القبيـلة من منظور النظريـة الانقساميـة





بقلم: لعبيدي لصفر


تعد  الانقسامية بحق، من بين النظريات التي مارست إغراء كبيرا على الباحثين خاصة المهتمين منهم بمجال المجتمع القروي بالمغرب.[1]وقد تبدو أهمية هذه النظرية وجاذبيتها أيضا، في طابعها التبسيطي وفيما تقدمه من قدرة على استيعاب مختلف أشكال ومستويات الحياة الاجتماعية والسياسية، ضمن مقولات أكثر  بداهة وأولية من قبيلمقولة "النسب"، هذه الأخيرة التي تشكل البنية الارتكازية لأي تحليل انقسامي، والمفهوم الذي تتحدد من خلاله وعبره كافة مستويات التنظيم الاجتماعي والسياسي "الانقسامي"، بدءا من  أصغر وحدة(العائلة)، وانتهاءا بأكبرها وهي (القبيلة).  قد تبدو هذه النظرية إذن، وفي تركيزها الشديد هذا على مفهوم النسب(الجينالوجيا)، أقرب إلى نظرية ابن خلدون حول "العصبية القبلية"، لدرجة "يصبح ابن خلدون عندها أب التجزيئيين، خاصة لما يعالج علاقة الدولة بالمجتمع ومسألة اللاتمركز عند المغاربيين"[2].وهنا بالذات تكمن إحدى أسس الطرح الانقسامي التي لم تأخذ حقها بما يكفي من الدراسة والتحليل.
     في الواقع، لا يمكن نفي ذلك التأثير القوي الذي مارسته النظرية الخلدونية هذه حول "العصبية"، ليس فقط على الانقساميين وحدهم، بل أكثر من ذلك على من سبقهم من مؤرخي وإثنوغرافيي الإدارة الكولونيالية الفرنسيةلكن الذي يمكن قوله بخصوص هؤلاء قد ينطبق  إلى حد بعيد  على الانقساميينفالكل انطلق من"نصوص خلدونية مفصولة عن سياقاتها، أو دون أخرى تعدلها وتنقحها"[3] علاوة على ذلك، نضيف بأن  ابن خلدون نفسه  ورغم موضوعيته  قد ظل سجين تطلع سياسي نحو دولة إمبراطورية وسلطة مركزية، وهذا ما لم يتحقق في إطار تجربة الدولة الموحدية ولا المرينية التي خلفتها، مما جعله يضخم من واقع التجزئة و"الانقسامالذي حال دون هذا التطلع[4]ومن هنا أصل رؤيته الانقسامية، التي جعلت (إرنست كيلنريصفه بالمؤسس الفعلي للخطاب الانقسامي حول المجتمعات المغاربية.
   لقد ساعدت كتابات ابن خلدون على تزكية العديد من الأطروحات التاريخية والأنثروبولوجيا لأن نظرته إلى القبيلة تتمسك بفكرة السكونية  وتصور التاريخ الدائري، ولا غرابة أن يغري ابن خلدون البحث الأنثروبولوجي في صيغته الوظيفية لأن هذه الأخيرة تميل إلى تحليل الوحدات الاجتماعية المنغلقة، حيث تلقي المعاينة الميدانية بوسط اجتماعي يكشف ألغازه بدون الاستناد إلى خلفيه التاريخيـة.[5] 
لكن، إذا كانت إحدى أصول الأطروحة الانقسامية تمتد، بشكل أو بآخر، إلى حدود ابن خلدون ونظريته تلك حول "العصبية والدولة"كما صاغها في مقدمته الشهيرة، فإن الأساس النظري والإبستمولوجي بالمعنى الدقيق للمفهوم  والذي  يؤسس لهذه الأطروحة، قد يعود بأصوله إلى السوسيولوجيا الوضعية Sociologie positive خاصة مع إميل دوركهايم E. Durkheim كما أن هذا الأخير قد بنى تحليلاته بخصوص المجتمع "القبائليبالجزائر على التقارير الإثنوغرافية لكل من هانوتو ولوتورنو في كتابهما " القبايل والأعراف القبايلية"(1872) و كذلك إميل ماسكوري في دراسته " نشأة الحواضر لدى السكان المستقرين بالجزائر"(1886) - حيث أعاد تركيب بنية المجموعات المستقرة في القبايل والأوراس والمزاب على النمط الذي عرفته روما وأثينا في تاريخهما المبكر- لقد انطلق هذا دوركهايم في أطروحته الشهيرة "حول تقسيم العمل الاجتماعي"،من  فكرة أساسية مفادها أن المجتمعات تنتقل تدريجيا، عبر التطور التاريخي، من أشكال "التضامن الآليإلى أشكال"التضامن العضوي"، ففي النمط الأول يكون الأفراد متشابهين في مشاعرهم وأحاسيسهم، ويشتركون في نفس القيم، كما أنهم متفقون على نفس المبادئ والأشياء المقدسة؛ ويطغى عليهم  نتيجة  ذلك  التجانس لأنهم لم يتباينوا ولم يتغايروا بعد ،لكن وبفعل عوامل الكثافة الاجتماعية وأنماط الاتصال والتقسيم الاجتماعي للعمل، يحدث ذلك الانتقال من النمط الأول أو الحالة الآلية إلى  حالة أكثر تطورا وتعقيدا، وهي الحالة العضوية أو ما يصطلح عليه دوركهايم بـ"التضامن العضويالذي يأتي تضامن الأفراد وتماسكهم فيه، نتاجا لتباينهم وتعبيرا عن هذا التباين في نفس الوقت".[6] إن أشكال "التضامن العضويهي التي تسود في المجتمعات الطبقية(أوروبا المعاصرة)، أما التضامن الآلي" فإنه يسود الانقسامية ، يقول دوركهايم في هذا الصدد:" نقول عن هذه المجتمعات بأنها انقسامية للدلالة على أنها مكونة عن طريق تكرار تكدسات بشرية متماثلة فيما بينها، وشبيهة بحلقات العمود المحلق ، ومن هذا التكدس الأول تنشأ القبيلة لأن هذا اللفظ يعبر جيدا عن الطبيعة المختلطة للقبيلة التي هي عائلية وسياسية في نفس الوقت، أنها عائلة باعتبار أن جميع الأعضاء المكونين لهل يعتبرون أنفسهم بمثابة أقرباء، بينما هم في الواقع تجمعهم وحدة الدم[7].
 يعتبر دوركهايم إذن، هو أول من صاغ مفهوم   الانقسام Lasegmentation أو "النسق الانقسامي"، معتبرا بأن المجتمع"القبائليبالجزائر يقدم النموذج الأرقى لهذا النمط من التنظيم، فهو مجتمع تقليدي، قبلي، يجهل أي شكل من أشكال السلطة المنظمة، وهذا ما يمنحه خاصية المجتمعات ذات التضامن الآلي، أو ما يمكن تلخيصه في مقولة "النسق الانقسامي". وقد حدد بذلك إحدى أهم شروط هذا النسق في مقولتي: (التشابهو(التباينأو (الاتحادو(التعارض): "فلكي يكون التنظيم الانقسامي ممكنا، لابد من أن تتشابه الأقسام، وبدون هذا التشابه لا يمكن أن تتحد وأن تتباين، وبدون هذا التباين والخلاف سيضيع بعضها في بعض، وتنتهي إلى التلاشي".[8] لقد وجد الانقساميون بالطبع ضالتهم في هذا التمييز، حيث أسقطوا النموذج الآلي على مجتمعات قبلية إفريقية، رأوا فيها النقيض التاريخي والسوسيولوجي لمجتمعات  أوربا "العضويةأو (الطبقية)، مستندين في ذلك على منهج في المقاربة والتحليل يقوم على أساس الدمج بين الوظيفية Fonctionnalisme والبنيويةStructuralisme . وكانت البداية طبعا، مع الأنثروبولوجي الإنجليزي إيفانس بريتشارد الذي يعتبر بحق أول من طبق النموذج الانقسامي على مستوى ميداني، وذلك في إطار دراساته الميدانية حول قبائل "النوير" السودانية وقبائل "بدو برقة" الليبية، فقد استطاع هذا الأخير  وبشكل ذكي  أن يوضح قواعد وأبعاد اللعبة السياسية في المجتمع  الانقسامي، والتي صورها على شكل (لعبة الشطرنج). وكان من بين أهم نتائج أبحاثه تلك  حول قبائل النوير السودانية  هو  أن القبائل تكون وحدة سياسية، وهي منبثقة من جماعات متعددة(عشائر)، كما أن القبائل المتعددة تشكل بدورها اتحادا قبليا أو تحالفا، وهذا هو أرقى مجتمع سياسي يعرفه هؤلاء القبليون.[9] كما حاول إبراز كيفية اشتغال آليتي "التعارضو "التحالف"، كما صاغهما دوركهايم من داخل النسق الانقسامي، لتصبح القبيلة أو البناء القبلي على شكل "نظام وظيفيتحكمه "بنيات القرابة والنسب"، في إطار اللعبة  الانقسامية التي تتحدد من خلال القسمات المتعارضة والمتوازنة أيضافكلما تم الانتقال إلى مستويات أعلى، كلما اختفت عوامل الصراع والتعارض، بدءا من خط النسب وانتهاء بالقبيلة، ثم الاتحاد القبلي.[10]
 في مجتمع كهذا إذن، تحكمه آليات الانشطار والانصهار التي تخضع بدورها لمنطق النسب، لا وجود لأي نوع من التراتب الاجتماعي، لأن أساس المجتمع  الانقسامي هو وحدة النسب، مع ما تفرضه هذه الوحدة من مساواة بين كل مكونات النسقوهذا يعني من بين ما يعنيهغياب أي احتكار للعنف المشروع (السلطة)، لأن"البنية  الانقسامية تحول ضد تمركز السلطة في أية هيأة أو جهاز خاص"، والنتيجة طبعا غياب الدولة في الأصل.[11]
3-1- النموذج الانقسامـي بخصوص القبيـلة المغربـية:
بحكم تركيبتها الاجتماعية المتميزة، وطبيعة نظمها الثقافية، السياسية والسوسيومجالية، اعتبرت القبيلة بالمغرب نموذجا لنسق انقسامي قائم الذاتولعل هذا ما تمخضت عنه مجموعة من الأبحاث والدراسات أنجزها بعض رواد البحث الأنثروبولوجي الأنجلوسكسونيون، حول عدد من قبائل المغرب.
    في هذا الإطار إذن، تأتي دراسة إرنست كلنير حول قبائل الأطلس الكبير  الأوسط الموالية لزاوية أحنصال، وقبله دفيد هارت الذي يعتبر أول من درس واقع القبائل المغربية من خلال نموذج التحليل الانقسامي؛ حيث قام بدراسة ثلاثة قبائل هي: (آيت عطابالأطلس،(دكالةبالجنوب و(بني ورياغلبالريف الأوسطوأخيرا رايمون جاموس الذي ركز دراسته الشهيرة حول "العرض والبركة"، على إحدى قبائل الريف الشرقي، والأمر يتعلق بقبيلة "قلعية". على الرغم إذن من اختلاف أمكنة وأزمنة هذه الأبحاث والدراسات، فإن ما يوحد بينها جميعا هو كونها تتأطر ضمن ما يعرف بـ"الأطروحة  الانقسامية"، فما هي إذن أهم نتائج هذه الأطروحة حول القبيلة المغربية؟
3-1-1- القبيـلة عند ارنيـست كيلنـر:
انطلق كيلنر في دراسته لقبائل الأطلس من أولية أساسية حكمت توجهه النظري العام وأيضا المنهجي، فالمجتمعات القبلية البربرية في الأطلس ذات نسب أبوي تنعكس أبعاده وعلاقاته القرابية على المجال الجغرافي، بحيث نجد أن لكل قبيلة مجالها الخاص، فهو يحبس التنظيم القبلي على غرار ايفانس بريتشارد في شكل دوائر متحدة المركز تنم عن تداخل مستويات الحياة القبلية، إذ تنشطر القسمات فيما بينها بفعل التعارض ونشوب نزاعات قد تتطور فتصبح دموية حسب الظروف، كما أنها تنصهر فيما بينها عند ظهور مستجدات معينة.
ويتعرض كيلنر إلى وجود التنظيمات السياسية داخل القبائل، بالرغم من غياب أي تراتب فإنه يقر بوجود أعيان يقومون بالتحكيم في أوقات النزاعات، ويشرفون على الانتخابات التي تنبني بدورها على مبدأ التناوب والتكامل، وما هؤلاء الصلحاء إلا اكرامن الذين يتسمون بالبركةحيث يلجأ القتلة إليهم لطلب الوساطة والعفو، كما يتكفلون بضمان أمن الحدود، ويشرفون على الانتخابات والأسواق والمواسم".
إن عناصر التنظيم القبلي عند كيلنر ترجع في النهاية المطاف إلى رابطة الدم كعامل أساسي لضبط العلاقات بين قسمات المجتمع، فكل الأصول تنتهي إلى جد مشترك يتحدد به انتساب القبيلة، وتلك خاصية من خصائص المجتمع الانقسامي التي تنطبق على قبائل الأطلس الكبير في رأي كيلنر إذ يقول:" إن جميع الأوصاف التي تبتت صحتها بالنسبة لمجتمعات متشابهة في مناطق وتنطبق إلى حد ما على هذه القبائل."[12]
غير أن كيلنر لم يكن هو الوحيد الذي درس المجتمع القبلي البربري ومؤسساته الاجتماعية كالكيفية التي يتم بها الانتخابات داخل القبيلة ودور الاكرامن المسالم في حل النزاعات، بل هناك أيضا دفيد هارت الذي ركز على المبادلات التجارية وغيرها لقبيلة آيت ورياغل وهي قبيلة بربرية ريفية.
3-1-2- القبيـلة عند ريمـون جامـوس :
حاول ريمون جاموس إبراز المعالم الثقافية لإحدى المجتمعات القبلية البربرية المتمركزة بالمنطقة الشرقية للريف الأقليعيون)، ومساهمته هذه لا تخرج عن سياق النظرية الانقسامية، لقد أراد الكشف عن طبيعة البنيات المجتمعية والنسق القيمي المنظم للعلاقات التي تربط بين الأفراد والجماعات.
إن الاقليعيين يميلون إلى الاستقرار والتشبث بالأرض على الرغم من العوامل والظروف الطبيعية غير الملائمة والباعثة على الهجرة والتنقل، وهذا التشبث بالأرض أقوى وأشد عندهم من القرابة، إن ريمون جاموس يركز على أولوية المكان الجغرافي عواض النسب الذي يعتبره "معطى تابعا وخاضعا لروابط المكان"، كما ركز على ملكية الأرض باعتبارها شرط لامتلاك مراكز النفوذ والسلطة والمكانة الاجتماعية المتميزة داخل القبيلة، وبالرغم من هذه المكانة الاجتماعية التي تخفي تراتبا هرميا داخل القبيلة، فإن جاموس يعترف بوجود نوع من المساواة داخل الأسرة، ومن جهة أخرى داخل" الاتحادية القبلية" المسماة " بخمس الأخماس"، إلا أن هذه الاتحادية لا تمنع من بروز عنف مؤسساتي أو سلطة قاهرة تبلور عما تفرزه تلك الاتحادية أو القبيلة نفسها من علاقات سلطوية.

الهوامش:
[1] . عبد اله حمودي: "الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والقداسة". ملاحظات حول أطروحات كلنر. ضمن كتاب الأنثروبولوجيا والتاريخ حالة المغرب العربي، ( مؤلف جماعي). ترجمة عبد الأحد السبتي وعبد الطيف الفلق. دار توبقال للنشر، الدار البيضاء 1988،ص 60.
[2]محمد المباركي "بعض المعطيات حول الدولة والمجتمع خلال المغرب القديم"، ضمن كتاب"جدلية الدولة والمجتمع بالمغرب"- مشتركدار إفريقيا الشرق، الطبعة الأولى 1992، ص 121.
[3] بنسالم حميش: "العرب والبربر في مختبر التاريخ الاستعماري"، جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 13 أكتوبر،1995، ص 4.
[4]  محمد المباركي، مرجع سابق، ص 123
[5]  مقدمة " كتاب الأنثروبولوجيا والتاريخ حالة المغرب العربي"، ( مؤلف جماعي). ترجمة عبد الأحد السبتي وعبد الطيف الفلق. دار توبقال للنشر، الدار البيضاء 1988،ص7.
[6] عبد الباسط عبد المعطي، اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، عالم المعرفة، عدد44، أغسطس 1981، ص82.
[7] عبد  الكبير الخطيبيالمراتب الاجتماعية بالمغرب قبل الاستعمار، المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع، العدد الثاني 1975، ص 31.
[8] جون واتربوري: "الملكية والنخبة السياسية في المغرب"، ترجمة ماجد نعمة وعبود عطية، دار الوحدة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت- لبنان 1982،ص 34.
[9] نفس المرجع السابق، ص7.
[10] المختار الهراس: "التحليل الانقسامي للبنيات الاجتماعية في المغرب العربي: حصيلة نقدية"،ضمن كتاب:            "نحو علم اجتماع عربي"، جماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى،بيروت 1986، ص98.
[11] عبد الله حمودي:"الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والقداسة". ملاحظات حول أطروحات كلنير، نفس المرجع السابق،ص 63.
[12] الهادي الهروي: " القبيلة والإقطاع والمخزن"، مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث 1844-1934 إفريقيا الشرق، المغرب، ، ص الهادي الهروي، 57.


تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)