التأثير النموذجي أو الجواب الحاسم للفشل الدراسي

الفصل الثالث من كتاب : Construire des compétence dés l'école ل: Philippe perrouneud
ترجمة: محمد بعدي
إن أي إصلاح للنظام التربوي لن يشكل رهانا كبيرا إلا إذا كان مفيدا، قبل كل شيء بالنسبة للتلاميذ الذين لا ينجحون داخل المدرسة، ويمكن دون شك السعي إلى التحديث واللامركزية أو الاحترافية الواسعة لمهنة المدرس، دون أن نضع بالضرورة صعوبات التعلم في قلب المشروع  ويبقى أن أهم مشكل مدرسي يقف أمام الإصلاحات المتتابعة منذ عقود، هو صعوبة تكوين كل الشباب، إن لم يكن بشكل متساو فعلى الأقل بشكل يجعل كل واحد يصل في نهاية سن الرشد إلى مستوى مقبول من الثقافة والكفاية في عالم الشغل، كما في الحياة عموما.
إن التلاميذ الأكثر تميزا برأسمالهم الثقافي والأكثر تأطيرا من طرف عائلاتهم يتابعون مسيرتهم كيفما كان النظام التربوي, أما التلاميذ" المتوسطون" فينتهون بالتخلص بلياقة، وقد يكون الثمن حدوث تكرار أو تغيرات في التوجيه, إلا أن مصير التلاميذ الذين يواجهون صعوبات حقيقية هو ما يجب قياس فعالية الإصلاحات بشأنه، فهل هناك ما سيربحونه في إطار تحديد مجدد للبرامج انطلاقا من مفهوم الكفايات؟
قبل الستينيات لم يكن هنالك انشغال بالفشل الدراسي الكثيف لأبناء الطبقات الشعبية كان الأمر يساهم في الحفاظ على النظام العام للأشياء ، بل كان فوق ذلك مقنعا، مدة طويلة، بواسطة بنية دراسية تقيم جنبا إلى جنب شبكتين متقاطعتين؛ إحداهما شعبية، منفتحة على الحياة النشيطة والأخرى نخبوية تهيئ للدراسات الطويلة الأمد { إيزامبير، جماتي 1985 Isambert jamati } ومنذ أن اصبح للنظام التربوي دورا سياسيا في المجتمع وتم اعتبار التربية كاستثمار أصبح الفشل الدراسي الكثيف مشكلا داخل المجتمع. إن الإصلاحات الدراسية تطمح بانتظام إلى التصدي للامساواة أمام المدرسة، من أجل "دمقرطة التعليم" بشكل أفضل والحال، أن نسب التمدرس قد ارتفعت, والدراسات قد صارت طويلة الأمد, و المهم يتجلى في أن الفشل يدفع البعض في اتجاه شعب أقل لزوما، إنهم "يمرون إلى النفق المسدود"، إنهم يقبلون على الحياة النشيطة أو البطالة، بدون شهادة، أو بحمولة قليلة أما الآخرون فيسيرون في الطريق المفروش بالورود إلى الدراسة الطويلة الأمد، يغادرون النظام التربوي ومعهم شهادات جامعية، إن مظاهر اللامساواة تم تعديلها لأن الطبقات الاجتماعية تحولت، والتمدرس تم تطويره بشكل شمولي، لكن علاقة النجاح الدراسي بالأمل الاجتماعي تظل دائما قوية، وينقسم الباحثون اليوم بخصوص مسألة معرفة ما إذا كان الفشل الدراسي هو فشل التلميذ أم فشل المدرسة، فمن الموقف الذي يؤسس تصوره على ما يمكن تسميته بأيديولوجيا الموهبة التي تعطي الشرعية لعدم القدرة على التكوين بالنسبة لغير الموهوبين، مررنا إلى موقف يرى أن العملية التعليمية تتعرض إلى "عوائق سوسيو ثقافية", ثم إلى الأخذ بالاعتبار اعتباطية المعيار الدراسي، واللامبالاة بالاختلافات، وبوظائف نظام التعليم في إعادة إنتاج الطبقات والتراتبات الاجتماعية، فمنذ السبعينيات وايديولوجيا الموهبة، والبيداغوجيا التعويضية والنقدية الراديكالية للنظام تتعايش حسب الأماكن والمراحل، وتتجاهل بعضها البعض بلطف، وتتواجه بشكل خفي أو تتعارض  علانية بحيث أن الإصلاحات الدراسية التي تدعي أنها قادرة على التصدي للفشل الدراسي كانت خديعة في نظر بعض المدرسين، في حين أنها في نظر آخرين أعطت فرصة حقيقية من أجل تطوير دمقرطة التعليم.
إذا كان الإصلاح التربوي مقبولا وتم العمل به، فترتبت عنه إلى حد ما نتائج، فلأنه يكون مدعوما بالنسبة لجزء كاف من الرأي العام، من الطبقة السياسية  ومن رجالات التعليم، إنه يتأسس إذن بالضرورة على التحالف والتراضي، بحيث أنه يشبه شيئا ما فندقا إسبانيا، لهذا لا يكفي القول بأننا نتبنى مقاربة تعتمد مفهوم الكفايات بل يجب القول لماذا، وما هي العلاقة التي تجمع بين الكفايات والفشل الدراسي.
سوف أدافع عن الأطروحة التالية: إذا لم تتحول الأبعاد الأخرى للنظام التربوي، إذا لم يتغير أي شيء آخر سوى البرامج، واللغة التي نتكلم في إطارها عن غايات المدرسة، فإن المقاربة بواسطة الكفايات، أو بصيغة أكثر شمولية، إصلاح برامج المدرسة، سوف تزيد الطين بلة، ولن تشكل سوى طارئ في حياة النظام التربوى.
إن النصوص الجديدة حول المدرسة الفرنسية في بلدان أخرى تكدس جزءا هاما لما يمكن تسميته نظرة ذكية حول البرامج الدراسية انطلاقا من دراسات علوم التربية في اقتراحات الحركات البيداغوجية، إن النصوص الوزارية الأكثر تعقيدا اليوم مكتوبة أو مستوحاة من القسم الأكثر تقدما، الذي هو مجال أولئك الذين يتصورون المضامين والتطبيقات من خارج الأقسام، هل هذا يكفي؟ هل البرامج الجديدة التي يكتبها مفكرون أكثر مما يكتبها رجال القرارات والمسيرين يمكن أن تترجم إلى تغيير حقيقي للتعليم؟
إن المسألة تتعلق بقوة المعرفة النظامية والإرادة السياسية، فمن العبث في نظري تأسيس آمال كبيرة حول مقارنة بواسطة الكفايات إذا لم نتمكن في نفس الوقت من:
أ- إعادة بناء التحويل الديداكتيكي 
ب- ملامسة التخصصات وشبكات التوقيت
ج- عدم المطابقة بين سلك دراسي وتوقعات تابعه
د- إيداع طرق جديدة للتقويم.
هـ-بأن الاعتراف بالفشل ليس تشييدا فوق الرمال
و- تمييز التعليم
ز- تغيير تكوين المدرسين
إن هذا الإحصاء يبدو بدون شك مثبطا، إنه يسعى ببساطة إلى أن يبرز أن المقاربة التي تعتمد مفهوم الكفاءات سيكون لها معنى أكبر بربطها بسرعة وبوضوح بعدد من المكونات الأخرى للنظام التربوي.
لنعالج كل نقطة على حدة:
إعادة بناء التحويل الديداكتيكي:
إن التحويل الديداكتيكي تابع للتحولات التي تمرر من الثقافة السائدة داخل المجتمع (معارف، ممارسات قيم...) إلى ما يستمر داخل الأهداف والبرامج المدرسية، وداخل المضامين الفعلية للتعليم والعمل الدراسي، وأخيرا، وفي أحسن الحالات، إلى ما سيحتفظ به جزء من التلاميذ "في أذهانهم" { فيري Verret 1965، شوفالار  1991 ، ديفلاي 1992، أرساك وأل 1994، ريسكي وكايو 1996} .
إذا أردنا الاشتغال على الكفايات يجب على الأرجح الرجوع إلى أصل هذه السلسة والانطلاق بالتساؤل حول الوضعيات التي سيواجهها التلاميذ حقا داخل مجتمع يتربص بهم، فمنذ زمن طويل، ـ والآن أيضا ـ كانت المدرسة مصممة بشكل موسع بواسطة مفكرين ورجال سلطة ومعرفة، هؤلاء كان لديهم انطباع ب "معرفة الحياة" لكنهم في الوقع كانوا يستندون على تمثلاتهم الشخصية، التي يغلفونها برؤية معيارية للطبقات الشعبية، أي الطبقات "المستهدف تعليمها".
في القرن 19، وبشكل كاريكاتوري تقريبا، أقرت الطبقات المهيمنة برنامجا إنسانيا حقيقيا لتنشئة وتهذيب أخلاق الطبقات التي كانت تدعى "خطيرة" [شوفالييchevalier 1978]، ربما كان يجب إذن السماح بتحديد برامج دراسية توافق تجربة حياة الطبقات المكونة لأن التعليم كان يستهدف تلقين الأفراد قيم ومعارف مكتسبة في إطار مجتمع صناعي في طريق النمو، يجب أن يشتغل تقريبا على أسس جمهورية، إن البرامج لم تحول إلى التربية الدراسية، ثقافة وقيم البرجوازية, ولكن فقط ترجمة مبسطة ومعيارية مخصصة للطبقات الشعبية، أما الطبقات المتوسطة فقد ظهرت بصعوبة.
هل البرامج الدراسية تتغذى من معرفة بالمجتمع؟ نستطيع الشك في ذلك، كيف تصنع إذن هذه البرامج؟ يتم جمع خبراء حول طاولة، يناقشون ويتداولون نصوصا، إنهم يبحثون عن الأفكار داخل أذهانهم، وداخل تجاربهم في المدرسة، فيما اكتسبوه من معارف، في عملهم، لكن دون أي اعتبار منهجي لحياة الناس في تمايزها، عندما يستلهمون الحياة فإن الخبراء –كأي كان- لا يعتمدون أدوات بحث، إنهم يعودون إلى شبكات معارفهم الداخلية، أي المجالات الاجتماعية الأقرب إليهم. لنأخذ مثالا: الآن بالنسبة لفئة من الناس فإن العمل غير الدلالات، إنه لم يعد في مركز الوجود, هل أولئك الذين يقومون بإصلاح البرامج (ويشتغلون غالبا حتى 150%) قادرون على تصور حياة قائمة على مهن صغيرة أو على مراحل طويلة من البطالة؟ هل يستطيعون تصور القدرة على اختيار العيش بهذه الطريقة؟
من أجل تكوين يعتمد مفهوم الكفايات بصدد مختلف وضعيات الحياة، سيكون من الحكمة عدم التصرف وكان الأمر معروف، بل من الأفضل اعتماد مسيرة في البحث، للحصول على أفكار حول الوضعيات التي تواجه أو ستواجه الناس في حياتهم، في العمل, خارج العمل, أو بين مهنتين. إننا نعيش، مثلا، في فترة، لا يمكن لإنسان أن يترك حقيبته دقيقتين داخل بهو المحطة, دون الخوف من التعرض للسرقة، إن كل واحد في المدينة، يتعلم كيف يحمي ممتلكاته لأنه يتعايش مع أناس لا يمكن أن يثق فيهم، لنفكر في وضعيات واقعية، في علاقات اجتماعية تتطور في المدينة: العمارات، العمل، أوقات الفراغ... عناصر عديدة لإمساك بتطور الممارسات الاجتماعية وبالتالي نوعية الكفايات التي تتطلبها.
إن الدراسات المستقبلية تقع في مجازفات كبيرة، وتجارب السنوات الأخيرة تؤكد ذلك، وبالتأكيد فتحليل التغيرات التكنولوجية الراهنة او المتوقعة يمكن أن تساعد على إبراز جزء من المشهد: وسائل الاتصال الجماهيري، والواقع الافتراضي،و شبكات التواصل المتعلقة بالكواكب، والأنظمة المخبرية القادرة على الإحاطة بالأنشطة الإنسانية الأكثر تعقيدا، والهندسة الوراثية، كل ذلك يشكل جزءا من الاستباقات والتحاليل المغذاة بواسطة ما نتوقعه من تطور التكنولوجيات، مع جزء من التبسيط والزيغ الذي يفترض ذلك. منذ 15 سنة، كان البعض يقترح أن ندرس "البازيك" BASIC في المدرسة الابتدائية، والآن يريد البعض من المدرسة ان تعلم "surper sur le web" بفضل الإنترنت، إنها أشكال مسبقة من التعليم لا مستقبل لها.
إن الاستباق التكنولوجي سيكون عبثا إذا بقيت نفس الأدوات الراهنة، سوف تتطور الوسائل التكنولوجية قبل أن تكون البرامج الدراسية قد "تمثلتها" لا أحد: مثلا كان يتوقع قبل عشرين سنة انتشار المعلومات المصغرة في كل الأنشطة الإنسانية، ولا مركزيتها. لقد تم تصور إعلاميات ممركزة كأخ أكبر "Big Brohier" تراقب كل واحد، غير ان الانترنيت تبطل التشريعات، والحدود والشرطة... وحتى في هذا المجال تؤكد التجربة بأننا، نستطيع في الأحسن، التهيئ لطرق تفكير ومعالجة المعلومات، لكن المطلوب هو إنجاز عمل مفاهيمي واسع حول التكنولوجيات، إذا أردنا بلورة نوعية الكفايات التي يجب تعليمها في المدرسة.
إن الحياة تتحول أيضا في عدة وضعيات أخرى، ألم يحن الوقت للكشف عنها؟ ولتعويض التفكير النظري والمثالي الذي يقود إلى إنجاز برامج دراسية، بانتقال ديداكتيكي مؤسس على تحليل مستقبلي وواقعي لوضعيات الحياة؟.
إن أغلب الناس لديهم من المشاكل الميتافزيقية والوجدانية، بقدر ما لديهم من مشاكل الشغل، والسكن، والمال، ولمعرفة ما سيواجهونه فعليا خلال القرن 21، سيكون من المفيد ملاحظة تطور الأخلاق العائلية، والجنسية والسياسية، أو تحولات العمل. إن العلوم الاجتماعية تساعد في دراسة حياة الناس، والجماعات الإنسانية، ويكون في مقدورها مساعدة الأنظمة التربوية على تصور أفضل للمستقبل، والعمل على التهيئة له.
كيف نعمل بهذه المعارف حول الممارسات والثقافات المنبعثة من منابع الانتقال الديداكتيكي، كيف نقرؤها "كعائلات" لوضعيات تتناول كفايات قابلة للتحديد؟ بدون شك، يجب الانطلاق من القطع مع فكرتين تبسيطيتين:
الأولى ستكون تهيئ التلاميذ للارتباط برؤى محددة لما ينتظرنا.
الثانية ستكون تحديد التكوين في عدد صغير من الكفايات الممتدة والعامة جدا، حيث تجري كل الممارسات الفعالة بواسطة التمايز والتعميم.
لمواجهة وضعيات مختلفة يجب ان تكون الكفايات نفسها مختلفة، إنها لا تتشكل عن طريق الانتقال البسيط لبنيات عامة للتفكير،و للتحليل،و للبرهنة، والدقة. إن المدرسة لا تستطيع التهيئ لاختلاف العالم إلا بالعمل بوضوح بالمزاوجة بين المعارف والكفايات بخصوص وضعيات متعددة في الحياة، إن تحويل منزل وتخطيط سكن متجمع, وخلق جمعية، وإيجاد واتباع نظام غذائي وتأثيت والقيام بجولة في أوربا من أجل بعض المال، والحذر من السيدا دون الانكماش على الذات، وإيجاد المساعدة في حالة الصراع او الكآبة والفهم دون الاستلاب... وعدد من المشاكل التي يجد الأفراد أنفسهم أمامها مجردين، بدل أن تكون لديهم المعارف، وبالخصوص المناهج، والتداريب على حل المشاكل، على التفاوض، على التخطيط، او بكل بساطة على البحث عن معلومات ومعارف ملائمة.
- الفصل بين المواد الدراسية: أن نعترف بأن الكفايات/ المفاتيح ليست سهلة التحديد فهذا يقوي الفصل بين المواد الدراسية، بعد كل شيء، إذا كانت الكفايات نظامية بشكل أساسي، لماذا لا يتم الحفاظ على شبكات وقتية وتخصصات متفق عليها؟.
إن بعض الكفايات التي يجب تكوينها تكون نظامية بوضوح، في حين أن أخرى، دون أن تكون حقا ممتدة توجد، على الأقل في ملتقى تخصصين أو ثلاثة. هكذا فالنشاط الذي يقوم به بالشراكة أستاذ العلوم وأستاذ الفرنسية حول الكتابة العلمية (التجارب- تقرير الملاحظة...)، يمكن أن يطور كفاية، دون أن تكون ممتدة، لا تنتمي بشكل خالص لا إلى العلوم ولا إلى الآداب, إذا كان من الواجب التخلي عن أطروحة الكفايات الممتدة التي تحتضن على الدوام كل التخصصات وكل أجزاء الحياة، ويمكن بالمقابل الذهاب أبعد من ذلك,و الربط بين تخصصات متجاورة، تلك التي تشمل حقولا أكثر تقاربا، مثل:البيولوجيا والكيمياء، أو التاريخ والاقتصاد، و يمكن أيضا كما في المثال السابق المزاوجة بين عدة تخصصات, حيث يعطي أحدها التمكن من آليات التعبير التي تسمح بالتواصل أحسن, وبتقعيد مضامين الآخر، إنها ليست محاولات كثيرة الطموح، إلا أنها مع ذلك تقتضي أن يجازف الاختصاصيون خارج مجالاتهم الخاصة، وأن يشتغلوا على المشاكل من نواح متعددة تتجاوز تخصصاتهم، يمكن مثلا، أن يكون أستاذ الفيزياء، عندما يتعلق الأمر بمشاكل الكتابة أقل كفاءة من بعض تلامذته، ومؤكد أيضا ان أستاذ الفرنسية يحس مبدئيا أنه غير كفء في الفيزياء، وهو الذي اختار الأدب بالضبط لأنه "كان يكره الرياضيات", يجب عليهما تجاوز ما لديهم من تمثلات حول الصورة التي يجب ان يكونوا عليها وحول شرعيتهم، ولا يجب أن يحرجهم عدم التمكن من بعض المعارف أحسن من تلاميذهم.
في بعض الثانويات التجريبية يخصص نصف الوقت الدراسي فقط لمضامين التخصصات المنظمة وفق شبكة زمنية اتفاقية، وبالنسبة لما تبقى من الوقت، يتم العمل من خلال مشاريع مترابطة،ويصبح الأساتذة منشطين وأشخاص- مصادر، وتكون المعارف النظامية مندمجة في مسار المشروع، بمعنى، بطريقة غير مكتملة، و غير مخططة،و غير نسقية،و سريعة و"جدية قليلا". يمكن القول بعفوية، إنها تؤخذ من نص معرفي يبدو منتظما بشكل جيد، في المقابل فالمعارف ستكون منشطة داخل وضعيات ملائمة، حيث تصبح أدوات حقيقية أكثر منها مواد للامتحان، حيث يكون لديها معنى...
- تكسير الحلقة المفرغة:
تاريخيا، كانت البرامج الدراسية تحدد دائما بواسطة توقعات النظام التعليمي اللاحق، وبدقة أكثر بواسطة المسالك الأكثر ضرورة، بهذا المعنى فكل أقسام الدرجة الثانية تكون "إعدادية": حيث ينبغي الالتزام بما ينتظره السلك الدراسي المقبل أكثر من التفكير في الواقع والحياة، وللأسف فأولئك الذين لا يصلون لهذا السلك الدراسي أولا يلجون الشعبة بامتياز فإنهم يمتثلون للأمر الواقع، إن هذا المنطق يدخل في إطار خلق النخب عن طريق توقع ومعرفة مصير المتفوقين من التلاميذ، واليوم أيضا، داخل بعض الأنظمة، التربوية، هناك إدعاء الحفاظ على اليوناني القديم كتخصص ضروري و يقدم لتلاميذ، فرنسيين بحجة أن من يقومون بدراسات كلاسيكية يجب ان يتلقنوا، ما أمكن ذلك، اللغات والثقافات اليونانية اللاتينية، التي سيدافعون عنها بحماسة، فيما بعد، بالنسبة للأجيال اللاحقة.
بهذا المنطق، تكون مهمة المدرسة الابتدائية ليست التهيئ للحياة، ولكن للمرحلة الإعدادية، وهذه بدورها  تهيئ للثانوية، وهذه الأخيرة تهيئ للجامعة، ومن ثمة تكون الغاية هي التهيئ للبحث. ولقبول هذا  الخطاب يجب تجاهل كون ثلاثة أرباع من المتخرجين من الجامعة لا يقومون بالبحث، كما أن ليس كل أولئك الذين أكملوا الدراسة الثانوية سيذهبون إلى الجامعة... الخ. هذه أوهام توجد في الواقع، فعلى مدى مجموع الدراسات الجامعية لا يتم الرجوع إلى وضعيات الحياة، بل إلى المرحلة اللاحقة من التمدرس. إن المدرسة تعمل إذن بشكل واسع، في حلقة مفرغة، وتهتم فوق ذلك بالنجاح في الامتحانات, أو القبول في سلك الدراسات اللاحقة ؟أكثر من استعمال المعارف الدراسية داخل الحياة، إذ المدرس يستطيع النجاح في مهنته دون أن يحس أبدا بأنه مجبر أو حتى مطالب بالتساؤل حول العلاقة الموجودة بين البرنامج الذي يدرسه والحياة.
- إبداع طرق جديدة للتقويم:
إن التقويم أكثر حسما من البرامج داخل مسار التعليم، ولا نستطيع أن نقوم إلا ما درسنا بشكل عام، وإلا فإنه الفشل المحقق،و أكثر من ذلك فكل مدرس له فائدة قبل كل شيء في تدريس ما يعتبره الأساتذة الذين سيستقبلون تلاميذه في السنة القادمة كشرط لما سيدرسونه، وما قد يلاحظونه من فراغ، عن طريق التغيرات التي قد يكتشفونها من خلال تجاربهم الأولى، إن المدرسين يحكمون انطلاقا من التقويم على عمل زملائهم من خلال البرنامج الدراسي وهذا العقد المضمر الذي يربط بين المدرسين في مختلف مراحل التقسيم العمودي للعمل الدراسي، أكثر أهمية من التفكير، وحتى من البرامج لذلك فإن طول البرامج يغير النصوص أقل من أن يعمل على تأويلها، والاتفاق حول البرنامج الدراسي، فكل مدرس يفكر في زميله الذي سيستقبل تلاميذه، أكثر من المفتش الذي يزوره باستمرار. إن زميله "العزيز" هو الذي سيلاحظ عدم قيامه بإنجاز "كل البرنامج", ولو لم يكن هذا البرنامج معمولا به منذ خمس عشرة سنة، او لم يكن واردا داخل أي نص: إنه هو الذي يطابق حلم كل أستاذ، وكل ما يجب أن يعرفه تلاميذه عندما يدخلون إلى القسم، حتى يستطيع التدريس بهدوء، ودون أن يكون في حاجة لإصلاح الثغراث او الهذيانات الداخلية، ودون مواجهة أي تباين قوي.
إذا غيرنا البرامج الموجودة داخل النصوص، دون مقاربة تلك التي توجد في الأذهان، فإن المقاربة بواسطة الكفايات لن يكون لها مستقبل. إن أجزاء البرنامج والتخصصات بكاملها،التي ليست لها قيمة, ولا تتم معالجتها بشكل جيد، هي تلك التي يكون التقويم بشأنها واضحا، وغير ضروري، ولا شرعي، ولا حاسم في النجاح، بالمقابل فالبرامج الانتقائية في التخصصات الأساسية هي التي تستدعي عملا أكثر وتكرارا أكثر وتقويما أكثر. إن التقويم في عمقه هو الرسالة الحقيقية، فالتلاميذ يعملون ليقوموا بشكل صحيح، والمدرسون يعملون ليظهر تلاميذتهم بمظهر مشرف [بيرونو 1997c, 1996a, 1995 a, 1993, Perrenoud].
إن المقاربة بواسطة الكفايات إذا لم تحول إجراءات التقويم، أي ما نقومه، وكيف نقومه، فإن حظوظها قليلة من أجل السير في الطريق الصحيح, وسيكون من الأفضل إصلاح البرامج وإجراء التقويم في نفس الوقت، هذا ما يجب أن يكون مسلما به, لكن عادة لا نفعل ذلك، بل إنه أمر استثنائي أن نجد نظاما تربويا يعيد التفكير في التقويم والبرامج في نفس الوقت، لأن الأمر يهم متخصصين آخرين، ولجان أخرى وحسب روزنامة (تقويم) أخرى.
إلى أي تقويم تعود المقاربة بواسطة الكفايات؟ لا يتعلق الأمر فقط بالتفكير في تقويم مشكل، رغم أن المسألة ضرورية في إطار بيداغوجيا للوضعيات- المشاكل، أو في إطار سير البرامج، إن التلاميذ عندما يتعلمون حسب هذه المناهج فإنهم يكونون بالضرورة في وضعية الملاحظة التكوينية مجتدبين إلى مواجهة طرق عملهم، والاستغراق في تبادل ردود الأفعال،و في هذه الحالة، فالتقويم لا يقوم على مكتسبات, ولكن على سيرورة متواصلة في خضم سلسلة من التفاعلات، والتفسيرات، والترددات المتتابعة.
إنه يبدو مستحيلا تقويم الكفايات بطريقة موحدة، إذن يجب الترحم على التجريبية الدراسية الكلاسيكية كنموذج للتقويم، يتخلى عن تنظيم "اختبارات حول الكفايات" بوضع كل"المتنافسين على نفس خط الانطلاق، إن الكفايات تقوم بالتأكيد، لكن في ظل وضعيات يكون بعضها أكثر فعالية من الآخر، حيث لا يقوم الكل بنفس الطريقة و في نفس الوقت، بالمقابل، فكل واحد يعطي أكثر ما لديه لكي يظهر ما يملك من معرفة، وتفكير قوي، وابتكار ومجازفة، وهذا يسمح بأن تكون النتائج المحصل عليها منطلقا لتقويم الكفايات.
إلا أن هذه النتائج ستكون مشبوهة، خصوصا إذا كانت المدرسة والمدرسون لا يوضحون ولا يتداولون عقدا آخر للتقويم، بدون جداول ولا مباريات، وسيكون على التلاميذ وأوليائهم, قبول حكم المدرس على الكفايات بشكل شمولي في هذه الوضعية، كما هو الأمر في التكوين المهني، لأنه هو الذي يستطيع المعاينة، ويستطيع تقويم، مهارة البناء انطلاقا من "أول لبنة في الحائط"، إن هذا الأستاذ لا يلجأ إلى المقارنة بين التلاميذ عند التقويم، لكن يجب أن تكون هناك مقارنة بين العمل المنجز، أي ما قام به التلميذ، وما سيقوم به لو كان أكثر كفاءة.
إننا لا نبتعد جذريا عن مسألة "الأحسن ينجح" وكل واحد يعاني نفس المحنة في شروط متشابهة، ومن وجهة نظر الأستاذ، فالفرق بين التقويم التكويني والتقويم الإجمالي في تناقص، لأنه يأخذ في الاعتبار نفس مؤشرات الكفايات، في مراحل مختلفة من التكوين, مع العلم أنه في نهاية السنة الدراسية، يكون التقويم إجماليا، يبقى أنه يجب أن يكون هناك تمفصلا بين منطقي التقويم[ بيرونو Perrenoud 1997c]. حيث أن أحدهما يتطلب الثقة في حين أن الآخر يعارض بين المقيم والمقيم، إن المقاربة بواسطة الكفايات لا تحل المعضلة، لكنها تسجل وظيفتي التقويم داخل وضعيات مشتركة ومناخ آخر للعمل.
ففي مجال التكوينات المهنية, وتربية الراشدين تكتمل الملاحظة المناسبة, بواسطة الأخذ بعين الاعتبار لمجموعة صور جامعة لأعمال, أو آثار أنشطة متراكمة حول مرحلة أكثر طولا، والتي تشهد على الكفايات عن طريق بعض منتوجاتها، يمكن أن نستحضر أيضا البحوث, والملفات, و"لتحف" التي يسمح تحويلها بمكتسبات التكوين الطويل، بنمو فكرة تركيبية للكفايات التكوينية.
لا يوجد اليوم بديل وحيد لنظام الاختبارات وامتحانات المعارف، إن الأنظمة التربوية تبحث بالضرورة عن استعادة شيء بسيط واقتصادي أيضا، وسيكون من الحكمة التخلص منها بسرعة لجعل الضرورة فضيلة: إن تقويم الكفايات لا يمكن أن يكون إلا معقدا، مشخصا، متداخلا مع عمل التكوين.
الاعتراف بالفشل، ليس تشييدا فوق الرمال:
إن المدرسة تنتقي، تصنع الفشل، بطريقة تخفي غالبا فشلها، إنها تعتبر التلاميذ عارفين للقراءة بشكل جيد، لكن نسبة مهمة من كل جيل لا تصل, أو لا تحافظ على هذا المستوى من امتلاك القراءة {بنتوليلا Bentolila 1996} ماذا نفعل بهذه المعاينة المحزنة؟ لاشيء حاسم، لاشيء ينفذ إلى صميم المشكل، ويغير الوضعية خلال خمس أو عشر سنوات.
قد يحدث أن يعترف الأطباء بإخفاقهم، ويكتفون بمواكبة فرض لا يشفى، غير أنه قبل الوصول إلى هذا الحد، فإنهم ـ عموما ـ يكونوا قد "فعلوا كل شيء", نستطيع أن نقول ذلك أيضا عن المدرسة، حيث التنظيم نفسه يحول دون محاولة كل شيء، ففي نهاية كل سنة دراسية يتم استخدام قياسات خاصة واسعة،و أصيلة بالنسبة لفئة من التلاميذ، لكن ما الذي يتم القيام به؟ إن الأكثر ضعفا يكررون، كما لو أن ذلك هو الحل، أما الآخرين فيمرون إلى الدرجة الموالية، كما لو أن الأمر يتعلق بضمان تعليم قوي.
إن تطوير الكفايات لا يكمن في الاكتفاء بإنهاء البرامج "ولكن العمل بجد ومثابرة على بناءها واختبارها" فالبرنامج الذي لا طائل منه يعرض للمشاكل، والمشكل أن الفعل البيداغوجي لا يصل إلى هدفه، ومن هنا يجب المعاندة ، دون القيام ب"أكثر من اللازم" أثناء البحث عن استراتيجيات جديدة، والحال أن البرامج وليس واضحة حقا من أجل تطوير تكوين تدريجي للكفايات، إن التلاميذ تتم ترقيتهم من درجة إلى أخرى، في حين أن الأسس الضرورية لا يتم التمكن منها.
إن خلق أسلاك للتعليم يعتبر من هذا المنظور، تقدما، لأنه يضع حدا لمبدإ "برنامج- مستوى"، حيث "ما تم القيام، لا يجب القيام به"، كما لو تعلق الأمر ببناء منزل، يقول العمال:"لسنا نحن من بنى الطابق الأول، ليكن الأمر كذلك، لكن لنبني الثاني على نفس المنوال"، إن أي بناء لن يعيش في العمى، والحال ان المدرسة تشتغل بهذه الطريقة، كل واحد "يقوم بما يجب عليه القيام به" مع العلم أنه غالبا يبني، إن لم يكن فوق الرمال" فعلى الأقل على أسس هشة. إن التقسيم العمودي للعمل البيداغوجي هو ذلك الذي لا نحس حتى بكوننا مرخص لنا من خلاله بإعادة بناء ما سبق. في الواقع يمكن القول بأن المدرسين لا يتلقون تعويضا عن ذلك، إن المقاربة بواسطة الكفايات يجب ان تسمح زيادة على ذلك بالاستمرارية، وهذا مبرر لربطها بأسلاك متعددة السنوات حيث يتم استدخالها في كل مكان, في المدرسة الابتدائية، وفي بعض البلدان, في المرحلة الثانوية.
للاشتغال بالكفايات يجب تحديد هدف للاستمرارية طيلة ثلاثة سنوات على الأقل، فطيلة سلك ما, يصبح كل الأساتذة محاسبين فيما يخص تكوين "كفايات نهاية السلك"، ويتدخلون من أجل تسهيل التطور كلما استدعى الأمر ذلك، هذا التطور لا يجب أن يؤدي إلى تصور أن السلك اللاحق يتكون من كفايات أخرى، يجب بالأحرى تصور المهارات ككيانات نبدأ القيام بها في مستوى معين من مجموع الدراسات، وتشيد من ذلك الوقت حتى التكوين الأولي، من أجل تصحيح المكتسبات وتدعيمها على الأقل، ولتعالج بدل أن تبقى ناقصة.
إن مدخل أسلاك التعليم خطوة في اتجاه بيداغوجيا للكفايات، وليس هناك أي خطر عندما يسعى كل سلك إلى اعتماد كفايات متميزة، عن جهل بانتمائه إلى مقاولة تربوية ذات نفس طويل، تغطي كل الأسلاك, من أربع إلى ست عشرة سنة. بهذا المعنى فالحديث عن "كفايات نهاية السلك" هو اختزال مؤسف, بل يمكن القول أنه "مستوى متدن يتم السعي إلى تطويره في نهاية السلك داخل مجال الكفايات عن طريق التمدرس الإجباري".
يمكن في هذا الإطار أن نتصور مدرسة أساسية تستمر في تعليم القراءة لتلاميذ كبار، لم يتمكنوا منها فيما قبل، فلن يكون مدهشا ألا يصلوا إلى نتائج فيما بعد. لهذا الحد يصل اللاتطابق بين وسائل التعليم وواقع التلاميذ. إن المقاربة بواسطة الكفايات تؤكد أيضا ضرورة التمييز في التعليم، وتفريد مسارات التكوين، والقطع مع تقسيم مجموع الدراسات في إطار البرامج السنوية.
- التمييز في التعليم:
عندما يعامل التلاميذ كمتساوين في الحقوق والواجبات، دون مبالاة بالاختلافات [بورديو 1966 Bourdieu]، كالاقتصار على تعليم نخبوي مثلا، يسمح، بالطبع، للتلاميذ المحظوظين بالتعليم بسرعة وأكثر من الآخرين، فهذا النوع من التعامل يحول اللامساواة الأولية أمام الثقافة إلى لامساواة أمام النجاح المدرسي، وفيما بعد إلى لامساواة في الرأسمال الدراسي المحصل سابقا، وإلى لامساواة جديدة في التعليم، فتميل الفوارق إلى التفاقم، وهذا يدخل في تشكيل الفشل الدراسي, وتراتبيات التفوق. إن التمييز في التعليم، كيفما كان النظام الموجود والتوجيه النظري يواجه هذا الميكانيزم،و يحاول تحييده بواسطة شكل "التمييز الإيجابي" أكثر أو أقل فعالية، [ميريو 1990a بيرونو 1997 b, 1996b,d et f, 1995a, 1993 perrenoud].
إن التمييز في التعليم له كل الدلالات، حتى عندما يكون الهدف فقط أن يمتلك التلاميذ المعارف. بالمقابل فالبيداغوجيات المتميزة لا تكون مؤسسة على تعليم متمركز حول المعارف، إنها تنضاف إليه كطموح جديد مؤزمة الاشتغال الديداكتيكي (قطيعة مع التعليم النخبوي) ونظام البرامج الدراسية (خلق أسلاك للتعليم، تفريد مسارات التكوين).
إلا ان الأمر يختلف بالنسبة للكفايات، حيث يمكن تصور مقاربة بواسطة الكفايات، لا تكون حساسة بالاختلافات, منذ الوقت الذي نضع فيه التلاميذ في وضعيات تفرض عليهم أن يتعلموا بالتفكير في العوائق التي يصادفونها، غير أن هناك وضعيات معينة لا يمكن ان تعرض من خلالها الكفايات باستمرار لمجموعة قسم ما، لأنها تكون مناسبة لمجموعات صغيرة جدا. إن بيداغوجيا الكفايات تقسم مجموعة القسم, وتدعم عمل التلاميذ في مجموعات صغيرة. لا يتعلق الأمر ـ مع ذلك ـ سوى بشرط ضروري لبيداغوجيا اختلافية، فداخل الوضعية-المشكل، يبقى التلاميذ غير متساوين، ولاشيء يضمن أن تخلق ميكانيزمات مولدة للامساواة، فقط بسبب عدم إصغاء التلاميذ جميعا لخطاب حاسم موجه للجميع، على العكس فسير حل المشاكل، إذا لم يتم الانتباه إلى ذلك، يدعم المتفوقين، أي التلاميذ الذين يتوفرون على الاستعدادات المطلوبة من أجل طرح الأسئلة الجيدة، والقيام بالملاحظات الثاقبة، وتقديم الفرضيات وتأكيد زعامة مسيرة جماعية، وتسجيل العناصر الوجيهة، ولفت تلاميذ آخرين لأعمال محددة. إن كل واحد يعرف بأن سير مشروع ما يؤدي إلى كشف, وأحيانا تدعيم اللامساواة. إن الاشتغال بواسطة الوضعيات المشاكل يؤدي إلى نفس المخاطر، بطريقة ربما اكثر مكرا، في حين داخل مشروع طويل النفس، هناك وسيلة لإيجاد شغل على الأقل بالنسبة لكل واحد، حتى لو تعلق الأمر كما يذكر "فيليب ميريو" بتأتاة يعهد بها إلى الجمهور. إن الوضعية-المشكل  تمس عمليات ذات تشكل عقلي قوي، وهذا العمل لا يزال أكثر انتقائية، ويدعم، إذا لم يتم في إطارهم بيداغوجيا اختلافية، التلاميذ الأكثر حيوية وذكاء، واستقلالية.
نجد مفارقة بالنسبة للبيداغوجيات الجديدة، إنها تستعرض التوافق مع التلاميذ الذين هم أيضا المستفيدون الأساسيون من البيداغوجيات النخبوية [بيرونو 1996 Perrenoud]. أمام الخطاب الحاسم، كما في الوضعية المشكل، كل واحد، حسب إرثه الثقافي، ومساره، وعلاقته بالمعرفة، ووسائله في الفهم والتواصل، يستثمر بشكل مختلف ويدخر –على مستوى التعلم- فوائد بالنسبة للاستثمار أمام الوضعية – المشكل،و يكون فضاء لعب التلاميذ مهم ويسمح بمبادرات, وهذا من شأنه خلق بون شاسع مع الدرس التقليدي الذي كان يتبع بالتمارين، ولو أن بعض مؤهلات النجاح تفقد قيمتها، مثل العلاقات المختلفة بالمعرفة وبالأستاذ، في حين ان أخرى تصبح ذات قيمة، مثل بعض التصورات. ينبغي إذن ألا تضع البيداغوجيات الجديدة ثقتها في مقاصدها الجيدة وتخلق استعدادات تدعم اللامتفوقين بشكل نشيط.
إن المحاولة يجب أن تنصب على إعادة تشكيل الجماعات في مستويات، وأن تخصص لكل مستوى ما يوافقه من أعمال، دون إقصاء هذه الطريقة للعمل بشكل كلي، إنها تنزل كل واحد منزلته وتعمق الفروقات، أكثر من ذلك فهي أحيانا تعيق الاشتغال النشط أمام الوضعيات- المشاكل: إن الجماعات التي تجمع تلاميذ ذوي مستوى مرتفع, يمكنها تحقيق نتائج ممتازة جدا, إذا لم تتعرض لخلافات حول الزعامة، أما الجماعات التي تجمع تلاميذ ذوي مستويات ضعيفة فيكون اشتغالها بطريقة مفجعة، على الأقل بسبب نقص في الزعامة والتفاعلات، إن التباين إذن محرك أساسي داخل الجماعة.
يكمن التحدي إذن في جمع تلاميذ من مستويات مختلفة داخل نفس الوضعية، دون أن يؤدي ذلك إلى تدعيم المتفوقين، إنها صعوبة يبدو في التحكم فيها مخاطرة، لكن يمكن أن نصل –تدريجيا- إلى تحديدها وتحويلها إلى هدف-عائق بالنسبة للمكونين هذه المرة. إنه فخ شيطاني، فمن أجل إشراك التلاميذ الأكثر حاجة في العمل، يخاطر المدرس في بعض الأحيان بدينامية الجماعة ويضطلع بحضور مركز في مكان واحد. في حين أن أربع أو خمس مجموعات تريد اقتسام وقته وذكائه الديداكتيكي.
- تحويل تكوين المدرسين:
إن أغلب المدرسين تلقوا تكوينا داخل مدرسة تركز على المعارف، وهم يشعرون بارتياح داخل هذا النموذج، لأن ثقافتهم وعلاقتهم بالمعرفة "صنعت" بهذا الشكل، وهذا النظام كان ناجحا بالنسبة إليهم، ماداموا قد تابعوا دراسات طويلة، وتجاوزوا الاختيارات بنجاح، إنهم يتواجدون داخل المجال التربوي إلى جانب "الثلث المكون" إنهم يعيشون داخل نزعة مركزية ما،و بالنسبة لعدد من المدرسين، فإن المقاربة بواسطة الكفايات "لا تقول شيئا" لأنه لا تكوينهم المهني ولا طريقة تعاملهم مع القسم تهيؤهم لذلك. يبدو لهم الأمر كمشاركة في ضجيج بيداغوجي، في تنشيط سوسيو-ثقافي يناسب فقط الترفيه، أو يكشف على أي حال طبقة "دنيا" من النظام المدرسي، إن الأساتذة كلما اشتغلوا وفق هذا المنطق، يكونوا مؤمنين، لأنهم سينتهون عند تعليم المعارف وتقويمها ومثلما أنهم لا ينظموا ولا يقيموا مسارات المشروع، والوضعيات-المشاكل، تقترح عليهم الوزارات نصوصا ذكية، لكنها تبقى دون صدى، لأن المخاطبين لم يتابعوا نفس المسلك البيداغوجي والنظري، ولا يتقاسمون مفهوم التعليم والتعلم الذي تحتوي عليه البرامج الجديدة.
تدور النصوص الوزارية حاليا حول المفهوم المهيمن للبرامج، داخل الجسد المدرسي، لاشيء يضمن تناقص هذا الاختلال. إن المعاهد الجامعية لتكوين المعلمين (IUFN) التي تأسست في فرنسا في 1989، تكون اليوم مدرسين لازالوا يركزون على المعارف، في نفس الوقت الذي يركز فيه الخطاب الرسمي على الكفايات...و لتصحيح هذا الزيغ فالأمر يتطلب خمس إلى عشر سنوات... هنالك نقص "صارخ" في الانسجام بين الخطاب حول البرامج وبين تكوين المدرسين، وتكشف بنية (IUFN) عن ذلك بوضوح، من خلال مكان المباراة، وزنها، اختياراتها التي تكشف عن استمرار منطق السيطرة المتعلق بالمعارف الجامعية التي تستعمل للإخضاع خلال وضعية الامتحان، بعيدا عن شروط حركيتها داخل القسم، عموما فإن المناسبات التي يجابه خلالها الأساتذة صعوبات لاتنقص نتيجة التداريب في المؤسسات، بل نتيجة التكوين، شرط أن يتخذ التكوين هذه الصعوبات كموضوعه الأول، بدل ان يعمل داخل منطق نظامي وأكاديمي.
إن "ثورة الكفايات" لن تكون منتجة إلا إذا قام مدرسو المستقبل، طوال مدة التكوين المهني، بالتجربة بشكل شخصي. إن التكوين المستمر يتطور، إنه يسير في منحى تطور الكفايات مادام يتوجه نحو المهنية [بيرونو 1996,1994a Perrenoud] ومسايرة المجموعات ومشاريع المؤسسات، وتحليل الممارسات ووضعيات العمل والمشاكل المهنية [ألتي 1994 ALTET، بامي وآل1996 Paquay et al، بيرونو 1996h Perrenoud] ذلك في النهاية، هو مستقبل التكوين الأولي، إذا تمكن من بناء تمفصل فعلي بين النظرية والممارسة، وتحرر من تفوق التخصصات. يجب إذن- فرضيا- تجاوز كل المعيقات. فإذا لم يتقوى نموذج تكوين التلاميذ بواسطة نموذج تكوين المدرسين، وبشكل متبادل، فمن أين سيأتي التغيير؟.




تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)