المنهج العلمي و أثره في الدراسات الأدبية الحديثة


د ــ عبد الجبار لند 
خطت البشرية مراحل هامة في طرق تفكيرها و تفسيرها للظواهر الطبيعية و التحولات الاجتماعية، و الإبداعات الفردية، و غيرها، حتى العصر الحديث ، حيث أصبح يهيمن على المشتغلين بهذه الحقول نوع من التفكير، و التحليل أطلق عليه اسم "المنهج العلمي" (1)، و من ثم تقديم العلم على باقي الوسائط المعتمدة لفهم ما يحيط بنا من عوالم ، وما تطرأ عليها من تحولات، و يعرف المنهج في الاستعمال اللغوي بأنه الطريق والوسيلة و السبيل(2) التي يتدرج بها للوصول إلى هدف معين، أما في الاصطلاح ، فقد ارتبط أولا بالمنطق ، فأصبح يدل على الوسائل و الإجراءات العقلية طبقا للحدود المنطقية التي تؤدي إلى نتائج معينة،و من ثم فإن "كلمة منهج" انطلقت من اليونانية و استمرت في الثقافة الإسلامية، لتصل إلى عصر النهضة، و هي ما تزال محتفظة بالتصورات الصورية طبقا للمنطق الأرسطي بحدوده و طرق استنباطه " فالمنهج في هذه المرحلة كان يطلق على المنهج العقلي، لأنه يلتزم بحدود الجهاز العقلي ليستخرج النتائج منها"(3) كما ارتبط ثانيا بحركة التيار العلمي ، إذ بدأ المنهج العقلي المنطقي بعد عصر النهضة يسلك نهجا مغايرا يتسم بنوع من الخصوصية خاصة مع "ديكارت" في كتابه " مقال في المنهج" و من ثم فقد اقترن بالتيار العلمي ، و هذا التيار لا يحتكم إلى العقل فحسب، و إنما كذلك إلى الواقع و معطياته، و قوانينه،انطلاقا من كون العلم يعتبر" نشاطا إنسانيا موجها يهدف إلى وصف الظواهر التي يدرسها و يصنفها في أنواع، و لكنه لا يقتصر على هذا الهدف بل يحاول اكتشاف العلاقات بين الظواهر المختلفة"(4)، وقد عرفه قاموس أوكسفورد بأنه " ذلك الفرع من الدراسة الذي يتعلق بجسد مترابط من الحقائق الثابتة و المصنفة و التي تحكمها قوانين عامة و تحتوي على طرق و مناهج موثوق بها لاكتشاف الحقائق الجديدة في نطاق هذه الدراسة". وبناء عليه فقد حدد الدارسون أهداف العلم في ثلاثة، و هي الفهم،و التنبؤ، و الضبط و التحكم،فالفهم يتحدد في كونه ينحو إلى التعرف على علاقة الظاهرة بالظواهر الأخرى التي أدت إلى وقوعها، و فهم الظواهر التي تنتج عنها، أما التنبؤ، فهو الاستنتاج الذي يقوم به الباحث بناء على معرفته السابقة بالظاهرة المدروسة، و هذا الاستنتاج لا يعتبر صحيحا إلا إذا استطاع إثبات صحته تجريبيا، في حين يرتبط الضبط والتحكم بالهدفين السابقين ، و يتحدد في السيطرة على العوامل المتحكمة في الظاهرة(5). 

و بذلك فإن المنهج في عصر النهضة اقترن بنمو الفكر العلمي التجريبي، حيث وقع التزاوج بين طرائق العلماء و المنهجيين، فولد ما يسمى " المنهج التجريبي" إلا أنه لم يتم التخلي عن المفهوم الأول، بل صار هناك تعايش بين المفهومين، إذ قد يراد بالمنهج المنظومة المرتبة التي يمكن عن طريقها الوصول إلى نتائج منطقية، و قد يراد به المنهج التجريبي، و قد تعددت مواصفات و شروط و أهداف المنهج العلمي، بتعدد العلوم والظواهر التي تدرسها(6) . 

و بناء عليه يمكن الفصل بين مصطلحين متداخلين و ينتميان إلى نفس الجدر المعجمي، وهما "المنهج" و "المنهجية " التي تقدم للباحث مجموعة من المعايير و التقنيات و الوسائل الثابتة الواجب اتباعها أثناء ممارسة النشاط العلمي ، من أجل توفير الجهد و تسديد الخطى على الطريق العلمي القويم ، في حين يرتبط المنهج بالمنطق و طرق الاستدلال و الاستنتاج، كما تختلف المناهج من حقل معرفي إلى آخر ، فللفلسفة مناهجها كما للأدب والتاريخ و الرياضيات و لباقي العلوم مناهجها(7) 

فالمنهج العلمي يتطلب شروطا ينبغي على الباحث أن يستجيب لها و من أهمها الأصالة و الجدة و الابتكار وذلك بالكشف عن الجديد سواء كانت هذه الجدة كاملة أو في ناحية من نواحي الموضوع، و من ثم فقد عرف البحث بأنه " استقصاء منظم يهدف إلى إضافة معارف يمكن توصيلها و التحقق من صحتها عن طريق الاختبار العلمي "(8) ، و بالتالي فإن البحث وسيلة للدراسة يمكن بواسطته الوصول إلى حل لمشكلة محددة و ذلك عن طريق التقصي الشامل الدقيق لجميع الشواهد و الأدلة التي يمكن التحقق منها و التي تتصل بهذه المشكلة . 

وقد تأثرت الدراسات والأبحاث في مجالات العلوم الإنسانية بالمنهج العلمي بمعناه الاصطلاحي منذ أن ظهر في القرن السابع عشر الميلادي على يد مجموعة من الرواد من أمثال فرنسيس بيكون و ديكارت و كانت وهيكل،بعدما تحررت البشرية من سيطرة مؤلفات أرسطو الفلسفية و العلمية التي أثرت عليها خلال قرون طويلة(9)، و كذلك كان الأمر بالنسبة للدراسات الأدبية و النقدية العربية التي عرفت مراحل مختلفة منذ الإرهاصات الأولى للنقد الانطباعي التأثري في العصر الجاهلي وما لحقه من تطور على يد النقاد و اللغويين العرب حتى العصر العباسي حيث بدأ أثر المنطق الأرسطي يبدو واضحا خاصة مع الترجمات المتلاحقة لكتابي "فن الشعر"و "الخطابة" لأرسطو على يد عدد من الكتاب العرب كمتى بن يونس القنائي و ابن سينا و ابن رشد(10)، وفي بعض الأعمال النقدية ككتاب "نقد الشعر" لقدامة بن جعفر ،و يعد كتاب:" الموازنة بين الطائيين: البحتري وأبي تمام" للآمدي أول دراسة نقدية ممنهجة حسب الدكتور محمد مندور(11) . وقد بلغ النقد أوجه مع حازم القرطاجني الذي اتبع منهجا فلسفيا في التعامل مع ظاهرة التخييل الأدبي والمحاكاة وربط الأوزان الشعرية بأغراضها الدلالية في كتابه " منهاج البلغاء وسراج الأدباء" والسجلماسي في كتابه" المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع"، وابن البناء المراكشي العددي في كتابه "الروض المريع في صناعة البديع". 

لكن مع عصر النهضة، سيتخذ النقد طابعا بيانيا ولغويا وخاصة مع علماء الأزهر الذين كانوا ينقدون الأدب على ضوء المقاييس اللغوية والبلاغية والعروضية كما نجد ذلك واضحا عند حسين المرصفي في كتابه"الوسيلة الأدبية"، وطه حسين في بداياته النقدية عندما تعرض لمصطفى لطفي المنفلوطي . 

وفي بدايات القرن العشرين سيبدأ التأثر بالمناهج الغربية في الدراسات الأدبية التي استفادت من الطفرة التي عرفتها العلوم الحديثة بفضل تطور المنهج العلمي,حيث أصبح المنهج النقدي يعتمد على التصور النظري والتحليل النصي التطبيقي. ويعني هذا أن الناقد صار يحدد مجموعة من النظريات النقدية والأدبية ومنطلقاتها الفلسفية والإبستمولوجية ويختزلها في فرضيات ومعطيات أو مسلمات، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التأكد من تلك التصورات النظرية عن طريق التحليل النصي والتطبيق الإجرائي ليستخلص مجموعة من النتائج والخلاصات التركيبية، بعدما كان النقد عبارة عن أحكام انطباعية وذوقية وموازنات ذات أحكام تأثرية مبنية على الاستنتاجات الذاتية. 

و قد عرف النقاد المحدثون البحث الأدبي و النقدي بأنه " طلب الحقيقة الأدبية في مصادرها و إذاعتها" (12)، وهو يقوم على دراسة الموضوعات والنظريات والمذاهب و الأجناس الأدبية ، و إبراز أعلامها والوقوف عند عصورها، إضافة إلى دراسة الحركة النقدية التي واكبتها و التطورات التي عرفتها، وكذلك تحقيق النصوص الأدبية القديمة(13)، أما منهج البحث الأدبي فهو الطريق التي يسير عليها الباحث ليصل إلى حقيقة موضوع من الموضوعات الأدبية إبراز جماليته و قضاياه. 

ومن ثم فقد تشعبت مناهج النقد الأدبي وتنوعت مدارسها وتعددت مذاهبها واستقت مشاربها من مجموعة من العلوم الإنسانية وغيرها كعلم التاريخ و علم النفس و علم الاجتماع ، وعلم اللغة و بعض العلوم الرياضية كالإحصاء، و الأنتربولوجيا و غيرها,وذلك حسب توجهات النقاد و الدارسين أوحسب طبيعة النصوص الأدبية المدروسة. 

وقبل الوقوف على المناهج الأدبية في دراسة الأدب و معرفة مدى تأثرها بالمنهج العلمي ، سنعرج على عدد من العلوم التي جعلت من الأدب مادة دراستها، لكون العلوم تتقارض فيما بينها أخذا و عطاء(14)، وذلك إما للإفادة منه في التوثيق أو لخدمة أهدافها النفعية كما هو شأن المؤرخين و الجغرافيين و الاقتصاديين و الأنتربولوجيين و غيرهم، وإما خدمة للأدب عند دراسته ، و من أبرز هذه العلوم هناك: 

1 ـ الفلسفة: 

فالفلسفة لا تعطينا رأيا خاصا في عمل بعينه لكنها تبين طبيعة الأدب ، و مبادئه، و أساليبه، و الآراء ، و الطبقات، و الأشكال و الوظائف، و التعبير الجمالي، و من ثم فقد ابتدع الفلاسفة ما يسمى "فلسفة الأدب" ووضعوا أسس "نظرية الأدب" كشكل من أشكال المعرفة، و طوروا "علم الأدب" ليستخدم المناهج الشبيهة بمناهج العلوم الفيزيائية، و الطبيعية(15) . 



2 ـ التاريخ: 

يتكون التاريخ من وقائع حدثت في الزمان الذي من أبرز خصائصه الاتجاه نحو الأمام دون الرجوع إلى الخلف، أو التكرار، و مهمة المؤرخ أن يقوم بوظيفة مضادة لفعل التاريخ في محاولة لاسترداد ما كان في الزمان،لاستعادة ما جرت عليه الأحداث بطريقة عقلية بناء على ما خلفه من وقائع، و تكوين صورة كلية عن الماضي على أفضل وجه متيسر(16)، ويعرف ابن خلدون علم التاريخ بكونه" نظر و تحقيق، و تعليل للكائنات و مبادئها دقيق، و علم بكيفيات الوقائع و أسبابها عميق، فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق"، أما "تاريخ الأدب" فقد عرف بأنه تفسير للوقائع التي أثرت في تكوين الأدب على امتداد القرون(17)،وهو ينظر إلى الأدب من خلال العصور و الشعوب و الأنواع و المدارس، و يميل إلى دراسة الظواهر الأدبية باعتبارها تقدما إنسانيا تجريديا، و لا يبحث في العمل الشخصي بكونه نشاطا فرديا له من المميزات الفنية و الجمالية ما يجعله متفردا عمن عايشوه، و تمثل الأعمال الخالدة العمود الفقري لتاريخ الأدب لكونها تعتبر مادة تاريخية نالت رضا المتخصصين الذين عاصروها أو ارتبطت بأحداث تاريخية هامة أثرت في الذاكرة الجماعية. 

3 ـ علم الاجتماع: 

يعرف علم الاجتماع بأنه "دراسة الحياة الاجتماعية للبشرِ، سواء بشكل مجموعات، أو مجتمعات، وقد عرّفَ أحياناً بأنه دراسة التفاعلات الاجتماعية"(18) كما يعرفه الدكتور عبد الباسط عبد المعطي بأنه: "علم دراسة الإنسان و المجتمع دراسة علمية، تعتمد على المنهج العلمي، و ما يقتضيه هذا المنهج من أسس و قواعد و أساليب في البحث" وهذا البعد الأساسي في التعريف يعتبر حصاد تطورات هذا العلم منذ بداياته الأولى مع العلامة ابن خلدون الذي حدده بأنه "علم العمران البشري" (19) وما يتضمنه هذا العمران من مختلف جوانب حياة الإنسان الاجتماعية و المادية و العقلية وصولا إلى "أوكيست كونت" الذي اشتق له مصطلح " sociology " من مقطعين من اللاتينية و اليونانية ليشير بهما إلى " الدراسة العلمية للمجتمع" (20)، وانطلاقا من هذا التعريف فإن علم الاجتماع يتداخل مع باقي العلوم الإنسانية إلا أنه يختلف عنها في كون العلوم الأخرى يعنى بدراسة كل واحد منها بدراسة جانب من جوانب الإنسان و المجتمع و ما يحيط بهما في حين يدرس علم الاجتماع المجتمع ككل في ثباته و تغيره، و يدرس الإنسان من خلال علاقته بالمجتمع (21)، و من هنا فإن الأدب باعتباره إبداع إنساني يدخل في نطاق اهتمام علم الاجتماع، فمثلما نجد ما يسمى في الدراسات التاريخية "علم التاريخ الأدبي" نلفي في الدراسات الاجتماعية " علم الاجتماع الأدبي"(22)، و هذان العلمان يتحركان في الحقل نفسه، ذلك أن مجال علم الاجتماع هو مؤشرات الأحداث المتداخلة بين جميع الأفراد الذين يسهمون في الحياة الأدبية، بشكل مباشر أو غير مباشر، فغايته الحياة الأدبية و ليس الأدب، حيث يهتم بما يلي: 

ـ المكانة التي يحتلها الأدب في المجتمع، كهيبة الكتاب و المبدعين، و رعاية الأدب من قبل الجمهور، علقة الأدب بباقي الفنون. 

ـ استهلاك الأدب : كنسبة القراءة، و منافسة وسائل التسلية لها, و الكتب التي مارست نفوذها على المجتمع. 

ـ نظام الحياة الأدبية : و يندرج ضمنه حجم النشاط الأدبي و نوعيته، و المؤسسات التي تتدخل فيه كالجامعات و المجامع العلمية و اللغوية و المسابقات الأدبية و النقد و الصحافة. 

ـ التأثيرات على الحياة الأدبية: كنتائج التغييرات الاجتماعية ـ دينية و اقتصادية و سياسية ـ على الأدب. 

ـ وظيفة الأدب الاجتماعية: و منه اشتراك الإبداعات الأدبية في بلورة الوعي و السلوك الاجتماعيين. 

و من ثم فإن هذا العلم لا تهتم بالأدب إلا بما يعكس تأثيره و تأثره بالمجتمع، بل نجد من رواده من ربط تطور الرواية في العصر الحديث بالتحولات الاقتصادية و الاجتماعية الكبرى مثال "لوسيان جولدمان" في كتابه "من أجل علم اجتماعي للرواية". 

ـ علم النفس : 

علم النفس " Psychologie " مشتق من كلمتين يونانيتين " Osycho" بمعنى الروح أو العقل أو الذات، و " Logos " و تعني العلم أو الدراسة ، و بالتالي يكون علم النفس هو دراسة الذات كما تكشف عن نفسها في الأداء و العمل و النشاط ، أي السلوك، و من ثم يمكن تعريف علم النفس بأنه العلم الذي يدرس سلوك الإنسان، أي يصفه و يحاول تفسيره، و يقصد بالسلوك كل ما تصدر عن الفرد من استجابات مختلفة إزاء موقف يواجهه أو مشكلة يحلها، أو خطر يهدده، أو قرار يتخذه، أو مشروع يخطط له، أو درس يحفظه، أو مقالة يكتبها، أو آلة يصلحها، أو مسابقة يعمل على الفوز فيها، أو لوحة فنية يتأملها، أو أزمة نفسية يكابدها، يسلك علم النفس سبيل المنهج العلمي المتمثل في الفهم و التنبؤ و الضبط (23). 

وقد ارتبطت الدراسات النفسية بالنقد الأدبي منذ القدم، إذ نجها مع أفلاطون في مدينته الفاضة، يتحدث عن أثر الشعراء القيم و الحياة، كما نلاحظها عند أرسطو في " نظرية التطهير" و هي تربط الإبداع الأدبي بوظائفه النفسية، و في النقد العربي نجد كثيرا من الربط بين الشعر و بين بواعثه و أهدافه و وظائفه النفسية لدى المبدع و المتلقي(24)، و في العصر الحديث نجد "سيجموند فرويد" في نهاية القرن التسع عشر يستعين بدراسة ظواهر الإبداع الأدبي و الفني في وضع الأسس المنهجية لعلم التحليل النفسي الحديث باعتبارها تجليات للظواهر النفسية(25) 

ـ علم اللغة: 

و هو دراسة اللغة على نحو علمي موضوعي و ليس انطباعي ذاتي، و يدرس علم اللغة الحديث بنية اللغة من الجوانب التالية: 

ـ الأصوات و أعضاء النطق و عملية الكلام و غيرها. 

ـ الكلمات و وسائل تكوينها ، و الوحدات الصرفية و التغييرات التي تطرأ عليها لاعتبارات صوتية عاملية. 

ـ الجملة و كيفية بنائها، و هو مجال النحاة في علم النحو و البلاغيين في علم البلاغة(26) ، كما يدرس علم اللغة دلالات الكلمات و الجمل وظائفها التواصلية وغيرها من الخصائص باعتبارها وسيلة تعبيرية تواصلية ، وهو يتداخل مع الدراسات الأدبية في أن أي عمل أدبي يقوم على اللغة ،و الشرط الجوهري لنقده هو تمكنه من اللغة التي كتب بها ، و من ثم فإن كل الدراسات الدقيقة التي يقوم بها علماء اللغة لتحديد طبيعة اللغة سوف تساعد في دراسة الأدب، لكنها لا تعمل نقدا أدبيا، لأن ما يهم اللغويين هو وصف القاعدة، وإبراز الخصائص المشتركة للغة و ليس القيمة الجمالية التي يتعقبها الناقد(27). 

فهذه العلوم حين تدرس الأدب مستقلة فإنها تتعامل معه وفق أهداف نفعية،إذ توظف النصوص والكتابات الأدبية من أجل الاستدلال و البرهنة على قضايا و مواقف و مباحث تهم هذا العلم أو ذاك، و هذا يختلف حينما يوظف النقد الأدبي هذه العلوم و منهجياتها من أجل فهم العمل الأدبي و البحث عن مكامن القوة و الضعف فيه، فتتحول إلى مناهج للدراسات الأدبية و النقدية . 

ـ علم الجمال : 

يعرف معجم "لالاند" علم الجمال بأنه " علم الأحكام التقويمية التي تميز بين الجميل والقبيح" و هذا هو التعريف الكلاسيكي للفظ "الإستيطيقا" الذي يعود في أصله إلى اليونانية و هو مشتق من كلمة "AISTHESIS " التي تعني الإحساس، و يفيد معناها الاشتقاقي " نظرية الإحساس" و هو يتضمن من جهة المعرفة الحسية أي الإدراك الحسي و من جهة أخرى المظهر المحسوس الذي ندركه،كما عرفه قاموس "ويبستر" بأنه " المجال الذي يتعامل مع وصف الظواهر الفنية و الخبرة الجمالية و تفسيرها"، فيما يرى الفيلسوف "بيردسلي" أن علم الجمال هو علم بيني تقوم من خلاله فروع معرفية عدة ـ كل بطريقته و مناهجه و مفاهيمه الخاصة ـ بدراسة تلك المنطقة المشتركة المتعلقة بالخبرة أو الاستجابة من جوانب حسية و إدراكية و انفعالية و معرفية و اجتماعية، (28) ، و يتجاذب علم الجمال تياران أساسيان الأول دشنه الفيلسوف الألماني جوتليب بومجارتن (1714ـ1762) و هو أول من صك مصطلح علم الجمال الذي كان يقصد به علم الإحساس أو الحساسية و يستهدف دراسة الأفكار الغامضة مقابل الأفكار الواضحة التي دعا إليها ديكارت ، فهو يرى أن مادة الفنون ليست عقلية و القيمة الجمالية للعمل الفني تتناسب و الحيوية الحدسية للصنعة المنصهرة للتجربة التي تبعثها، و مقابل هذا التيار نجد التيار الذي يقوده الفيلسوف الألماني "فريديريك هيكل" (1770ـ1831) الذي جعل علم الجمال فلسفة للفن الجميل، فهو عنده تحليل فلسفي للوعي الجمالي، رسم خط فاصل بين الفن الجميل و الفنون التطبيقية، و هو العلم الذي يكشف أسرار الجمالية. 

و تبرز العلاقة بين علم الجمال و النقد في كون العمل الأدبي ـ الذي هو مجال الدراسات النقدية ـ عبارة عن ثلاث دوائر متداخل، فالدائرة الأولى و هي الأكبر تشمل العناصر التي تجعل العمل الأدبي عملا فنيا، و الدائرة الثانية الأوسط و تضم العناصر التي تجعل العمل الأدبي الفني يتحدد يتحدد فيصبح قصة أو شعرا أو رواية أو غيرها، ثم الدائرة الثالثة الأصغر و تضم العناصر الأسلوبية و الخصائص الفنية المميزة للأديب(29)،و يبرز مجال اشتغال كل من عالم الجمال و الناقد وفق هذه الدوائر فالدائرة الأولى ساحة عالم الجمال، و هي تفيد الناقد في كونها تبصره منذ البداية بأن العمل الذي سينقده هو عمل فني أصلا، و الدائرة الصغرى هي من اختصاص الناقد، ففيها يظهر عمله الرئيسي، و ذلك من خلال إبرازه للخصائص المميزة لأسلوب الكاتب و طريقة بنائه لعمله الأدبي و الوسائل الفنية التي لجأ إليها، أما الدائرة الوسطى فهي محل اختصاص الطرفين معا، فعالم الجمال يحدد العناصر العامة التي تميز كل نوع أدبي عن الآخر و الناقد يصور كيف ترجم الأديب هذه العناصر الفنية و جسدها في عمله(30). 
مناهج النقد الأدبي الحديث:    
           إن الحديث حول علمية المناهج النقدية يضعنا أمام آراء مختلفة و متضاربة أحيانا، فمن الدارسين من يؤمن بإمكانية إخضاع الدراسات الأدبية للمنهج العلمي و منهم من يرى أن طبيعة الأدب تستعصي على ذلك، مثال أستاذ فلسفة العلوم" هربرت دينجل" الذي أخضع "المناهج العلمية" في دراسة الأدب لتحليل "علمي منطقي" ، وقارن بينها و بين مناهج العلوم الحقة ، فتوصل إلى أنه ليس هناك علم للأدب بالمعنى الدقيق لأن مع القيمة الجمالية لا توجد معرفة دقيقة(31) ، فيما ذهب بعض الدارسين  ك"برونتيير" و "هنكين" إلى تطبيق مناهج العلوم، لكنهما وقفا عند إشارات فحسب،بينما كان ر ج "مولتون" أكثر و فاء لمنهجية العلوم في دراسة الأدب من خلال دعوته إلى تبني طريقة الاستقراء، وذلك بطرح الفرضيات، لكن بقيت مجرد تعبير عن رغبات، أما الذي كان أكثر قربا من المنهج العلمي فهو "إ.أ.ريتشاردز" غير أنه أدخل أسبابه مفاهيم شبه علمية،و عمليات مناهضة للعلم(32)، وهذا انسجاما فيما يبدو مع طبيعة الدراسات الأدبية التي لا تستهدف تكديس نتائجها خلافا للعلوم الوضعية، حيث كل عمل مستقل عن الآخر، فلا يمكن الربط بين الظواهر المختلفة بالطريقة التي توصل إلى موافقة مشتركة، و صفات ثابتة في الأدب، و مع ذلك "فمن الخير أن ندرس الأدب مستغلين بعض مبادئ التفكير العلمي و مناهجه" كما يقول "دينجل" .
          و بالعودة إلى الحديث عن مناهج الدراسات الأدبية فإننا نجدها تتعدد و تتنوع حسب مسارين اثنين، أحدهما زمني كمي، و الآخر  مجالي نوعي ، فالأول ينحو منحى زمنيا يواكب التراكم العلمي الذي يشهده كل علم على حدة ويؤثر في المنهج النقدي الذي يتَبعه في الدراسة، و الثاني يتعلق بتنوع العلوم واختلاف مشاربها وحقول اشتغالها، و التي يستمد الدارسون منها نتائجها و منهجياتها في فهم العمل الأدبي و تفسيره وإبراز دوافعه و تأثيراته و كيفية بنائه و وظائفه و غيرها من مجالات اهتمامات النقاد و باحثي الأدب.
          ومن ثم فقد تعددت مناهج الدراسات الأدبية و تفرعت تقسيماتها ، وذلك حسب تنوع الدارسين و اختلاف مرجعياتهم الثقافية و العلمية، مثال ذلك ما نجده مع بعض الغربيين ك "ألبير تيبوديه" الذي يقسم  في كتابه (وظيفة النقد) الذي صدر سنة 1930 النقد إلى ثلاثة أنواع ، هي: 
         ـ النقد التلقائي، و هو نقد القارئ العادي و الصحفي.
        ـ  النقد المهني ، و هو نقد الأساتذة.
        ـ النقد الفني ، و هو نقد الكتاب أنفسهم.
فيما يقرر "جورج بواس" في مؤلفه (مبادئ النقد) الذي صدر عام 1937 أن هناك طرازين من النقد هما  :
         
         ـ النقد الذي يدرس القيم الجمالية غاية أخيرة.
         ـ النقد الذي يدرس القيم الجمالية وسيلة للوصول إلى قيم أخرى تعتبر أسمى، كالخير و الحق , العدل و غيرها.
        و يرى "هرولد أوسبورن" في كتابه ( علم الجمال و النقد) الذي صدر عام 1955 أن النقد أربعة أنواع هي:
        ـ النقد النفسي.
        ـ النقد التاريخي.
        ـ النقد التفسيري.
        ـ النقد التأثيري.
        ويتضمن النقد التفسيري عنده كل الطرق الموضوعية لدراسة نص ما، بما فيها التحليل الأسلوبي.
       و يقرر "م.ه.أبرامز" في كتابه ( المرآة و المصباح) الذي صدر عام 1953، أنه توجد من النقد الرابع أربعة ألوان، ثلاثة منها تربط العمل بشيء آخر: مع الواقع الخارجي، و هو العالم، ومع المؤلف الذي كتبه، أي الفنان، و مع القارئ الذي يقرؤه، و هو الجمهور، و النقد الرابع هو الذي يحلل العمل نفسه، حرا مستقلا بذاته، ويجيء عنده في مركز مثلث الألوان الثلاثة الأخرى.
       فيما ينطلق "جيم يشر" في كتابه ( العمل و تقنياته) وقد صدر في باريس سنة 1957 من أنه يوجد منهج واحد في النقد، و هو الذي يحملنا على مواجهة مباشرة مع العمل الأدبي خاص على امتداد مراحل ثلاث متتالية:الحدس الجمالي في القراءة الأولى،و فيها يظهر ذوق القارئ، و التحليل العلمي في القراءة الثانية، و فيها يتكون الحكم الجمالي، و بعدها يعاد خلق العمل نفسه بفن خلاق.
      إلا أن الدكتور" إنريك أندرسون إمبرت" ينتقد أغلب هذه التقسيمات و يضع تقسيما خاصا به وهو كالتالي(33):
          +المناهج التي تفسر النشاط الخلاق:
                 ـ المنهج التاريخي.
                 ـ المنهج الاجتماعي.
                 ـ المنهج النفسي.
          + المناهج التي تحلل العمل المبدع
                ـ المنهج الموضوعي.
               ـ المنهج الشكلي.
               ـ المنهج الأسلوبي.
            + مناهج تحاول إعادة خلق العمل الأدبي:
             ـ المنهج العقدي.
             ـ المنهج الانطباعي.
             ـ المنهج التعديلي.
           وقد أسهم النقاد العرب المحدثين في دراسة المناهج النقدية ، وحاولوا أن يقترحوا لها تصنيفات تواكب الأسس العلمية التي تقوم عليها، فكانت تقسيماتهم لا تخالف في كثير من أحيان ما تواضع عليه النقاد الغربيون مثال ذلك ما نجده مع الدكتور عمر محمد الطالب في كتابه(مناهج الدراسات الأدبية الحديثة)الذي صدر سنة1988، إذ يقسم هذه المناهج إلى ما يلي:
            ـ المنهج التاريخي.
             ـ المنهج النفسي.            
           ـ المنهج الاجتماعي.
           ـ المنهج التوفيقي.
           ـ المنهج البنيوي.
            وكذلك حاول الدكتور صلاح فضل في كتابه (مناهج النقد المعاصر) الذي صدر عام 2002أن يستوعب ما توصلت إليه الدراسات الأدبية المعاصرة من مناهج ، و التي قسمها كالتالي:
            ـ المنهج التاريخي .
            ـ المنهج الاجتماعي.
            ـ المنهج النفسي.
            ـ المنهج البنيوي.
            ـ المنهج الأسلوبي.
            ـ المنهج السيميولوجي.
            ـ التفكيكية.
            ـ نظريات التلقي .
            ـ علم النص.
           فكل هذه المناهج بنت نظريتها على أسس و مبادئ المنهج العلمي، كما يقول الدكتور صلاح فضل(34)  الذي سنحاول أن نقف مع عدد من المناهج التي تعرض لها بالدراسة، ونبحث عن مرجعيتها العلمية و ملامح المنهج العلمي فيها، خاصة أنه يستهل بحثه بالحديث حول مفهوم المنهج ، وخاصة منه المنهج العلمي(التجريبي)(35)،الذي يربطه بمفهوم النظرية التي يتأسس عليها، حتى يصير بناء متكاملا، و هو يطرح نظرية الأدب التي تحاول أن تجيب عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الأعمال الأدبية وعناصرها وأجناسها و قوانينها، و بعلاقة الأدب بالمجتمع و الحياة و المبدع والمتلقي؛ و من هنا فهو يرى أن النظرية هي المفهوم المعرفي المؤسس للأدب، و المنهج النقدي هو الذي يختبر توافق هذه النظرية مع مبادئها، و يتم تداوله عبر جهاز مصطلحي يحمل قنوات تصوراته و يضمن كيفية انطباقها مع الواقع الإبداعي، فالمنظومة الاصطلاحية تمثل الطرف الثالث في العملية المنهجية(36)، وهي تقوم بدور أساس في التمييز بين اختصاصات المناهج.
1)      المنهج التاريخي:
          
             يعتبر المنهج التاريخي أول المناهج النقدية في العصر الحديث، وذلك ارتباطا مع تطور الفكر الإنساني و بروز الوعي التاريخي الذي يمثل السمة الأساسية الفارقة بين العصر الحديث و العصر القديم(37)، حيث نمت حركة البحث العلمي و الأكاديمي في الأوساط الثقافية و الجامعية، و التي حاولت رصد البيانات عن العصور السابقة، فكان هذا يمثل الترجمة العلمية للنزعة التاريخية في دراسة الأدب و نقده، فتم التأكيد على ضرورة الاهتمام بالتوثيق، و الاعتماد على العقل و البرهان، والتعامل مع النصوص من درجة نسبتها إلى أصحابها، و علاقة التأثير و التأثر بين الأدباء ، و علاقة الآداب المحلية بالآداب العالمية، و تمثل التاريخ كسلسلة من الحلقات تخضع لقوانين التطور،و المكان باعتباره إطارا تنتظم فيه علاقات الإبداع، أي أن التنظيم العلمي للمادة الأدبية و دراستها بتحديد مصادرها، و توثيق نصوصها، و تحليل مخطوطاتها و الكشف عن علاقاتها، كان الخطوة التالية في المنهج التاريخي (38).
           وقد مثلت المنهج التاريخي في دراسة الأدب مجموعة من المدارس من أبرزها المدرسة الماركسية التي أصبحت منذ أواخر القرن التاسع عشر تعتبر أساس التصور التاريخي للأدب و الفن، إذ اعتمدت تصورا فلسفيا لتطور العصور يلخص في مقولة " الحتمية التاريخية"  التي ترى أن التاريخ البشري عبارة عن مراحل، لابد أن تتوالى على نمط محدد، و من هنا تمثلت الإنتاج الأدبي و النفي في محورين ؛ أولهما أن الأدب ينبثق مباشرة من الواقع المادي الملموس في الحياة و المجتمع، و ثانيهما  أن الإنتاج الأدبي و الفني و الفكري يرتبط بتسلسل طبقا لحتمية تاريخية ثابتة(39).
        و كذلك نجد المدرسة الواقعية التي تبلورت في منتصف القرن العشرين و تمثلت في نظرية الالتزام الوجودية التي تنطلق من مقولة المسؤولية و الحرية لتجعلهما طرفي الجدلية الجديدة التي تغرس الوجود الإنساني  في التاريخ، و تمثل التطور النقدي للمنظور التاريخي عند الوجوديين.
        و بين هاتين المدرستين برزت ما يسميه الدكتور صلاح فضل المدرسة التاريخية الحقيقية في دراسة الأدب(40)، و كان من أبرز روادها "هيبوليت تين" و "لانسون"، و التي عملت على ربط الأدب بالحياة ، و تأصيل طرائق التحليل النقدي بالإفادة من المعطيات التاريخية و من العلوم المختلفة، إذ نجد "تين" يحدد العوامل المتحكمة في العملية الإبداعية كاتالي:
        ـ البيئة التي ينشأ فيها المبدع.
        ـ ثقافته. 
        ـ تربته.
        ـ العوامل الزمانية و المكانية المؤثرة فيه و التي تصبغ أدبه.
        هذا وقد استفاد المنهج التاريخي في النقد من منظومة مصطلحات علم التاريخ و مجالاته التي تتحدث عن العصر و البيئة و غبرها، كما أنه يستعير مصطلحاته من علم الأحياء، إضافة إلى المصطلحات التي اختمرت عبر التاريخ و استقرت في الوعي الثقافي.
       



2)      المنهج الاجتماعي:

            يعتبر الدارسون أن المنهج الاجتماعي انبثق من المنهج التاريخي؛ أي أن المنطلق التاريخي كان هو التأسيس الطبيعي للمنطلق الاجتماعي عبر محوري الزمان و المكان، إذ يرتبط التغير النوعي للأعمال الأدبية بالتحولات التي تحدث في الحقب التاريخية، و عبر الأماكن المختلفة،و قد أدى هذا التوجه إلى الربط بين الأدب و المجتمع و بروز المنهج الاجتماعي(41) الذي أصبح يعكس وعيا اجتماعيا يربط بين الأدب و بين الحياة على المستوى الجماعي، المتمثل في تفاعلات المجتمع و أبنيته ونظمه و تحولاته باعتبار هذا المجتمع هو المنتج الفعلي للأعمال الإبداعية و الفنية، حيث أسهمت نظرية الانعكاس في تعزيز هذا التوجه الاجتماعي في دراسة الأدب، و قد أسهمت كل من الماركسية و الواقعية في تعميق هذا التلازم بين البنى اجتماعية من جهة و بين الأعمال الأدبية من جهة أخرى، كما أدى ازدهار علم الاجتماع العام في تبلور علم جديد ظهر في منتصف القرن العشرين يهتم بالمجال الأدبي، أطلق عليه اسم "علم الاجتماع الأدبي"،  تأثر بتطور نظرية الأدب، و بمناهج علوم الاجتماع، و انقسم إلى تيارين؛ الأول منهما يطلق عليه"علم اجتماع الظواهر الأدبية"، وهو يستفيد من تقنيات التحليل التي انتظمت في مناهج الدراسات الاجتماعية ، مثل إحصاء البيانات، و تحليل المعلومات، وتفسير الظواهر انطلاقا من قاعدة من المعطيات المحددة، يبينها الدارس طبقا لمناهج دقيقة يستخلص منها نتائجه، أما الثاني  فيسمى "المدرسة الجدلية" و هي تعود إلى "هيكل" و رأيه الذي بلوره ماركس فيما بعد من خلال العلاقة بين البنى التحتية و البنى الفوقية في الإنتاج الأدبي و الثقافي، و يعتبر "جورج لوكاتش" المنظر الأساسي لهذا الاتجاه، وذلك في دراسته للعلاقة بين الأدب و المجتمع باعتبار الأدب انعكاسا و تمثيلا للحياة، كما قدم بعض الدراسات التي أسهمت في ظهور نوع آخر من الدراسات وهو "سوسيولوجبا الأجناس الأدبية" و هو يربط بين نشأة الجنس الأدبي و ازدهاره و بين طبيعة الحياة الاجتماعية و الثقافية لمجتمع من المجتمعات، وقد جاء بعده"لوسيان كولدمان" الذي حاول أن يطور مبادئ "لوكاتش"، ويصطنع جملة من المصطلحات الجديدة، و التقنيات الإجرائية التحليلية المبتكرة، فأطلق عليه اسم " علم اجتماع الإبداع الأدبي"، و هم يهتم بالدرجة الأولى بالجانب الكيفي، وليس الكمي.        
           و من ثم فإن الإضافة الحقيقية لهذا المنهج هي أنه لم يغفل الجانب الكيفي في دراسة الأدب،بل اعتمد على هذا الجانب لشرح مدى العلاقة بين الأعمال الإبداعية، و الوعي الجماعي، من خلال ربطه بين مستوى الأديب وبين قدرته على صياغة رؤيا للعالم(42).

            3) المنهج النفسي  

           بدأ هذا المنهج بشكل علمي منظم مع بدايات علم النفس ذاته منذ نهاية القرن التاسع عشر عند صدور مؤلفات "سيكموند فرويد"الذي استعان  بدراسة الإبداعات الأدبية و الفنية باعتبارها تجليات لحالات نفسية، و قد كانت النقطة التي انطلق منها "فرويد" تتمثل في التمييز بين الشعور و اللاشعور،  و بين مستويات الحياة الباطنية، و اعتبار اللاشعور هو المخزن الخلفي غير الظاهر للشخصية الإنسانية،و هو الذي يتضمن العوامل الفعالة في السلوك ، و في الإبداع و الإنتاج، خاصة حين ربط بين الإبداع الأدبي و الحلم من خلال الخصائص التي تجمعهما، و المتمثلة في التكثيف و الإزاحة و الرمز، و قد لجأ "فرويد" إلى تاريخ الأدب للتدليل على نظرياته في التحليل النفسي، و ليستمد منه مصطلحاته كعقدة "أوديب" و عقدة "ألكترا" و غيرها، مما أدى إلى ربط الإبداع الأدبي بالظواهر المرضية باعتباره معبرا عن العالم الباطني للإنسان، فنتج عنه بروز تيار يجعل التفوق في الإبداع نوعا من العبقرية التي يقرنها بالجنون، إذ التفوق في الإبداع يوازي ذروة الشذوذ عن النسق السوي للحياة النفسية، وقد أسهمت هذه الدراسات في نشأة "علم نفس الإبداع" الذي يحاول من خلال دراسة حالات الإبداع الخاصة المرتبطة بالأجناس الأدبية كيفية تفاعل الذات المبدعة مع اللغة من أجل إشباع حاجات نفسية عميقة، و ذلك عن طريق إخضاعها لمجموعة من الاختبارات، و الأسئلة المصممة بطريقة منهجية و علمية، واستخلاص نتائجها الخاصة.
        وقد تشعبت و تطورت مدارس علم النفس ، فكان لها أثر بليغ في اكتشاف جوانب غير فردية في ربط العالم الداخلي بالإبداع من أهمها مدرسة " كارل ليونج" في علم النفس الجماعي، الذي يرى أن الشخصية الإنسانية لا تقتصر حدودها على التجربة الفردية ، و إنما تستوعب التجربة الإنسانية للجماعة ، وكذلك مدرسة "لاكان" الذي أعلن عن الربط عبر اللغة بين علم النفس و الأدب في تماسك شديد، فأسس ما يسمى "علم النفس البنيوي" مما أحدث نقلة نوعية في الدراسات النفسية، و التي تمثلت في اعتبار اللاشعور مبنيا بطريقة لغوية ، بمعنى أن البنية التي تحكم اللاوعي هي بنية لغوية في صلبها تعتمد على التداعي و على غير ذلك من قوانين اللغة التي أسسها " دي سوسير" في بداية القرن العشرين، كما تطورت دراسات علم النفس لتشمل دراسة الذاكرة و كيفية عملها و كيفية قيام المخ بوظائفه، فأدى هذا إلى ظهور " علم النفس التجريبي" و  تعتبر دراسة الذكاء الطبيعي من بين اهتماماته، و التي يمكن تطبيقها على النصوص الأدبية، إذ تعتمد على مؤشرات علمية دقيقة لشرح كيفية إنتاج الأعمال الأدبية من جهة، و مستويات وعوامل الاستجابة الذهنية و التخييلية و الحسية للمتلقي من جهة أخرى.
        وبذلك فإن الدراسات النفسية لم تعد تقتصر على الإبداع، و لا تقف عند مظاهر النص، ولكن أصبحت تشمل أيضا عمليات التلقي و الاستجابة و الفهم و بناء المتخيل ، مما يجعل الدائرة التواصلية تكتمل، وفق جهاز منهجي يمتد مقولاته من فروع علم النفس المختلفة(43).

          4) المنهج البنيوي

              نشأت البنيوية في الدراسات اللغوية في مطلع القرن العشرين من خلال الأفكار والمبادئ التي أملاها العالم اللغوي الشهير "دي سوسير"، وجمعها تلاميذه في كورس وجنيف ، فمثلت بذلك البداية المنهجية للفكر البنيوي في اللغة، وذلك عبر مجموعة من الثنائيات اللغوية، التي عن طريقها وصف الأنظمة اللغوية، وفي مقدمتها ثنائية اللغة و الكلام.
     
           و من الثنائيات التي أبرزها "دي سوسير" و أثرت في الفكر اللغوي و الأدبي التمييز بين علم اللغة الداخلي و علم اللغة الخارجي، فعلم اللغة الخارجي مرتبط بالعلاقات و الظروف و البيئات و الأوضاع الخارجية المتصلة بالحقائق اللغوية، أما علم اللغة الداخلي فمرتبط بالقوانين المنبثقة من اللغة ذاتها بغض النظر عن الإطار الخارجي.
           وقد كان "رومان جاكوبسون " من الشخصيات التي أثرت في تطور النقد البنيوي ،وقامت
بالربط بين اتجاهاته الغربية، إذ كان في بدايته من الشكليين ثم انتقل عضوا في جمعية براغ اللغوية في الثلاثينات وفي الأربعينات و الخمسينات رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
           و يتركز النقد في هذا الأدب باعتباره  ظاهرة قائمة في لحظة معينة تمثل نظاما شاملا، وبذلك تصبح الأعمال الأدبية أبنية كلية، وتحليلها يعني إدراك علائقها الداخلية ودرجة ترابطها مما يجعلها تؤدي وظائف جمالية متعددة، و من ثم فالعنصر الجوهري في العمل الأدبي هو الذي لا يرتبط بالجانب الخارجي المتعلق بالمؤلف، أو بالسياق التاريخي أو النفسي أو الاجتماعي ، و إنما يرتبط بما بدأ البنيويون يسمونه "أدبية الأدب" أي العناصر التي تجعل من عمل أدبي أدبا، وهي العناصر التي تكون ماثلة في النص، و محددة لجنسه ولخصائصه الفنية، و لوظيفته الجمالية، وبذلك فإن البنيويين لم يتعرضوا لتحليل العلاقة بين الأدب و الحياة، إذ حددوا أن مجال اشتغالهم ليس لغويا و لكنه ميتا لغوي، أي أن المبدع يرى العالم و يكتب عنه ، لكن الناقد ليس له علاقة بهذا العالم، بل هو يرى العمل الأدبي و يكتب عنه، و من ثم تصبح لغة النقد تسبح فوق لغة النص، و تحاول أن تقبض عليها، و تحلل علاقاتها، و من هنا فإذا كان موضوع الأدب هو العالم فإن موضوع النقد هو  الأدب، و بذلك لم يعد النقد مجالا لبروز أيديولوجيات أو نظريات مرتبطة بجوانب سياسية أو اجتماعية أو تاريخية.
          و هكذا  لم تعد نظرية الأدب مع البنيوية نظرية في الحياة ، و إنما أصبحت نظرية في ظواهر الإبداع الأدبي من منظور لغوي و فني و جمالي، وقد استندت البنيوية في ذلك على جدار فلسفي متين باعتبارها محاولة في تحويل دراسة الأدب و نقده إلى نوع من العلم الإنساني الذي يأخذ بأكبر قدر من روح "المنهج العلمي"، حيث استفاد في ذلك من الغطاء النظري للبنيوية الذي يمثله "علم اللغة"، وهو المنبع الحقيقي للمصطلحات التي استخدمتها البنيوية في جميع المجالات المعرفية، بما فيها النقد الأدبي(44)
       
         خاتمة

                  يتبين من خلال ما سبق دور المنهج العلمي في تطور الدراسات الأدبية الحديثة، سواء من حيث طرق و أساليب و تقنيات البحث و الدراسة ، التي تهدف إلى الفهم والتنبؤ و الضبط و التحكم ،  أم من حيث التأثر بعدد من العلوم التي اعتبرت مرجعيات أساسية في ظهور معظم المناهج الحديثة، التي ما كانت لتبزغ لولا هذا الارتباط العضوي بينها وبين هذه العلوم ، وذلك وفق الأسس المنهجية التي توافق عليها العلماء و الفلاسفة والدارسون منذ ظهور "المنهج العلمي" بمفهومه الحديث على يد مجموعة من الرواد  كفرنسيس بيكون و ديكارت و كانت وهيكل،بعدما تحررت البشرية من سيطرة مؤلفات أرسطو الفلسفية و العلمية ، مما مكن المناهج  النقدية من الاستفادة من الطفرة العلمية التي شهدتها العلوم الحديثة، فأصبحت ـكما رأيناـ تعتمد على التصور النظري و التحليل التطبيقي للنصوص، ومن ثم صار النقاد يحددون النظريات النقدية و الأدبية ومنطلقاتها الفلسفية و الابستيمولوجية، ويختزلونها في فرضيات و معطيات و مسلمات، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى التأكد من هذه التصورات  النظرية من خلال التحليل النصي التطبيقي للتأكد من النتائج و الخلاصات التركيبية.

هوامش البحث

          1)  البحث العلمي: مفهومه ـ أدواته ـ أساليبه  لمجموعة  من الأساتذة ص 24
     ط  دار الفكر 1989
           2)  لسان العرب ابن منظور مادة نهج
           3) مناهج النقد المعاصر د صلاح فضل ص 9 ط أفريقيا الشرق 2002  
           4) الموسوعة العلمية الحر مادة المنهج العلمي
           5) البحث العلمي :مفهومه ـ أدواته ـ أساليبه لمجموعة من الأساتذة ص 20 ـ 22 
           6) مناهج النقد المعاصر د صلاح فضل ص 10
              7) كيف تكتب بحثا أو منهجية كتابة الحث د إيميل يعقوب ص 9 ـ 10 ط جروس بريس لبنان.
           8) مناهج الدراسات ألأدبية الحديثة د عمر محمد الطالب ص 11 ط دار اليسر 1988 
           9)  الأدب وفنونه د محمد مندور ص 128ط  دار نهضة مصر للطباعة و النشر 
           10) نقد الشعر عند العرب حتى القرن الخامس الهجري د أمجد الطرابلسي ص78ـ79 ط دار توبقال للنشر و التوزيع 1993
           11) النقد المنهجي عند العرب د محمد مندور ص 93 ط مطبعة نهضة مصر
           12) مناهج الدراسات الأدبية الحديثة د عمر محمد الطالب ص11   
           13) البحوث الأدبية مناهجها و مصادرها عبد المنعم خفاجي ص19
           14) منهج النقد الأدبي  إيريك أنديرسون ص11 ترجمة د طاهر أحمد مكي مكتبة الآداب القاهر1991
           15) نفسه ص 18
           16) مناهج الدراسات الأدبية الحديثة محمد عمر الطالب ص 17
           17) مناهج النقد الأدبي ص 21
           18) الموسوعة العالمية الحرة ـ مادة علم الاجتماع
           19) مقدمة ابن خلدون ص 6  ط دار الفكر للطباعة و النشر
           20) اتجاهات نظرية في علم الاجتماع ص 15 مجلة عالم المعرفة عدد 44ـ 1981
           21) نفسه ص 16
  
            22)مناهج النقد الأدبي إيريك أنديرسون ص 34
               23) علم النفس د كامل محمد محمد عويضة سلسلة علم النفس ص 4 ـ7
           24) عيار الشعر ابن طباطبا العلوي ص 20 ط دار الكتب العلمية 1982
           25) مناهج النقد المعاصر د صلاح فضل ص54ـ 55
      26) تعريف علم اللغة د فارح بن محمد عبد ـ "موقع قياس "
               27) مناهج النقد الأدبي إيريك أندرسون ص28.                             
      28) عصام البغدادي الحوار المتمدن العدد:1072ـ2005/1/8
      29) جدل النقد و علم الجمال مجاهد عبد المنعم مجاهد ص 17ـ 18 ط دار الثقافة للنشر و التوزيع القاهر 1997
      30) نفسه ص 19
      31) العلم والنقد الأدبي ـ لندن 1949
      32) مناهج النقد الأدبي إيريك أنديرسون ص47ـ48
      33) مناهج النقد الأدبي ص 107ـ195
      34) مناهج النقد المعاصر ص10ـ11
      35) نفسه ص 09ـ10
      36) نفسه ص12
      37) نفسه ص23
      38) نفسه ص25
      39) نفسه ص27
      40) نفسه ص 30
      41)  نفسه ص39
      42) نفسه ص39 ـ 52
     43) نفسه 54ـ 65
     44) نفسه 69 ـ 85).

     
     
                              



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)