاطون" قد استخدم الأسطورة لخدمة أغراض سياسية، أي حتى يظل كل امرئ في منصبه ومكانته، وهنا تبرير لحكم الحكام وتأكيد على ألا يتعدى أحد حدود طبقته لذا ينبغى علينا أن نتذكر ما أشار إليه أفلاطون من أن الأساطير كانت ترمز إلى إخضاع الفرد لمشيئة الدولة.
 ولم يستبعد أرسطو أن يكون هذا هو غرض الأساطير لتكون على علم بتاريخ الأسطورة، وعلاقتها بالسياسة على هذا النحو ليس إلا، لذلك تجعل الأسطورة الناس أكثر اهتماما بالدولة وبعضهم البعض(8).
 وهنا لا نستطيع أن نتغافل عن الأثر الديني في هذه الأسطورة، خاصة في قوله "وقد أودع الحكام من الله قبل كل شئ، وفوق كل شئ، هذه الوصية أن يخصوا أولادهم بالعناية ليروا أي هذه المعادن في نفوسهم(9).
ولكن ماذا عن الأساطير السياسية في القرن العشرين من وجهة نظر "جارودي" تحديدًا ؟
لا يسعني هنا الحديث عن تاريخ الأساطير السياسية على مر العصور المختلفة ولكنني عرجت إلى العصر الحديث لخطورة الأمر فيه، وذلك لأن الأسطورة السياسية فيه أشدًا خطرًا وأعظم أثرًا وتأثيرًا فقد أضحت الأسطورة السياسية السمة الغالبة لفلسفة السياسة، بل وتقوم عليها فلسفة بلد ما. وفي ذلك يقول "آرنست كاسيرر": "لقد أصبحنا نواجه مشكلات جديدة للغاية، ويواجهنا تغيير جذري في صور الفكر السياسي. وأثيرت أسئلة جديدة عليها، واتخذت الصدارة فجأة مشكلات لم تكن معروفة لدى المفكرين السياسيين في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر. ولعل أهم مظاهر هذا التغيير الذي حدث في الفكر السياسي الحديث وأكثرها إثارة للفزع هو ظهور قوة جديدة هى قوة الفكر الأسطوري. ولقد أصبحت غلبة الفكر الأسطوري على الفكر العقلاني واضحة في بعض المذاهب السياسية الحديثة، وكسب الفكر الأسطوري بعد صراع قصير وعنيف نصرًا واضحًا جليًا فيما يبدو. ومن الناحية العملية والاجتماعية فإن إخفاق الفكر العقلاني كامل ولا يحتمل الشك. ويفترض أن ينسى الإنسان الحديث في هذا الميدان كل شيئًا قد تعلمه عند نهوضه بحياته الفكرية. فهو يستحث على الرجوع إلى المراحل الأولية للحضارة الإنسانية، هنا قد اعترف الفكر العقلاني والعلمي صراحة بهزيمته، وباستسلامه لأخطر عدو له(10).
ويكمل قائلًا: "هنا ظهرت إشكالية كيف يمكن التوفيق بين المعقول واللامعقول؟ لحل هذه الإشكالية ظهر سياسيون محدثون لجئوا إلى وسائل أكثر فاعلية وخشونة. وقاموا بحل مشكلة تتشابه في جملة نواح مع مشكلة إثبات أن المربع دائرة ... إن الأساطير السياسية الحديثة تبدو لنا شيئًا غريبا محيرًا بحق، لأن ما نصادفه فيها ليس إلا خلط فعلين يبدوان متعارضين. فالسياسي الحديث يجمع في نفسه بين مهمتين مختلفتين غير متوافقتين. فعليه أن يتبع السحر والمنطق معًا ... وعلى هذا فإن الربط الغريب بين المعقول واللامعقول من أهم الملامح المثيرة للدهشة في أساطيرنا السياسية الحديثة. ولقد وصفت الأسطورة دائمًا بأنها نتيجة لفعل لا شعوري وبأنها نتيجة لانطلاق الخيال ولكننا في الأساطير السياسية الجديدة نرى الأسطورة تتبع مخططًا فهي لا تظهر عشوائيًا إنها ليست ثمرة شيطانية من صنع خيال الخصم. إنها أشياء مصنوعة قد صنعها صناع مهرة ماكرون إلى أبعد حد"(11).
وقد أكد "كارل فردريك Carl J. Friderich" في كتابه Man and his Government أن "المجتمع السياسي لا يمكن تصوره دون أسطورة"(12) كما اعتبر "جورج سوريل Georges Sorel" "الأسطورة بأنها أداة للعمل السياسي، وأن الأساطير تكون سياسية لأنها تخبرنا عن أحداث سياسية"(13).
ويؤكد "محمد حسنين هيكل" في مقدمته لكتاب "جارودي" "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" أن "جارودي" لم يكن الوحيد الذي تناول الأساطير السياسية محاولا الكشف عن خفاياها وحقائقها وبشكل خاص الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية. وإذا كان "جارودى" عرض في كتابه هذا للأساطير السياسية فإنه اختزلها في عدة أساطير مختلفة سوف نذكرها فيما بعد، إلا أنه حرص على أن يجعل من الوقائع نسيجًا للحقائق ... كما جاء بالوقائع من مصادرها الأولية ومن وثائقها الأصلية ثم تركها تجري في سياقها المنطقي واصلة بنفسها إلى غاياتها الطبيعية(14).
فالحقيقة تشير إلى أن هناك من سبق "جارودي" وحاولوا أن يقتربوا من الموضوع، ولكنه تجاوزهم بالإحاطة الشاملة بكل الأساطير الإسرائيلية. بمعنى أن كل من سبقوه قد ركزوا على أسطورة واحدة في الغالب، فكان أكثر التركيز على المحرقة النازية التي تقول الأساطير الإسرائيلية إن ضحاياها من اليهود وحدهم وصلوا إلى ستة ملايين، وربما أن الضجة التي دارت حول هذه الأسطورة بالذات كانت مشادة بين الضمير أو الشعور بالذنب الأوروبي وبين محاولة الضغط عليه وتعذيبه لصالح المشروع الصهيوني. وقد كان من هؤلاء السابقين على "جارودي" "دوجلاس ريد" في كتابه "بعيدًا و واسعًا Far and Wide" حيث تناول أسطورة المحرقة النازية، وكان أسلوبه في مناقشة تلك الأسطورة عمليًا يستند بالدرجة الأولى إلى الأرقام ودلالاتها التي لا تكذب في حسابه. وقد كان تقدير "ريد" أن المحرقة -وقد حدثت فعلًا- لم يزد ضحاياها عن ما بين ثلاثمائة ألف إلى أربعمائة ألف وليست ستة ملايين كما يدعى الإسرائيليون. هذا بالإضافة إلى أن هناك كتاب ومؤرخون قد تعرضوا لغير ذلك من الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، إلا أن محاولة "جارودي" جعلته لم يتعرض لأسطورة واحدة، وإنما تعرض للأساطير كلها مرة واحدة، ولم يؤلف كتابًا، وإنما نسيج لوحدة واحدة كاملة من قماش الوقائع(15).
وعلى هذا فقد كان "جارودي" شجاعًا في تحليله ونقضه للأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلة مع علمه أن نقد السياسة الإسرائيلية عبارة عن انتهاك لمقدس. وبذلك تصدى لنزاعات العنف والحرب والكذب والخداع وجاء ذلك في قوله: "إن كتاب الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، جزء من ثلاثية كرستها للتصدي لهذه النزاعات: وأولها: كتاب "عظمة الإسلام وانحطاطه"، والذي أدنت فيه التزمت الإسلامي، وخلصت إلى القول بأن "التأسلم داء الإسلام" وثانيها: كتابا "هل نحن بحاجة إلى الله" و "نحو حرب دينية" والذي خصصتهما لمناقشة التزمت لدى الكنيسة الكاثوليكية، أما الجزء الثالث من الثلاثية فهو كتاب الأساطير/ الخرافات المؤسسة للسياسة الإسرائيلية والذي أدين فيه بدعة الصهيونية السياسية التي تقوم على إحلال دولة إسرائيل محل إله إسرائيل"(16).
هنا يوضح "جارودي" أن ثمة فارق بين اليهودية كدين وبين الصهيونية السياسية، فهو لا يتعرض لليهودية كديانة، وإنما يتعرض للصهيونية كمذهب سياسي وقومي واستعماري، قد استغلت اليهودية كدين في إرساء سياستها وتحقيقها وقد اعتمدت على الأساطير اليهودية أى الدينية لتقوية نفوذها وسلطانها باسم الدين، والدليل على ذلك أن أول تلك الأساطير الإسرائيلية هى أسطورة دولة إسرائيل نفسها التي تقوم على أكذوبة دينية هى من ناحية المسمى نفسه الذي يعنى عبد الله، وبهذا يتخذ الاسم المزعوم معنى دينيًا.
 ولا غرو أن تدعم "حنا أرندت Hanna Arendt " هذا الرأي في مقال لها بعنوان "إعادة النظر في الصهيونية" في أواخر 1944 في قولها:" إن الحاجة لدولة يهودية كان جزءًا من محور السياسة الأوروبية والقومية والتوسعية في القرن التاسع عشر وقد كانت القيادة اليهودية على خطأ حينما سمحت للجناح القومى للحركة الصهيونية بأن يتفوق على الجانب الاشتراكي والدولي"(17).
وقد أكد "جارودي" ذلك بقوله: "إن الصهيونية السياسة هى نقيض الرسالة العظمى لأنبياء اليهود"(18) وعلى هذا فإن التبرير اللاهوتى المزعوم للاعتداءات انطلاقا من قراءة متزمتة لنصوص منزلة من شأنه أن يحول الأسطورة السياسية إلى تاريخ(19).
وبهذا كان للأسطورة دورًا أساسيًا في خدمة السياسة الإسرائيلية، وسوف يتضح ذلك في عرضنا للأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية والذي كان من الضروري حتى تكتمل عملية التعميه والتمويه استخدام كلمة ذات مدلول لاهوتي مثل: "الهولوكست" لإضفاء طابع التضحية على المذابح الحقيقة وإدخالها بشكل أو بآخر في صميم المشيئة الإلهية، شأنها شأن عملية صلب المسيح. وقد انصب اهتمام "جارودي" على إدانة هذه التعمية الفكرية التي تتستر بها سياسة بعينها، وذلك للحيلولة دون الخلط بينها وبين التراث العظيم لأنبياء إسرائيل بالإضافة إلى النضال من أجل سلام حقيقي، قائم على احترام الحقيقة واحترام القانون الدولي(20).  
ويمكننا هنا تلخيص الأساطير السياسية ذات الطابع اللاهوتي التي قامت عليها دولة إسرائيل كما عرضها "جارودي" على النحو التالي:

أ- أسطورة الأرض الموعودة:
حيث وصف أسطورة الأرض الموعودة بأنها أداة للاستعمار الدموي الذي مارسته إسرائيل تحت شعار ديني مزعوم يرجع إلى العهد القديم الذي فيه "سأعطى نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات" (سفر التكوين: الإصحاح 15 - الآية 18). ومن هذه الآية قيل في القراءة المتزمتة للصهيونية السياسية "إذا كنا نملك التوراة، ونعتبر أنفسنا شعب التوراة، فمن الواجب علينا أن نمتلك جميعًا الأرض المنصوص عليها في التوراة"(21).
وقد فند "جارودي" كل هذه التداعيات الخاصة بتلك الأسطورة معتمدًا في ذلك على أقوال سياسيين عظماء بالأدلة والبراهين ونستدل ببعض هذه التفنيدات التي ترى أن الأسطورة ليس لها أساس ديني باعتراف الحاخام (المربرجر) "الرئيس السابق للمجلس الأمريكي لليهودية في الولايات المتحدة الأمريكية" بقوله: "لا يمكن لأى إنسان أن يقبل الإدعاء بأن إنشاء دولة إسرائيل الحالية كان تحقيقًا للنبوءة، وبأن الله قد صدَّق سلفًا وبشكل تلقائي على كل الأعمال التي قام بها الإسرائيليون لإنشاء دولتهم والحفاظ على استمرارها"(22).
وقد أكد جارودي في نهاية هذه الأسطورة على أن الوعد الإلهي الموهوم يستغل سياسيًا ويتحول إلى صك من صكوك الملكية لخدمة أغراض غير توراتية.
ب- أسطورة الشعب المختار:
وفي هذه الأسطورة يرصد "جارودي" القراءة المتطرفة للصهيونية السياسية التي تسعى لإرساء عقيدة التمييز دون أساس تاريخي، فالأسطورة تؤكد أن الله ميز اليهود وحدهم بالعهد القديم، فيقول الحاخام "كوهين" في كتابه المعنون "التلمود": "يمكن تقسيم سكان العالم إلى قسمين: إسرائيل من جهة، والأمم الأخرى مجتمعة من جهة أخرى. فإسرائيل هي الشعب المختار هذه عقيدة أساسية"، لكن التوراة ذاتها لا تؤكد هذا الزعم، فهذه الأسطورة تتمثل في الإيمان دون أي سند تاريخي بأن عقيدة التوحيد ولدت مع العهد القديم. إلا أنه يستدل من العهد القديم نفسه، أن صاحبي المصدرين الرئيسيين لنص العهد القديم وهما المصدر اليهودي والمصدر الإلوهيمي لن يكونا من الموحدين، فهما لا يتحدثان إلا عن تفوق للإله العبراني على الآلهة الأخرى، بل وغيرته منهم(23).
جـ- أسطورة التطهير العرقي:
يرى "جارودي" أن هذه الأسطورة تم تلميعها بعد اقتباسها من سفر يسوع لإضفاء شرعية على سياسة التطهير العرقي في فلسطين، أو ما يسمونه الإبادة المقدسة وجعلها تكرارًا لما فعله الأنبياء وكأنه أمر إلهي. وكان نتيجة ذلك قصص المذابح التي أمر بتنفيذها "رب الجيوش"، ويؤكد جارودي" على أن السبب في اختيارنا إذًا- أي لهذه الأسطورة- أن استغلال ماضٍ أسطوري على هذا النحو يقود مستقبل عالمنا إلى ما يمكن أن يكون انتحارًا كونيًا"(24).
كما لجأ "جارودي" إلى علم الآثار ليؤكد أن الحفائر الأثرية برهنت على أن الإسرائيليين الذين وصلوا في نهاية القرن السادس عشر قبل الميلاد لم يستطيعوا الاستيلاء على أريحا لأنها كانت غير مؤهلة، ولهذا فمن المستحيل ربط تدمير أريحا بدخول الإسرائيليين وهكذا الحال مع باقي مدن الأسطورة.
د- أسطورة الهولوكوست:
لقد اتخذت هذه الأسطورة عدة مفاهيم منها الإبادة الجماعية وتعنى: القضاء على جماعة عرقية بشكل مخطط ودءوب بإفناء أفرادها، وتعرف أيضًا بأنها: شأنها شأن الوعد الإلهي في التوراة هي أحد الذرائع الأيديولوجية لإنشاء دولة إسرائيل ومنها "الهولوكوست" و "شواه"(25).
فـ"الهولوكست" في الأصل كلمة يونانية تعني "حرق القربان بالكامل" وكانت في الأصل مصطلحًا دينيًا يهوديًا يشير إلى القربان الذي يقدم للرفض على سبيل التضحية ثم يحرق تماما على المذبح، وهو طقس من أكثر الطقوس قداسة لدى اليهود. وفي العصر الحديث أصبحت الكلمة تشير إلى عملية إبادة اليهود على أيدى النازيين وربما كان المقصود من استخدام الكلمة على هذا النحو هو تشبيه الشعب اليهودي بالقربان والذي حرق تمامًا لأنه أكثر الشعوب قداسة(26).
وفي حقيقة الأمر لم ينكر "جارودي" المحرقة على الإطلاق، وإنما كان ينكر المبالغة في القول بإحراق خمسة ملايين من اليهود ويؤكد بالمصادر الموثَّقة على أن عدد اليهود في المحرقة يتراوح ما بين ثلاثمائة ألف إلى خمسمائة ألف، بالإضافة إلى وجود ضحايا آخرون من أجناس وديانات مختلفة على مستوى العالم كالعرب والمسلمين فلم تكن المحرقة لليهود فقط.
إن ما قدمه "جارودي" من أساطير سياسية قد اتخذت طابعًا دينيًا، يعد أكبر دليل على محاولة الغرب بشكل عام وإسرائيل بشكل خاص للقيام بتضليل عقول البشر لأغراض شخصية ذات منفعة سياسية. ولم يكن ما عرضته في هذا البحث هو كل الأساطير التي ساقها جارودي ولكن هذه بعض النماذج لتلك الأساطير التي صبغها الإسرائيليون بالصبغة الدينية ومن هنا وضح "جارودي" مدى الفائدة العملية من خلق الأساطير السياسية.
إذا كان "جارودي" من أولئك الفلاسفة الذين يرفضون الأساطير السياسية ويفضحونها، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود طائفة أخرى من الفلاسفة تدعو إلى استعمال الأساطير في السياسة من أجل تحقيق أغراضها وحتى تحمى هذه السياسة نفسها من الاضطهاد، فالتاريخ حافل بالعديد من أولئك الفلاسفة بداية من أفلاطون، كما ذكرت سابقًا، مرورًا بأرسطو والفارابي وابن ميمون وحتى "ليو شتراوس" ذلك الفيلسوف الذي دعا -وإن كان بشكل خفي- إلى استعمال "الأكاذيب النبيلة Noble Lies" في السياسة، والتي ترادف الأساطير المؤسسة لسياسة ما كما يرى "جارودي".
فقد اقترح "شتراوس" في كتابه "الاضطهاد وفن الكتابة 1952" وفي أجزاء من "ما هى الفلسفة السياسية ودراسات أخرى 1959" وأعمال أخرى بأن المثقفين الذين كانوا غير قادرين على إتباع الرأي السياسي السائد في عصرهم الذين تمنوا أن يكتبوا فلسفة سياسية أصيلة في النزعة النقدية، لجئوا في أغلب الأحيان، إلى التضليل، والاستعارة، والرمزية الباطنية، والأساطير للتعبير عن آرائهم. وعلى هذا فإن "الأساطير المفيدة Useful Myths" تعمل على بقاء التماسك الاجتماعي من خلال "النخبة المثقفة Intellectual elites" وقد كانت هذه الفكرة جذابة بالنسبة لشتراوس وأتباعه(27).
هدف "جارودى" من عرضه للأساطير السياسية:
إن الغاية من عرض هذه الأساطير وتفنيدها من وجهة نظر "جارودي" كما أكد في نهاية كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" أنه لا يقصد التهويل من شأن الجريمة -يقصد جريمة المحرقة- بل إثبات أن إصرار البعض على ترسيخ الأكذوبة حدا بهم إلى تلفيق وتزوير وقائع التاريخ بشكل متعمد ومخطط(28).
وبهذا كانت مهمة الفيلسوف هى محاولة كشف الحقائق والدفاع عنها وعدم تزويغ التاريخ وهنا يقول جارودى" إن نجاح -كشف هذه الحقائق- مرهون بعدم الخلط بين الأسطورة والتاريخ وعدم وضع نتائج مسبقة قبل الشروع في البحث... فالتاريخ، مثله مثل سائر العلوم لا يمكن أن يقوم على أحكام مسبقة أو مسلمات لا تُمس"(29).
ويؤكد "جارودى" هدفه من كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" قائلًا: "والهدف من كتابي هذا هو عرض حقائق تتيح للجميع أن يحكموا بأنفسهم على سوءات الصهيونية القائمة على الخرافة، والتي تسببت حتى الآن في إشعال لهيب خمسة حروب، مستهدفة في ذلك إلى الدعم المطلق من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها لا تزال تمثل تهديدًا لأمن وسلامة العالم، من جراء الدور الذي تلعبه قوى الضغط التابعة لها في التأثير إلى سياسات قوة عظمى مثل الولايات المتحدة(30).
وقد أشار "ابن خلدون" بما يتفق مع "جارودي" في مدى الاهتمام بالحقائق وكشف الأباطيل والأساطير، ويبدو أنه واعيًا في مقدمته لهذا المنزلق التاريخي والسياسي فعدَّ الأساطير والخرافات تزييفًا للتاريخ والحقائق، لذلك عمل على تنقية التاريخ السياسي من شوائبه الأسطورية التي تحول دون تحقيق الصدق التاريخي ومن ثم اعتمد في نظرته للتاريخ والاجتماع الإنسانى على التجميع والانتقاء ليخلص المادة التاريخية من الشوائب التي تتمثل في الخرافات والأساطير وفي ذلك يقول: "إن الأخبار إذا اعتمد فيها مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في المجتمع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومذلة القدم، والحيدة عن جادة الصدق. وكثيرًا ما وقع المؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في حكايات الوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل، غثا أو سمينًا، لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار. فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط(31).
هنا نجد "ابن خلدون" يدعو إلى التخلص من المغالطات والتهويلات والخرافات التي قد يحسبها البعض خبرًا يمكن إدراجه في علم التأريخ فهو يرفض هذه الزيادات والخرافات الأسطورية ويدعو إلى تمحيص الأخبار التي قد يصاحبها انحراف أو غفلة. وبذلك نجده يرفض من عدة قرون مضت الخرافات الأسطورية التي تعتمد عليها السياسة في تأويلها للأحداث والوقائع ويعتمد على ما يتوافق والعقل الإنسانى والعكس صحيح، وترجع هذه الأساطير التاريخية السياسية إلى استغلال السلطة لبساطة البسطاء من العامة وغيرهم ولجوءهم إلى التلفيق للأحداث والوقائع بأسلوب أسطوري وخرافي مشوق(32).
وبهذا يفسر ابن خلدون أحاديث ما يسميه بالخرافة المستحيلة إلى أن المراد منه هو التهويل وليس الحقيقة وهو يرفض أى خبر لا يقبله العقل حرفيًا أو تأويلًا.
وخلاصة القول، فإن ما قدمه "جارودي" من حقائق علمية موثقة -ويتفق معه الباحث في ذلك- قام من خلالها بكشف زيف وبطلان الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية يعد جهدا ليس بالقليل، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه كفيلسوف لا يمكنه أن يقضي على الأساطير السياسية ولكن كشفها وبيان حقيقتها، وفي ذلك يقول "كاسيرر": "إن القضاء على الأساطير السياسية أمر يفوق قوة الفلسفة، فالأسطورة بمعنى ما معصومة، ومنيعة أمام البراهين العقلية، ولا يمكن دحضها بوساطة القياسات المنطقية. ولكن الفلسفة تستطيع أن تؤدى لنا خدمة هامة أخرى. إنها تستطيع تعريفنا بأعدائنا. وكى تحارب عدوك عليك أن تعرفه. إن هذا أحد المبادئ الأولية في الإستراتيجية الصحيحة. ولا يعنى ذلك معرفة أوجه نقصه وضعفه فقط. وإنما هو يعنى أيضًا معرفة أسباب قوته. ولقد جنحنا جميعًا فيما مضى إلى الاستخفاف بهذه القوة. فعندما سمعنا لأول مرة بالأساطير السياسية، اعتقدنا أنها حمقاء وقاصرة ووهمية ومثيرة للسخرية إلى أبعد حد، بحيث يتعذر تصور تسلطها علينا، ومن ثم فليس هناك ما يدعو إلى النظر إليها نظرة جادة. واليوم قد اتضح لنا جميعا أن هذا خطأ بالغ. وعلينا أن لا نقترف نفس الخطأ مرة أخرى. فعلينا أن ندرس في عناية أصل الأساطير السياسية، وتكوينها وأساليبها وتقنيتها وعلينا أن نرى عدونا وجهًا لوجه حتى نعرف كيف نحاربه(33).
من كل ما سبق، يتضح لنا كيف اتخذت إسرائيل طابعًا دينيًا في سياستها مع غيرها من الدول، تُبيد به من تُبيد، وتقتل به من تقتل، وتنتهك به أعراض من تنتهك، ذاك الطابع الذي تتستر به في الخفاء بين أبنائها كي تحُثُّهم على القتل تحت هذه الراية الدينية العمياء، وإن كانت في العلن تتظاهر بغير ذلك. ولكن لم يخفَ على فلاسفة ومثقفين ومفكرين من أمثال: "جارودي" قراءة ما بين السطور في كتابات هؤلاء الصهاينة ومن على شاكلتهم، وهذه هي مهمة الفلاسفة في الكشف عن الحقائق، والبحث فيما وراء الواقع الظاهري.
 وفي النهاية: فمهما استطاع الإسرائيليون الصهاينة أن يُزيفوا من حقائق وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، إلا أن الحق ساطع كضوء الشمس في وضح النهار، فالقدس التي يريدون تهويدها، إن استطاعوا، لا يخفى على القاصي والداني أنها عربية لحمًا ودمًا، وأن إسرائيل هي العدو المغتصب.    

قائمـة المصـادر والمراجـع:
(1) الأسطورة: الخرافة، والأسطورة الحكاية ليس لها أصل، والجمع أساطير.
(2) www.wikipedia.com, May 2012.
(3) إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي: الموسوعة الميسرة للمصطلحات السياسية (عربى/انجليزى)، القاهرة، د.ت، ص 36.
(4) www.wikipedia.com, May 2012.
(5) آرنست كاسيرر: الدولة والأسطورة، ترجمة أحمد حمدي محمود، مراجعة: أحمد خاكى، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975، ص 370.
(6) خليل أحمد خليل: مضمون الأسطورة في الفكر العربي، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، 1986، ص 53.
(7) أفلاطون: الجمهورية، نقلها إلى العربية: حنا خباز، بيروت، دار القلم، ص109.
(8) ظاهر شوكت: الأسطورة السياسية ومخاطرها، الحوار المتمدن، العدد 1739، بتاريخ 19/11/2006.
(9) أفلاطون: مرجع سابق، ص 109.
(10) آرنت كاسيرر: مرجع سابق، ص 17.
(11) نفسه، ص 372.
(12) Cristoffer Kolvraa and Jan Ifversen: Myth and politics in European integration, the Myth of the father, Aarhts University, 2010, p. 4.
(13) Ibid, p. 5.
(14) محمد حسنين هيكل: مقدمة الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، تأليف روجيه جارودي، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الثانية، 1998، ص ص 5-6.
(15) نفسه، ص ص 6-11.
(16) روجيه جارودي: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، القاهرة، دار الشروق، الطبعة الثانية، 1998، نفسه، ص ص 15-16.
(17) Steven B. Smith: Reading Leo Strauss Politics, Philosophy, Judaism", Chicago, the university of Chicago press, USA, 2006, p. 58.
(18) روجيه جارودي: مرجع سابق، ص 20.
(19) نفسه، ص 17.
(20) نفسه، ص ص 19-20.
(21) نفسه، ص 41.
(22) نفسه، ص 49.
(23) نفسه، ص ص 54-55.
(24) نفسه، ص 64.
(25) نفسه، ص 200.
(26) روجيه جارودي: الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، مقدمة المترجم، ص ص 20-21.
(27) The Dictionary of modern American Philosophers, volumes 1, 2, 3 & 4, edited by John R. Shook and others, England, Theomes continuum, 2005, p. 2340.
(28) روجيه جارودى: مرجع سابق، ص 340.
(29) نفسه، ص 339.
(30) نفسه، ص 326.
(31) عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، حققها وقدم لها وعلق عليها عبد السلام الشدادي، الجزء الأول، خزانة ابن خلدون، بيت الفنون والعلوم والآداب، الدار البيضاء، 2005، ص 14.
(32) مراد عبد الرحمن مبروك: ثقافة الأساطير السياسية إلى أين ؟ مجلة 

سطر المعرفة.
Web Master at arabbat.com. 2012
(33) آرنست كاسيرر: مرجع سابق، ص 390. 

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة