جنيف.. والجو غير النظيف..



 
جنيف.. والجو غير النظيف..

بقلم: يوسف عشي

هلل العالم واستبشر، ثم عبس وانكسر، فالمسألة لا تتعدى كونها لعبة، وحتى لو حصدت أرواح ملايين البشر. فسيناريو اللعبة حبك وسعرت أحداثه.. ولكي تكتمل الصورة صبغت بالدم الأحمر. فمتى كان الدم الأزرق مساويا لدم البشر؟ تجيب آلهة الغرب بما رواه التاريخ لماما.. وعجزت عن استيعابه العرب الحمر!.. واليوم حين تمسك روسيا والولايات المتحدة بأطراف الخيوط، كل الخيوط، وتشرعان في لعبة ترقيص الدمى.
والويل كل الويل إذا قررت إحدى الدمى لعب دور البشر، فحينئذ تجر روسيا خيط الدمار السوري وتشذو ترانيم دورها على أوتار الفيتو. فلا تلبث الولايات المتحدة أن تهز خيط الحرب وتسير كبهلوان السرك، الذي يبدو وكأنه قرر السير على الحبل الذي تهزه طبول الحرب، وترفع من وتيرة إيقاعه بلاد موليير، في الوقت الذي تلعب فيه بلاد الملوك لعبة القانون الرافض لتحقيق قانون العقاب الحضاري للأسد غير الويلزي.. كذا يبدو المشهد وتتعالى أصوات صفيق القرود..
هكذا يبدو المشهد أو بالأحرى هكذا يبدو لي شخصيا المشهد.. هزليا عبثيا همجيا ولا إنسانيا.. أقول هذا الكلام لأسجل لحظة سوداء من تاريخ الإنسانية التي يحق أن نسميها بالأزمة اللاإنسانية.. والمطلوب منا بكل بساطة هو مواصلة لعب دور البلهاء في هذه التراجيديا اللامسرحية.. رغم أن ما عهدناه عن أبي الفنون هو الإيحاء والرمزية الهادفة وليس العبثية والبلادة الأخلاقية..
أرجو من القارئ الكريم أن يعذرني إن وجد في كلامي تخبطا أو حتى لعبا بالمفاهيم.. فالأمر فاق كل ما يمكن للعقل البشري تحمله.. ولتوضيح الأمور نتساءل بشكل مباشر: ما معنى أن يظهر الإنجليز والأمريكان اشمئزازهم بعد قتل الأعداد غير القليلة من الناس بالكيماوي؟ ترى هل الموت بغير الكيماوي ليس موتا؟ هل يحق لبشار أن يقتل كما يشاء لكن فقط لا يستعمل الكيماوي، فالصواريخ وبراميل المتفجرات وطائرات الأباتشي ووو.. ربما تقتل الناس لكن تقتلهم برفق.. ثم يلعب الكامروني المزور لعبة البرلمان البرغماتي الذي لا يهمه موت البشر، بقد ما تقض مضجعه الأزمة الاقتصادية..
لكن البطل الجديد للمسرحية  المولييرية غير الهزلية يأبى إلا أن يظهر ناصبا هامته ومبرزا عضلاته رفضا للكيماوي، لكنه يأبى أن يحول الملهاة المولييرية إلى تراجيديا شكسبيرية بتلويحه بموت البطل الذي لا يستطيع مقاومة الشر لوحده.. لهذا يقرر مواصلة الملهاة اللامولييرية بإعلانه المضحك بل وربما المثير للشفقة.. أن فرنسا لن تواجه الشر وحيدة.. فالمسكينة هي أضعف من أن توجه ضربة عسكرية لنظام منهوك القوى، وهي نفسها التي لم تنتظر موافقة أحد للتدخل عسكريا وبكل قوة في مالي.. ربما لسان حال ساكن الإليزيه يقول مالي مالي ولا أحد يمكن أن يخرجه من جيبي حتى لو كان الإرهاب  الذي أعلن الحلف الأطلسي نفسه عدم جوى مواجهته عسكريا..
أما العم سام وهو يواصل لعب دور الإنسان السامي صاحب الدم الأزرق الذي لا يعنيه سميه صاحب الدم الأحمر، خرج على العالم بقسماته الودودة في نسختها البائسة، عفوا، ذات البأس، ليعلن أن الأمريكان لا يتسامحون حينما يتعلق الأمر بالخطوط الحمراء. أما الدماء الحمراء فقَتّل ولا تخف على وزن حَدّث ولا حرج.. ينعق النسر الأمريكي المنزوع المخالب، ينعق مادا جناحيه فوق الخراب وقد تحول النسر إلى غراب بئيس لا ينتظر من ورائه سوى التنذر بالشؤم..
وتتواصل لعبة شد الخيوط.. الدب الروسي من جهة، الذي يكشر عن أنيابه حين ينعق النسر الأمريكي الذي لا يلبث أن يحلق عاليا متخذا وضعية الانقضاض لينكمش الدب حتى يستحيل فارا فيستنجد براهب النار الذي تحول بقدرة قادر إلى ناسك متعبد يسلخ باسم الدين، ويعارض باسم الدين، ويقاوم باسم الدين الذي بني أصلا على عقيدة فاسدة تلك التي إن لم  تأله البشر، فهي تضع إمامهم في مرتبة فوق البشر كإمام معصوم، جعل حزب الله يتحول إلى حزب للشيطان.. وحول البنادق من الخنادق والثغور إلى جباه وأعراض الجيران بكل سفور..
ويتواصل المشهد العبثي بلقاء جنيف الذي طال انتظار نسخته الثانية، التي لن تكون أقل قذارة من الأولى.. لتفوح الروائح النتنة لصفقة أمريكية روسية تخدم إسرائيل..
ثمة سؤال قد يبدو عتيقا وقديما وأتى عليه الدهر: من المستفيد من هذه البروباغاندا؟ من المستفيد من تحييد الترسانة الكيماوية السورية؟ من المستفيد من إضعاف القدرة العسكرية لجيش كان إلى حد قريب رغم ما سيقترف من جرم فادح، كان يصنف كثاني أقوى جيش عربي بعد الجيش المصري.. من المستفيد من هذا الشتات العربي؟.. لمصلحة من يصب تحويل الربيع العربي إلى خريف دموي؟ من الذي يعطينا دور الكراكيز أو الكومبارس في أحسن تقدير؟ حتى يتراجع أوباما ويطلب التفويض من الكونغرس، ثم تأجيل التصويت خوفا من أن يصوت بسرعة بالموافقة على أمر يستفتيهم في قبوله وهو يريد رفضهم.. حقيقة لا أرى مهزلة أكثر درامية من مشهد هذا الرئيس البئيس الذي نجح ربما في تحقيق رقم عالمي جديد، ربما يسجل في موسوعة غينيس كأجبن رئيس أمريكي ينجح في إثارة شفقة العالم، والعالم العربي المنكل به تحديدا..
لقد فاحت رائحة نتون جنيف. لأن ما جعلت له، انتهى قبل أن يقرر اللقاء البئيس بين لافروف وكيري.. وحتى يعقب كيري الذي كان منذ ساعات يستجدي الكونغريس للتصويت بالموافقة، يعقب في جنيف على كلام لافروف قائلا :"لا طريق أجدى من الدبلوماسية في حل الأمور.."   أليس هذا بالأمر العجيب !!.. لا أظن ذلك..  


مقالات أخرى للكاتب:



تنويه: تماشيا مع مبادئ المجلة المرجو التعليق باللغة العربية

فيلوبريس على الفيسبوك

المواضيع الأكثر قراءة

فيديوهات فيلوبريس (في انتظار التفعيل)