فيزياء جديدة .... فلسفة جديدة






بقلم : هشام آيت باحسين

"إن كل فيزياء في حاجة دوما إلى ميتافيزيقا أو فلسفة جديدة ملائمة وتكون بساطا للاكتشافات العلمية الجديدة"

تشكل الفلسفة الحديثة محطة من محطات تاريخ الفلسفة والعلوم على السواء مادامت قد جددت المعارف السابقة وتجاوزت المعارف الخاطئة، ثم بلورت نظريات وتصورات جديدة حول الوجود بصفة عامة. وهذا ما يفضي إلى التأكيد على أهمية المرحلة الحديثة باعتبارها قطيعة مع منظومة سادت لمدة تناهز العشرين قرنا، وهي قطيعة انبنت على أسس علمية وفلسفية، من ثم فإن الفلسفة الحديثة تميزت بخصائص تختلف بالضرورة عن الخصائص المميزة للفلسفات السابقة، سواء اليونانية منها أو الوسيطية. وهذا ما يدفعنا إلى التساؤل عن ماهية هذه الخصائص؟ وكيف تبلورت في مشروع الحداثة؟

لابد أن الثوة الكوبرنيكية تشكل إسهاما نوعيا في تاريخ الفلسفة والعلوم، وعندما نتحدث عن هذه الثورة، فنحن لا نقصد فقط كوبرنيك، بل أيضا تايكوبراهي وكبلر ثم جاليليو، فجميعهم ساهموا في تأسيس هذه الثورة وإعطائها مشروعية من جميع النواحي: فمنهم من ساهم بالرياضيات ومنهم من ساهم الفيزياء دون فصل خالص بين هذه العلوم وغير ذلك من المجالات التي اجتمعت في إشكال واحد هو تصو الإنسان للعالم وللوجود بصفة عامة، وهو تصور كان مغلوطا في نظر الثورة الكوبرنيكية، فأتت لتصححه عن طريق وسائل علمية أكثر دقة لتستبدله في نهاية الأمر بتصور جديد يستطيع أن يفسر الظواهر طبقا لما توجد عليه في الواقع فلم يتأت طبعا إلا بتجاوز التجربة الحسية التي كانت سائدة في العصور القديمة وتعويضها بالفضاء الهندسي الجديد الذي يظهر الأمور بدقة وتناهي كبيرين. اذن فالآليات الجديدة والحديثة أفضت إلى ظهور فضاء هندسي جديد يقضي تصوره بأن العالم شاسع وأن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض وأن الكواكب تدور حول المركز في مدارات إهليليجية، وهي ما فسرها كوبرنيك بتحير الكواكب. وهذه النقطة الأخيرة بالذات هي ما دفع كوبرنيك إلى التفكير في العودة إلى الذات من أجل حل كل المشاكل العلمية العالقة لأن التفكير في الموضوع دائما لم يجد طريقا إلى الحل لكن بالعودة إلى الذات من خلال تدوير الأرض نجح كوبرنيك في تفسير ظاهرة تحير الكواكب.

حرصنا على جرد وإحصاء الأحداث العلمية السابقة من أجل أن نؤكد لاحقا على حاجة الفيزياء دوما إلى ميتافيزيقا أو فلسفة جديدة تلائم وتكون بساطا للاكتشافات العلمية الجديدة. لا شك سيتبادر إلى ذهننا الفيلسوف والرياضي  الملقب بأب الفلسفة الحديثة روني ديكارت لأنه استطاع أن يؤسس فلسفة تدعم الفيزياء الجديدة، فرغم أنه رياضي حاذق إلا أنه تجنب الخوض في مسائل الفلك مباشرة لأسباب خارج العلم تتجلى أساسا في المراقبة التي تفرضها الكنيسة آنذاك على العالم (إعدام وحرق العلماء والكتب التي تتناول مسائل علمية مختلفة عن تلك التي تتبناها الكنيسة). فلكي لا يكرر تجربة العلماء السابقين الذين اضطهدوا أسس فلسفة حديثة تعالج القضايا العلمية الجديدة. فما هي اذن الأسس التي بنى عليها ديكارت مشروعه الحداثي؟ وماهي معالم الحداثة في فلسفته؟

تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)